شيوى مين في حوار خاص لـ«دار المعارف»: مصر والصين.. شراكة تتجه نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي

شيوى مين في حوار خاص لـ«دار المعارف»: مصر والصين.. شراكة تتجه نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقميقنصل عام الصين بالإسكندرية

في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها العلاقات المصرية الصينية، تبرز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وبكين باعتبارها نموذجًا متناميًا للتعاون بين دول الجنوب العالمي، لا سيما مع اتساع مجالات التعاون لتشمل التكنولوجيا الحديثة، والاقتصاد الرقمي، والطاقة الخضراء، والتصنيع، ونقل التكنولوجيا، إلى جانب التنسيق بشأن قضايا الأمن والسلام الإقليمي والحوكمة الدولية.

وفي هذا الإطار، أجرت بوابة «دار المعارف الإخبارية» حوارًا خاصًا مع شيوى مين، القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية بالإسكندرية، تناولت خلاله نتائج زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، ومسار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وآفاق التعاون خلال المرحلة المقبلة، ودور الإسكندرية والمحافظات الواقعة في نطاق الاختصاص القنصلي في تعزيز العلاقات المصرية الصينية.

بدايةً.. كيف تقيمين مسار العلاقات المصرية الصينية في ضوء التطورات الأخيرة وزيارة الرئيس الصيني لمصر؟

العلاقات الصينية المصرية شهدت خلال الفترة الأخيرة تطورًا قفزيًا ونقلة نوعية، وذلك في ظل التوجيه الاستراتيجي لقيادتي البلدين، وما تشهده الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين من تنامٍ متواصل في مختلف المجالات.

وقد شكلت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، التي تزامنت مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، محطة مهمة في تاريخ العلاقات الثنائية، وأسفرت عن إصدار بيان مشترك بشأن مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

وعكست هذه الخطوة بوضوح عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، وحرص القيادتين المصرية والصينية على الارتقاء بهذه العلاقات إلى آفاق أوسع، بما يحقق مصالح الشعبين ويدعم التنمية والاستقرار.

شهدت العلاقات المصرية الصينية محطات مهمة خلال السنوات الأخيرة.. كيف تنظرين إلى زيارة الرئيس السيسي للصين في مايو 2024؟

زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الصين في مايو 2024 كانت زيارة بالغة الأهمية، وجاءت بمناسبة الذكرى العاشرة لإقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

وقد صدر خلال الزيارة بيان مشترك، مثّل، إلى جانب البيان الصادر في المرحلة اللاحقة، إطارًا مهمًا لتوجيه مسار العلاقات الثنائية.

ومن وجهة نظرنا، فإن هذين البيانين يمثلان، من ناحية، «خارطة طريق» لتوجيه تطور العلاقات الصينية المصرية، ومن ناحية أخرى، يمثلان «كشف حساب» لما تحقق بالفعل من نتائج في مجالات التعاون المختلفة.

وخلال ما يزيد قليلًا على عامين، وتحت التوجيه الاستراتيجي لقيادتي البلدين، شهدت العلاقات الثنائية تطورًا واضحًا ونقلة نوعية يمكن رصدها من خلال أربعة أبعاد رئيسية.

وما أبرز هذه الأبعاد ونقاط التعاون المصري الصيني؟

البعد الأول يتمثل في التوسع الشامل في مجالات التعاون، والانتقال نحو مجالات جديدة.

ففي عام 2024، كان التعاون العملي يتركز بصورة أساسية في المجالات التقليدية، مثل البنية التحتية، والنقل، والسكك الحديدية، وبناء السفن، والتشييد، إلى جانب عدد من المشروعات الكبرى، ومنها مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة والقطار الكهربائي الخفيف.

أما في المرحلة الحالية، فقد حقق التعاون قفزة ملحوظة، إذ استمر البلدان في تعميق التعاون في البنية التحتية، والنقل، والطاقة، والصناعات التحويلية، والفضاء، والعلوم والتكنولوجيا، بالتوازي مع توسيع مجالات التعاون لتشمل الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والاقتصاد الرقمي، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء، والاستشعار عن بُعد، وغيرها من مجالات التكنولوجيا المتقدمة.

وهذا يعكس انتقال التعاون الصيني المصري بوتيرة متسارعة من المجالات التقليدية إلى المجالات الناشئة، وفي مقدمتها التكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الرقمي، وهو ما يضيف زخمًا جديدًا للعلاقات الثنائية.

وماذا عن توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا؟

هذا يمثل البعد الثاني في تطور العلاقات.

فأنماط التعاون بين البلدين ترتقي من حيث الجودة وتتجه نحو تكامل اقتصادي أعمق. وفي عام 2024، وضع الجانبان توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا ضمن أولوياتهما، وشجعا على دخول عناصر الإنتاج الصينية إلى مصر لإنتاج المنتجات النهائية.

وفي المرحلة الحالية، جرى التأكيد بصورة أكبر على دعم الشركات المصرية والصينية لتنفيذ مشروعات تعاونية في مجالات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتصنيع المحلي.

كما يجري بحث مسارات توطين عدد من الصناعات المهمة، ومنها السيارات الكهربائية، وبناء السفن، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتحلية مياه البحر وغيرها.

ومن شأن هذه الجهود أن تدعم التحول الرقمي والتنمية المستدامة في مصر، إلى جانب توسيع نطاق استخدام آليات مبادلة العملات المحلية، بما يساعد على تيسير التجارة والاستثمار بين البلدين.

والأهم أن هذا التعاون يعكس التكامل المتزايد بين الاستراتيجيات التنموية في الصين ومصر، مع الحفاظ على قوة التعاون في المجالات التقليدية وفتح مجالات جديدة، خاصة في الطاقة الخضراء والاقتصاد الرقمي.

هل يمكن القول إن التعاون المصري الصيني أصبح أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي؟

بالتأكيد. هذا أحد أهم التحولات التي نشهدها حاليًا.

فالعلاقات المصرية الصينية لم تعد تقتصر على مشروعات البنية التحتية والنقل، رغم أهمية هذه المجالات واستمرار التعاون فيها، وإنما تتجه بصورة واضحة نحو التكنولوجيا المتقدمة.

الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بُعد، كلها مجالات تفتح آفاقًا جديدة للتعاون.

وهذا التحول يعكس رغبة مشتركة في أن تكون الشراكة الصينية المصرية أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الجديد وبمتطلبات التنمية المستقبلية.

ماذا عن التنسيق المصري الصيني في قضايا الحوكمة العالمية؟

هذا يمثل البعد الثالث في تطور العلاقات.

أصبحت الحوكمة العالمية مجالًا متناميًا للتنسيق الاستراتيجي بين مصر والصين، يقوم على جهود عملية مشتركة.

ففي عام 2024، حرص الجانبان على تعزيز التنسيق والتعاون في المحافل متعددة الأطراف، ومنها مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، والعمل على تعزيز حق الأسواق الناشئة والدول النامية في التعبير عن آرائها ودورها في النظام الدولي.

وفي المرحلة الحالية، أصبح التنسيق أكثر شمولًا وعمقًا، مع التأكيد على أهمية الدفع نحو إصلاح النظام الدولي ومؤسسات التمويل الدولية، بما يجعلها أكثر عدالة، ويعكس بصورة أفضل تمثيل الدول النامية، ويزيد من قدرتها على مواجهة التحديات العالمية.

وتتمتع مصر والصين بمكانة مهمة في إطار «الجنوب العالمي»، ولذلك ستواصلان توثيق التنسيق والتعاون في المنصات متعددة الأطراف، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، والعمل معًا على دفع إصلاح وتطوير منظومة الحوكمة العالمية.

في ظل الأزمات التي تشهدها المنطقة.. كيف تنظر الصين إلى التعاون مع مصر في دعم الأمن والسلام الإقليمي؟

الأمن والسلام الإقليمي يمثلان البعد الرابع في تطور التعاون بين البلدين.

وقد أظهر البلدان قدرًا أكبر من المسؤولية، مع تضافر الجهود لتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.

وفي هذا الإطار، شدد الجانبان مجددًا على أن القضية الفلسطينية تمثل جوهر قضية الشرق الأوسط، كما أكدا أهمية إدارة البحر الأحمر وأمنه، وأن مسؤولية أمنه تقع بصورة أساسية على عاتق الدول المطلة عليه، بما يضمن حرية الملاحة.

كما دعا البلدان إلى تحقيق وقف إطلاق النار في السودان وبدء عملية سياسية شاملة.

ونحن نقدر المبادرة ذات النقاط الأربع التي طرحها الرئيس شي جين بينغ بشأن الحفاظ على الأمن المشترك في منطقة الشرق الأوسط وتعزيزه.

وتقوم هذه المبادرة على تعزيز القوة الذاتية، ودفع الحوكمة الشاملة، وترسيخ أسس التنمية، وتعزيز التنسيق الدولي، بما يدعم دول المنطقة في البحث عن سبل إقامة هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط، ويدفع النظام الدولي نحو مزيد من العدالة والإنصاف.

كيف ترين مستقبل الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وبكين؟

أعتقد أن البلدين يمران حاليًا بمرحلة حاسمة من مراحل التنمية والنهضة، وهناك إمكانات كبيرة لمزيد من التعاون.

البيان المشترك لعام 2024 وضع خطة لتعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة وأرسى أسسًا متينة لها، بينما أعطى البيان المشترك اللاحق دفعة جديدة لتسريع بناء مجتمع المستقبل المشترك بين الصين ومصر.

وأعتقد أن قوة العلاقات المصرية الصينية تكمن في قدرتها على التطور المستمر والاستجابة للمتغيرات الدولية واحتياجات التنمية في البلدين.

ويمكن القول إن كلما ازدادت قائمة مجالات التعاون الصيني المصري طولًا، ارتفعت قيمتها، وأصبحت القوى الدافعة للعلاقات أقوى.

للإسكندرية والمحافظات الواقعة في نطاق القنصلية أهمية خاصة.. ما دور القنصلية العامة في دعم العلاقات الشعبية والاقتصادية؟

القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية بالإسكندرية مستعدة للعمل مع مختلف الشخصيات والجهات في جميع أنحاء نطاق اختصاصها، من أجل اغتنام الفرص التاريخية وتنفيذ التوافقات المهمة التي توصل إليها رئيسا البلدين، والسير في الاتجاه الذي رسمته قيادتا البلدين.

ونحرص على توسيع التعاون العملي والتبادلات الإنسانية بصورة شاملة بين مختلف المحافظات الواقعة ضمن نطاق الاختصاص القنصلي والجانب الصيني.

وهناك أهمية كبيرة للتعاون على المستوى المحلي، لأنه يضيف بعدًا مباشرًا للعلاقات الثنائية، ويتيح للشعوب والمؤسسات المحلية الاستفادة من الإمكانات المتاحة في البلدين.

وما الرسالة التي تودين توجيهها بشأن مستقبل العلاقات المصرية الصينية؟

رسالتي هي أن العلاقات المصرية الصينية تمتلك أساسًا تاريخيًا قويًا، وإرادة سياسية واضحة، ومصالح مشتركة واسعة.

والمرحلة المقبلة تتيح فرصًا أكبر لتعزيز التعاون في التكنولوجيا، والصناعة، والطاقة الخضراء، والاقتصاد الرقمي، إلى جانب الثقافة والتعليم والسياحة والتبادلات الشعبية.

وسنعمل من جانبنا على مواصلة بناء جسور التواصل بين مصر والصين، وتوسيع التعاون العملي والتبادلات الإنسانية، بما يسهم في ضخ مزيد من القوة المحلية في العلاقات الثنائية، ويدعم بناء مستقبل أكثر إشراقًا للشراكة المصرية الصينية.

3233

أضف تعليق

مصر والصين .. شراكة الحضارات ترسم خريطة المستقبل

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان