خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوى الشريف وبالتحديد فى 26 أغسطس الماضى وجه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة إلى «إعداد تقرير كامل عن الإنجازات الفعلية في كل قطاعات العمل بالدولة في السنوات الماضية، وعرضها على المواطنين خلال شهر أكتوبر القادم، للوقوف بصورة شاملة على حجم الجهود المبذولة، والأموال المنفقة، والنتائج المحققة، ولولا توفيق الله سبحانه وتعالى، وإرادة الشعب المصري في مواصلة مسيرة الإصلاح لما وصلنا إلى حالة التوازن القائمة، وسط عالم مضطرب سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا».
وبالفعل قامت الوزارات بإعداد التقارير ويجرى العمل فى كافة دواوين الحكومة من أجل إنجاز الأمر ليكون أمام المصريين خلال أكتوبر القادم.
وقد قادتنى الصدفة البحتة إلى إحدى الوزارات بالعاصمة الإدارية الأسبوع قبل الماضي، حيث جرى اتصال هاتفى بين أحد المسؤولين بالوزارة وفريق إعداد التقرير خلال قيامه بتصوير مادة فيلمية لعدد من المشروعات بمحافظة السويس.
الحوار الذى دار بين المسؤول وفريق إعداد التقرير المصور استوقفنى كثيرا خاصة وأن التوجيه للفريق بأن يتم عمل تقرير مصور عن المشروعات التى تم إنجازها فى القطاع الصحي بالمحافظة، وللعلم إن محافظة السويس جاءت ضمن المرحلة الأولى لمنظومة التأمين الصحي الشامل .
استوقفنى الأمر كثيرًا وتساءلت: هل كافة الوزارات حرصت على التنفيذ للتوجيه بنفس تلك الطريقة، وإذا كان هذا هو المسار الذى تعتمد عليه الحكومة فى روايتها للتقرير المقرر عرضه على الشعب المصرى خلال أكتوبر القادم؛ هل ستكون الرواية مقنعة، أم أن حديث الإنجازات يحتاج إلى رؤية مختلفة حتى يرى المواطن نتائج المشقة التى تحملها خلال السنوات الماضية لبناء الدولة؟.
عندها عدت إلى التوجيه الرئاسي مرة أخرى لقراءة النص وفق البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية وكذا الفيديو المسجل للاحتفال، لأجد أن بعض الوزارات عليها أن تعيد سماع التوجيه الرئاسى حتى يمكن لها تقديم الحكاية كما ينبغى ووفق الواقع وتفاصيل ما حدث.
وتذكرت أيضا استيقاف الرئيس للعقيد بهاء الغنام خلال افتتاح أحد مشروعات جهازمستقبل مصر، مطالبا بضرورة أن يحكى المسؤول تفاصيل الحكاية.
كما أننى وفى تلك المساحة ضمن سلسلة مقالات حول الحروب النفسية وفى الحلقة الثالثة التى حملت عنوان "فى الحرب النفسية.. على الحكومات أن تنتبه" فى 15 أغسطس الماضي أشرت خلاله إلى ضرورة إدراك الحكومات خطورة عدم شرح تفاصيل أسباب ما تم اتخاذه من قرارات فى التوقيت الصحيح، وكذا خطورة عدم إشراك الشعب فى التعرف على التحديات وتأثيرها على القرارات المتخذة.
(1)لقد تحمل الشعب كثيرا خلال السنوات الماضية فى ظل برنامج الإصلاح الاقتصادي الذى اتخذته الحكومة المصرية لكى تتعافى الدولة بعد مرحلة سيولة أثرت بشكل كبير على العديد من المؤسسات.
كما أن الدولة المصرية لم تتخذ مسارًا للإصلاح دون دراسة ورؤية دقيقة، بل جاء مسار الإصلاح وفق دراسة عكفت عليه كوادر مصرية متخصصة على مستوى عالٍ من الاحترافية والعلم والدراسة.
كما أن ما قامت به الدولة منذ 2014 وحتى الآن لم يأتِ بشكل عشوائى، ولا كما يحاول البعض أن يصور أنه قد غاب عنه فقه الأولويات.. بل جاء وفق رؤية دقيقة ووفق فقه الضرورة أحيانا فى ظل الأحداث والمتغيرات الدولية والأحداث التى ضربت المنطقة.
فقد واجهت الدولة المصرية على مدى عقد ونصف العقد تحديات جسامًا أثرت بشكل كبير على بعض المسارات والخطط المستهدفة، فأعاقت بعضها مما أدى إلى تأخر الانتهاء منها، ورفع حجم تكلفة البعض الآخر ولكن رغم تلك التحديات إلا أن الدولة المصرية نجحت فى مواجهتها والتغلب عليها بقوة تماسك الجبهة الداخلية واصطفاف الشعب خلف قيادته الوطنية وإيمانه بها وحرصه الشديد فى الحفاظ على الدولة فى ظل حالة الخطر المحيط بها وأيضا حالة عدم الاستقرار التى ضربت العديد من دول المنطقة.
أعود إلى التوجيه الرئاسي وما تعمل الحكومة عليه لعرضه خلال المؤتمر وأتمنى أن تفطن له الحكومة مبكرا قبل عرضه على الشعب فى النصف الثانى من شهر أكتوبر القادم، خاصة فى ظل حالة الغضب التى تغذيها بعض قوى الشر متدثرة بأخطاء بعض المسؤولين أو سقوط عدد منهم فى فخ السوشيال ميديا المميت، وأنا هنا لست ضد السوشيال ميديا بل هى إحدى أدوات التأثير فى المزاج العام وبقوة خلال الفترة الأخيرة، ولكن استخدامها بشكل عشوائى هو ما يجعلها خطرًا وفخًا يسقط فيه البعض.
ف الحكومة الحالية ينبغى عليها إدراك حجم المخاطر والتهديدات التى تستهدف وعى الشعب المصرى، بعد أن رسخ فى يقين قوى الشر وأجهزة الاستخبارات التى تدعم الفوضى أن المسار الصحيح والأفضل والأهم لإسقاط الدولة هو تشويه الوعى لدى المواطن وترسيخ حالة عدم الثقة فى الحكومة وتصدير نموذج الدولة الفاشلة لدفع الشعوب نحو الانهيار من الداخل.
إن مخطط إسقاط الدول ينفذ عندما تفشل الحكومات فى أن تروي حكاية ما يجرى على الأرض من مشروعات وما يتم من بناء وما قامت به خلال مواجهتها للتحديات.
قديما قالوا "الإنسان عدو ما يجهل" فعدم معرفة المواطن للتحديات التى واجهت الدولة أو ما كانت ستصير إليه الأمور لو أنها تأخرت فى إنجاز ما قامت به خلال الفترة الماضية، يجعله دائما غير راضٍ عن أداء الحكومة.
وهنا علينا أن نكون منصفين أن أزمة الحكومة كونها غير قادرة أو بمعنى أصح وأكثر دقة أن العديد من أعضائها غير قادر على أن يحكى تفاصيل الحكاية، والتى حال روايتها سيدرك المواطن أن ما تحمله من أعباء لم يذهب سدى ولم يذهب مع الريح، بل سيكون أكثر حرصا على مواصلة مسيرة البناء.
لقد صدق الرئيس عندما قال إننا لم نبنِ سدًّا عاليا واحدا خلال الفترة من 2014 وحتى الآن وكان يقصد المشروعات القومية الكبرى التى تمت خلال تلك الفترة فى كافة قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والصناعة والطرق والإسكان والبنية التحتية والطاقة وغيرها.
لقد تم بناء السد العالى على مر 11 عاما، ظل خلالها أيقونة المشروعات الوطنية القومية المصرية وتغنى به الشعب وكان رمزا لصمود الشعب وقدرته على بناء وطنه.
ومنذ 8 يونيو 2014 والمصريون يواصلون العمل والبناء وتثبيت أركان الدولة واستعادة قوتها كي تكون قادرة على مواجهة التحديات وقد نجح المصريون فى ذلك.
لكن حكاية الحكومة المنقوصة للرواية والتفاصيل هو ما جعل قوى الشر وأدواتها تستطيع النفاذ إلى الوعى الجمعى؛ وهنا لا بد للحكومة خلال مؤتمرها القادم أن تروى تفاصيل الحكاية وفق التوجيه الذى وجه به الرئيس لا وفق رؤية بعض المستشارين الإعلاميين ومع تقديرى الشديد لهم، فقد أخفق العديد منهم فى أن يقدم الثردية السليمة التى تؤثر فى المواطن وفق الواقع.
على سبيل المثال، هل سنجد فى سردية الحكومة وهى تتحدث عن شبكة الطرق الجديدة وتكاليفها؛ حديثًا عن حجم الإنفاق الذى كان المواطن سيتحمله نتيجة إهدار الطاقة فى الزحام وإهدار الوقت، لولا تلك الشبكة الممتدة من شرق البلاد إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، وكم حجم الاستثمارات التى كانت ستغيب عن السوق المصرى وتغيب معها فرص العمل لولا الشبكة القومية للطرق.
وهل سنجد فى رواية الحكومة تفاصيل التحديات وكيف تم التغلب عليها وفق رؤية علمية واحترافية فى التنفيذ جعلت التجربة المصرية نموذجا يحتذى به.
(2) تفاصيل تلك الحكاية كفيلة بأن يدرك المواطن أهمية الإنجاز ويخلق حالة من الرضى الشعبى.
هل سنتعرف خلال المؤتمر على تفاصيل ما حدث من مواجهة للتحديات الصعبة خلال حفر أنفاق قناة السويس (تحيا مصر و3 يوليو وأحمد حمدي 2 وسحارة سرابيوم)، إن ما حدث فى تلك المشروعات معجزة بكل المقاييس وأشهد الله على ذلك، لكن حكاية الحكومة دائما ما تكون ناقصة وتقتصر على الأرقام النهائية والتي لم تكن سوى نتائج لمعادلة تفاصيلها ضخمة ومعقدة، أبطالها أبناء هذا الوطن المخلصون.
هل ستحكي الحكومة حجم ما شهدته سيناء من تنمية خلال الفترة الماضية وكيف اتخذت الدولة قرارًا بمواجهة الإرهاب والتنمية فى آن واحد؟
إن حجم ما أنفقته مصر فى مواجهة الإرهاب خلال 10 سنوات بلغ 120 مليار جنيه بمتوسط يومى من 30 إلى 40 مليون جنيه تكلفة مباشرة.
بالإضافة إلى الشهداء والمصابين الذين ضحوا بأرواحهم ودمائهم من أجل الوطن.
ولو لم تنجح الدولة فى مواجهة الإرهاب لما نعمت بالاستقرار وسط تلك المنطقة التى تعصف بها الاضطرابات.. كما أن تلك التكلفة لو لم تدفع قوى الشر بالإرهاب وتغذيه ضد الدولة المصرية لاستطاعت بتلك الأموال إنهاء العديد من المشروعات.
هل ستروى الحكومة كيف استطاع هذا التهديد أن يعصف بالعديد من الدول؟ لكنه لم ينجح فى مصر لتكاتف المصريين وتحملهم للصعاب وقوة إيمانهم بوطنهم وثقتهم فى قيادتهم.
لقد واجهت الدولة المصرية خلال الفترة الماضية حروبا شتى وأحداثا أسقطت دولًا، لكنها صمدت وازدادت قوة فى مواجهة التحديات، بل وواصلت البناء.
انهارت المنظومة الصحية فى العديد من الدول الأوربية التى كانت تمتلك منظومة صحية عالية المستوى خلال أزمة جائحة كورونا ونجحت الدولة المصرية، بل واستطاعت أن تساعد العديد من دول القارة الإفريقية لمواجهة الجائحة.
وحصلت مصر على ترخيص من شركة "سينوفاك" (Sinovac) الصينية لتصنيع لقاح فيروس كورونا محلياً فى مصانع شركة "فاكسيرا" (VACSERA).
صحيح أن العديد من المشروعات قد تأخر إنجازها عن المواعيد المحددة لها لكنها لم تتوقف يوما، وعبرت مصر الأزمة بعد أن اتخذت قرار الإصلاح الاقتصادى .
كما نجحت مصر فى بدء تنفيذ منظومة التأمين الصحي الشامل، والحكاية هنا بها تفاصيل وتحديات واجهت المشروع وتغلبت عليها الحكومة وقد آن الأوان لها أن تتحدث عنها فى ظل أن هناك شكاوى متكررة للمواطنين فى المحافظات التى لم تصلها المنظومة من سوء الخدمة الصحية بها.
إننى أطمح أن تروى الحكومة تفاصيل ما حدث بمكاشفة شديدة.. فمن حق المواطن التعرف على حجم التحديات، وماذا لو لم يتم إنجاز تلك المشروعات خلال الفترة الماضية؟
ألا يستحق 15 ألف مشروع تم إنجازه فى 4380 يوما أن تروى حكايتها وكيف نجح المصريون فى تنفيذ هذا الإعجاز رغم التحديات؟
إننا لا نريد فى المؤتمر القادم استعراضًا للإنجازات فى أرقام فقط بل نحتاج للتعرف على تفاصيل حكاية كل رقم من تلك الأرقام وماذا لو لم تعمل الدولة عليه؟
لقد أصبح من الواجب أن تتحدث الحكومة عن تفاصيل الحكاية ليصبح الشعب أكثر وعيا بما حققه من إنجاز ويكون أكثر حرصا فى الحفاظ على ما أنجز ومواصلة العمل والبناء للمستقبل.
لقد بات على الحكومة أن تدرك خطورة عدم الحديث عن التفاصيل، ففي الوقت الحالى الشيطان لا يكمن فى التفاصيل كما يقول البعض، لكن الشيطان يكمن فى الصمت أو الحديث المبتور.