مفتي الجمهورية: تكريم المرأة في الإسلام أصل راسخ.. والعنف ضدها محظور شرعًا وقانونًا

مفتي الجمهورية: تكريم المرأة في الإسلام أصل راسخ.. والعنف ضدها محظور شرعًا وقانونًانظير محمد عياد -مفتي الجمهورية

مصر7-9-2026 | 16:10

أكد الدكتور نظير محمد عياد -مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم- أن تكريم المرأة في الشريعة الإسلامية يمثل أصلًا راسخًا في التصور الإسلامي للإنسان والأسرة والمجتمع، مشيرًا إلى أن النصوص القرآنية والنبوية أرست منظومة متكاملة لصيانة كرامتها وحفظ حقوقها وترسيخ حسن معاشرتها، حيث جعلت المودة والرحمة والتعاون والتكافل أساسًا للعلاقة الزوجية، ونهت عن الإهانة والإيذاء النفسي والجسدي، وقررت النصوص أن الحقوق والواجبات الأسرية تقوم على التكافؤ بما يتناسب مع طبيعة دور كل من الرجل والمرأة داخل منظومة الأسرة، وهو ما تكشفه التوجيهات النبوية الداعية إلى الإحسان إلى النساء وحسن معاشرتهن، بما ينفي عن العلاقة الزوجية منطق التصادم والتنازع ويؤسس بدلًا منه لمنظومة أخلاقية تحفظ للبيت استقراره ولأفراده كرامتهم.

جاء ذلك خلال بحث ألقاه فضيلته بعنوان «المرجعيات الدينية وتصحيح المفاهيم المغلوطة» بالندوة الدولية التي يعقدها مجمع الفقه الإسلامي بجدة بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي بعنوان «دور القيادات الدينية في مواجهة العنف ضد المرأة»، بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والقيادات الدينية من مختلف دول العالم، موضحًا أن تكريم المرأة في الإسلام ينطلق من أصل أوسع يتمثل في التكريم الإلهي للإنسان، حيث قرر القرآن الكريم كرامة بني آدم، وجعل التقوى معيار التفاضل، ثم قرر المساواة في أصل التكليف والجزاء والعمل الصالح بين الرجل والمرأة، بما يؤكد أن المرأة في المنظور الإسلامي ليست طرفًا هامشيًّا في البناء الاجتماعي، وإنما إنسان كامل الأهلية في التكليف والثواب والمسؤولية، ومكون أصيل في البناء الأسري والاجتماعي، الأمر الذي يجعل أي قراءة تنتقص من كرامتها أو تبرر إهانتها بعيدة عن المقاصد الكلية للنصوص المؤسسة لهذا التصور.

وفي سياق تصحيح المفاهيم المرتبطة بالعنف ضد المرأة، ميَّز مفتي الجمهورية بين العنف بوصفه سلوكًا يقوم على التشفي أو الانتقام أو إلحاق الأذى الجسدي والنفسي والإهانة، وبين ما ورد في الفقه الإسلامي ضمن معالجة حالة النشوز، مؤكدًا أن الاعتداء على المرأة أو إيذاءها محظور شرعًا وقانونًا ولا يمكن نسبته إلى الشريعة التي أمرت بالإحسان إليها، مشيرًا إلى أن التعامل مع النشوز يأتي ضمن منهج إصلاحي يستهدف تقويم الخلل وحماية كيان الأسرة، وليس فتح الباب أمام العدوان أو الانتقام، حيث ترتبط مشروعية الوسيلة بغايتها الإصلاحية، فإن تحولت الممارسة إلى إضرار أو تشفٍّ أو امتهان للكرامة انتفت عنها صفة الإصلاح، وانتقل الفعل من دائرة التأديب المقيد إلى دائرة الاعتداء المحظور، وهو ما يستوجب التمييز الدقيق بين المفاهيم وعدم وضع جميع صور التعامل مع الخلافات الزوجية تحت عنوان واحد دون مراعاة القصد والضوابط والنتائج.

وأشار فضيلة مفتي الجمهورية إلى أن القوامة في التصور الإسلامي لا تعني سلطة مطلقة للرجل على المرأة، وإنما ترتبط بمسؤولية إصلاحية تستهدف حفظ الأسرة وصيانة كيانها، حيث تستلزم المسؤولية سلطة تساعد على معالجة الخلل وتقويم ما خرج عن الاستقامة، مؤكدًا أن هذه المسؤولية تظل محكومة بالإحسان والعفو والرحمة والمودة، مبينًا أن المنهج الشرعي في معالجة النشوز يقوم على التدرج والحلول الداخلية التي تبدأ بالوعظ والنصيحة، ثم الهجر في المضجع، ثم يأتي الضرب غير المبرح في المرتبة الأخيرة بوصفه تدبيرًا مقيدًا بغاية الإصلاح، مع الانتقال عند تعذر المعالجة الداخلية إلى بعث الحكمين من الأهل قبل الوصول إلى المفارقة والطلاق، بما يعكس حرص المنهج القرآني على حماية الأسرة وأسرارها وتقليل تكلفة الخلاف وإتاحة فرص متعددة للإصلاح قبل انهيار العلاقة الزوجية.

ولفت مفتي الجمهورية الانتباه إلى أن الضرب غير المبرح، وفق التصور الوارد في النصوص، لا يخرج عن كونه آخر مراحل التأديب الإصلاحي، ولا يستقيم اللجوء إليه مع العلم بعدم تحقق الإصلاح أو توقع زيادة الفساد، مؤكدًا أن انتفاء المصلحة يسقط مشروعية الوسيلة، ومشيرًا إلى القاعدة التي قررها العلماء في ارتباط الوسائل بالمقاصد، حيث تسقط الوسيلة بسقوط الغاية التي شرعت لتحقيقها، كما أن التجاوز في مقدار التأديب أو المبالغة في صفته وهيئته أو وقوعه دون مبرر ينقل الفعل من المشروعية إلى الاعتداء المؤثم شرعًا وقانونًا، لافتًا النظر إلى أهمية مراعاة التحولات الاجتماعية والتعليمية والثقافية التي طرأت على المجتمعات، حيث لن يكون الفعل وسيلة للإصلاح إذا آل في الواقع إلى زيادة الفساد وتعميق الخلاف وإلحاق الضرر، وهو ما يجعل الفهم المقاصدي للنصوص ضرورة في معالجة القضايا الأسرية المعاصرة.

واختتم فضيلته بطرح مجموعة من التوصيات الرامية إلى بناء خطاب أكثر رشدًا في قضايا المرأة والأسرة، في مقدمتها صياغة خطاب إفتائي يتسم بالاتزان والوضوح ويسهم في تصحيح المفاهيم الخاطئة حول مكانة المرأة في الإسلام، وتقديم معالجات دينية ودعوية وسطية للقضايا الأسرية الحساسة، وإعداد برامج متخصصة لتأهيل المقبلين على الزواج من الجوانب الدينية والنفسية والاجتماعية، مع التحذير من فوضى الفتاوى غير المنضبطة وما قد تفضي إليه من تفكك الأسر وزعزعة الاستقرار المجتمعي وتشويه صورة الشريعة الإسلامية، مؤكدًا أهمية تكامل أدوار المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية في نشر ثقافة الرحمة والمودة والحوار داخل الأسرة، ومشيرًا إلى ضرورة إدماج مفاهيم السلم الأسري والتربية على الحوار في المناهج التعليمية بمختلف مراحلها، بما يسهم في تنشئة أجيال أكثر وعيًا بقيمة الأسرة وأكثر قدرة على احترام المرأة وفهم القيم القرآنية والنبوية التي ترسخ العدالة في الحقوق والواجبات.

وتأتي مشاركة فضيلة مفتي الجمهورية في هذه الندوة تأكيدًا على أهمية الدور الذي تضطلع به دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم في تصحيح المفاهيم المغلوطة حول قضايا المرأة والأسرة، ومواجهة ظاهرة العنف ضد المرأة، وتعزيز الوعي الديني والمجتمعي الرافض لمختلف أشكال الإساءة والعنف، إلى جانب حرص فضيلته على الحضور الفاعل في المحافل الدولية المعنية بقضايا الأسرة والمرأة، وتبادل الخبرات والرؤى حول سبل تطوير خطاب ديني رشيد يدعم كرامة المرأة ويصون حقوقها، ويعزز قيم الرحمة والعدل والحوار، بما يسهم في حماية الأسرة واستقرارها وتماسك المجتمع.

أضف تعليق

مصر والصين .. شراكة الحضارات ترسم خريطة المستقبل

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان