قال د. أشرف شاكر، رئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، إن تاريخ المعهد يمتد لأكثر من قرن ونصف، بالتوازي مع تطور علوم الفلك والجيوفيزياء في مصر، وصولًا إلى استخدام أحدث التقنيات في رصد الزلازل والمجال المغناطيسي وحركة القشرة الأرضية والتغيرات التي تطرأ على سطح الأرض.

وأوضح د. أشرف شاكر، في حوار خاص لمجلة أكتوبر تنشره بوابة دار المعارف، أن المعهد يعمل حاليًا على مشروع لإنشاء تلسكوب فلكي كبير في سيناء، موضحًا أن العمل على المشروع بدأ منذ عام 2016، وتم تركيب تلسكوبين، أحدهما في سيناء والآخر في أبوسمبل، بينما من المقرر إنشاء التلسكوب الكبير في سيناء.
ولفت إلى أن تاريخ مرصد القطامية وإنجازاته الفلكية موثق في كتب ودراسات، من بينها بحث نُشر في إنجلترا حول تاريخ المرصد، استغرق إعداده ثلاث سنوات بالتعاون مع رئيس الجمعية الفلكية البريطانية، إلى جانب كتاب تناول تاريخ المرصد والعلم في مصر قبل وبعد عام 1952.
وأكد شاكر أهمية الحفاظ على التراث العلمي للمعهد، مشيرًا إلى أنه جمع عددًا من الوثائق والخرائط والكتب والصور القديمة ضمن مشروع أطلق عليه «ذاكرة المعهد»، ويعمل من خلاله على رقمنة المواد التاريخية وإتاحتها، ومن بين الوثائق التي يحتفظ بها خرائط تاريخية لمصر، ومواد مرتبطة بتاريخ الحدود، إلى جانب خرائط تعود إلى مراحل مبكرة من تاريخ المرصد.

وأشار إلى أن من الشخصيات المرتبطة بتاريخ المعهد العالم هيرست، الذي أقام في مصر 62 عامًا، وأسهم في إنشاء هيئة الأرصاد الجوية ووزارة الري، وكان له دور في الدراسات المتعلقة بالنيل، كما ارتبط اسمه بفكرة السد العالي، وغادر مصر عام 1972.
وأوضح أن تاريخ المعهد يعود إلى عام 1839، عندما أُنشئ المرصد في منطقة بولاق، وكان تابعًا لوزارة الدفاع، وتولى رئاسته عدد من العلماء والمهندسين المصريين، من بينهم محمود باشا الفلكي وعلي باشا مبارك وإسماعيل باشا الفلكي، وأن فكرة إنشاء المرصد ارتبطت برغبة الدولة في إدخال العلوم الحديثة إلى مصر والاستفادة من الكفاءات المصرية، مشيرًا إلى أن الاهتمام بالبحث العلمي وتطبيقاته لم يكن مفهومًا مستحدثًا، وإنما كان حاضرًا في التجربة المصرية منذ تلك الفترة.
وأشار إلى أن علي مبارك كان من أبرز النماذج التي استفادت من هذه المنظومة العلمية، إذ تلقى علومه في مصر ثم سافر إلى فرنسا لنحو 12 أو 13 عامًا، وعاد بعد تفوقه في بعثته العلمية.
ولفت شاكر إلى أن عددًا من العلماء والمهندسين الذين ارتبطوا بالمرصد تولوا لاحقًا مناصب مهمة في الدولة، ومن بينهم محمود باشا الفلكي، الذي أسهم في أعمال علمية وهندسية متعددة، من بينها ضبط مقياس النيل.

وأضاف أن محمود باشا الفلكي تولى كذلك مهام مرتبطة بالتعليم، وكان له دور في اختبار المدرسين، إلى جانب أعماله العلمية في الفلك والمساحة.
وأكد أن هذه المرحلة شهدت توسعًا في دراسة العلوم، قائلًا إن المرصد لم يكن مجرد مكان لرصد النجوم، وإنما كان جزءًا من منظومة علمية أوسع امتدت إلى الهندسة والفيزياء والجيولوجيا والجيوفيزياء.
وبعد مرحلة بولاق، انتقل المرصد إلى العباسية، قبل أن ينتقل عام 1903 إلى موقعه الحالي في حلوان، موضحًا أن التطور العمراني الذي شهدته العباسية، إلى جانب وجود الترام ومظاهر النشاط المختلفة، جعل الموقع غير مناسب لاستمرار أعمال الرصد الفلكي والجيوفيزيقي، وهو ما أدى إلى الانتقال إلى حلوان، مشيرًا إلى أن الفترة الممتدة من 1839 وحتى 1900 شهدت وجود عدد من الأنشطة العلمية المرتبطة بالمرصد، من بينها الأرصاد الجوية والمساحة، إلى جانب أعمال المعايرة.
وأكد رئيس قسم الفلك أن المرصد نفذ أعمالًا فلكية واسعة، من بينها رصد نجوم نصف الكرة الجنوبي، مضيفًا أن من بين الأدوات المهمة التي ارتبطت بتاريخ المرصد منظار رينولدز، الذي وصفه بأنه كان من أوائل المناظير الفلكية المهمة في إفريقيا.

وأشار إلى أن اهتمامه بتاريخ المرصد ازداد من خلال أعمال ودراسات ارتبطت بطلبات من وكالة ناسا بشأن أعمال مرصد حلوان الفلكية، ومن بينها أعمال الرصد التي تعود إلى عام 1909، موضحًا أن محمود باشا الفلكي أنجز خرائط دقيقة للقطر المصري، مشيرًا إلى أن هذه الأعمال ما زالت تحظى باهتمام الباحثين، ومن بينهم باحثون يعملون في دراسة آثار الإسكندرية والمناطق التاريخية.
وقال إن دقة أعمال محمود باشا الفلكي ما زالت محل تقدير، لافتًا إلى أن بعض الباحثين يعتمدون على خرائطه القديمة في استكمال الدراسات المرتبطة بالمواقع الأثرية، ومع تطور المرصد، اتسع نطاق العمل العلمي من الفلك إلى الجيولوجيا والجيوفيزياء والفيزياء، فأصبح النشاط العلمي لا يقتصر على ما يحدث في السماء، وإنما امتد إلى دراسة ما يوجد تحت سطح الأرض.
وأشار شاكر إلى أن هذا التطور جعل المعهد يعمل في مجالات متعددة، من بينها الفلك والجيوفيزياء والمساحة وغيرها من التخصصات المرتبطة بدراسة الأرض والظواهر الطبيعية، موضحًا أن إدارة المرصد تغيرت خلال فترة الاحتلال البريطاني، فتولى إدارته عدد من العلماء البريطانيين، ومن بينهم ويد هيرشل، حفيد العالم هيرشل.
وأشار إلى أن ويد هيرشل ارتبط بأعمال المساحة وترسيم الحدود الشرقية لمصر، وهي الأعمال التي اكتسبت أهمية لاحقة في قضية طابا، مؤكدًا أن أعمال المساحة التي نفذها مديرو المرصد أصبحت جزءًا من الوثائق المرتبطة بإثبات الحدود المصرية، مشيرًا إلى امتلاكه كتبًا ووثائق وأحكامًا مرتبطة بقضية طابا.

وأوضح أن الوثائق تشير إلى دور أعمال المساحة التي نفذها مسؤولو المرصد في تحديد الحدود، معتبرًا أن هذا يمثل جانبًا مهمًا من التاريخ العلمي والوطني للمؤسسة.
وبذلك، لم يكن تاريخ المرصد مجرد مسيرة لرصد النجوم والكواكب، وإنما رحلة علمية بدأت من بولاق عام 1839، وانتقلت إلى العباسية ثم حلوان، واتسعت خلالها مجالات العمل لتشمل الفلك والجيوفيزياء والمساحة والخرائط، مع ارتباط أعمال علمائه بعدد من الملفات العلمية والوطنية المهمة في تاريخ مصر.