حذرت منظمة الصحة العالمية من تفاقم الأزمة الصحية والإنسانية في إقليم شرق المتوسط، مع ارتفاع أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية إلى 117 مليون شخص، في ظل استمرار النزاعات المسلحة والنزوح الجماعي وانتشار الأوبئة وتدهور الأمن الغذائي، بالتزامن مع نقص حاد في التمويل يهدد قدرة الأنظمة الصحية على تقديم الخدمات الأساسية لملايين السكان.
وكشفت المنظمة، خلال اجتماعات الدورة الثالثة والسبعين للجنة الإقليمية لشرق المتوسط بالقاهرة، عن استمرار ثماني حالات طوارئ مصنفة ضمن المستوى الثالث، وهو أعلى تصنيف للطوارئ لديها، محذرة من أن تداخل الأزمات وتزامنها يزيد من خطورتها ويضع النظم الصحية أمام تحديات تتجاوز قدرتها على الاستجابة.
وأوضحت أن النزاعات المتصاعدة أثرت خلال العام الماضي على 14 بلدًا وأرضًا من أصل 22 في الإقليم، بينما يواجه نحو 80 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويستضيف الإقليم 46% من إجمالي النازحين داخليًا على مستوى العالم، فضلًا عن تسجيل 45 فاشية مرضية منذ بداية عام 2026.
وقالت الدكتورة أنيت هاينزلمان، مديرة البرنامج الإقليمي للطوارئ بمنظمة الصحة العالمية، إن الأزمات الصحية والإنسانية لم تعد أحداثًا منفصلة، وإنما أصبحت مترابطة ويؤدي بعضها إلى تفاقم البعض الآخر، بما يزيد الضغوط على المستشفيات والمرافق الطبية ويعطل تقديم الرعاية الصحية للسكان.
وكشفت المنظمة عن تسجيل 588 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية خلال العام الماضي، بما يمثل أكثر من 40% من الهجمات المسجلة عالميًا، ونحو 90% من الوفيات المرتبطة بهذه الهجمات، في مؤشر على حجم المخاطر التي تواجه المرضى والعاملين بالقطاع الصحي في مناطق النزاع.
وأشارت إلى أن تصاعد العنف في الشرق الأوسط مطلع عام 2026 تسبب في مقتل آلاف الأشخاص ونزوح أكثر من 4.3 مليون شخص، وأدى إلى ضغوط متزامنة على الأنظمة الصحية نتيجة الإصابات الجماعية ومخاطر انتشار الأمراض وتعطل الخدمات الطبية الأساسية.
وفي مواجهة هذه التطورات، فعّلت منظمة الصحة العالمية استجابات طارئة في إيران ولبنان والعراق وسوريا والأردن، إلى جانب دعم استعدادات دول مجلس التعاون الخليجي، مع التركيز على علاج الإصابات وتعزيز ترصد الأمراض والاستعداد للتعامل مع الحوادث الجماعية.
ورغم القيود المفروضة على حركة الطيران وارتفاع تكاليف النقل، تمكنت المنظمة من إيصال إمدادات طبية بقيمة تقارب 6 ملايين دولار إلى 26 بلدًا وأرضًا، استفاد منها أكثر من 8 ملايين شخص، إلا أنها أكدت استمرار فجوة تمويلية تبلغ 65% من قيمة النداء العاجل المخصص لمواجهة التصعيد الإقليمي.
وفي السودان، وصفت المنظمة الوضع الصحي بأنه بالغ الخطورة، مع احتياج نحو 21 مليون شخص إلى مساعدات صحية، ومواجهة قرابة 20 مليونًا انعدام الأمن الغذائي، فضلًا عن تعطل العديد من المنشآت الطبية وانتشار فاشيتين مرضيتين على الأقل في كل ولاية من الولايات الثماني عشرة، من بينها حمى الضنك والملاريا والحصبة.
وأوضحت أنه رغم تغطية 19% فقط من الاحتياجات التمويلية المحددة للاستجابة في السودان، نجحت في توفير إمدادات طبية لنحو 1.9 مليون شخص، ودعم عدد من المنشآت الصحية ومراكز التغذية ونشر فرق للاستجابة السريعة.
أما في قطاع غزة، فقد كشفت المنظمة عن استمرار الانهيار الحاد في الخدمات الصحية، مؤكدة أن أيًا من مستشفيات القطاع البالغ عددها 36 مستشفى لا يعمل بكامل طاقته، بينما يواصل 20 مستشفى تقديم خدمات جزئية فقط، في وقت يحتاج فيه نحو 3.6 مليون شخص في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى مساعدات صحية إنسانية.
وأشارت إلى إصابة أكثر من 180 ألف شخص منذ اندلاع الصراع، يحتاج عدد كبير منهم إلى خدمات تأهيل ورعاية طبية متخصصة طويلة الأجل، لافتة إلى أنها وفرت أكثر من 5 آلاف طن من الإمدادات الطبية، ونسقت عمل الفرق الطبية الطارئة التي قدمت أكثر من 5.2 مليون استشارة، إلى جانب المساهمة في الإجلاء الطبي لأكثر من 13 ألف مريض.
وأكدت هاينزلمان أن الاستجابة الإنسانية، مهما استمرت، لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن وجود نظام صحي قادر على العمل، مشددة على ضرورة دعم إعادة بناء المنظومة الصحية في غزة واستعادة قدرتها على تقديم الخدمات للسكان.
وحذرت المنظمة كذلك من تراجع الاهتمام الدولي بالأزمات الإنسانية الممتدة في اليمن وأفغانستان والصومال، حيث يحتاج ما بين ربع السكان ونصفهم إلى مساعدات إنسانية، مؤكدة استمرار دعم الخدمات الطبية الأساسية والاستجابة للأمراض والطوارئ في هذه البلدان.
وفي سياق متصل، أكدت منظمة الصحة العالمية أهمية تعزيز قدرات الدول على الاستعداد للأزمات الصحية قبل وقوعها، وتطوير آليات التنسيق وتبادل المعلومات عبر الحدود، إلى جانب تنفيذ تعديلات اللوائح الصحية الدولية، مشيرة إلى قيام ست دول بتعيين سلطات وطنية مختصة بهذه اللوائح لتعزيز التنسيق والاستجابة.
وشددت على أن نقص التمويل بات أحد أخطر التحديات التي تواجه الاستجابة الصحية في الإقليم، إذ لا تتجاوز تغطية نداءات الطوارئ الصحية الإقليمية 60% من الاحتياجات المطلوبة، فيما أثرت تخفيضات التمويل على نحو 1950 منشأة صحية، وأعاقت حصول قرابة 26 مليون شخص على الرعاية الطبية.
وقالت هاينزلمان إن المنظمة تواجه احتياجات إنسانية متزايدة في وقت تتراجع فيه الموارد المالية وتتقلص الخدمات المتاحة، بينما تعمل الأنظمة الصحية تحت ضغوط تتجاوز حدود طاقتها.
ودعت الدول الأعضاء والشركاء الدوليين إلى توفير تمويل مستدام ومرن للاستجابة السريعة للطوارئ، والاستثمار في الاستعداد المبكر للأزمات، وضمان حماية المنشآت الصحية والعاملين بها، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية وفقًا للقانون الدولي الإنساني.
واختتمت منظمة الصحة العالمية تحذيرها بالتأكيد أن استمرار النزاعات وتفشي الأمراض وتراجع التمويل يهدد بمزيد من التدهور الصحي والإنساني في الإقليم، مشددة على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب استجابة دولية جماعية تتناسب مع حجم الاحتياجات المتصاعدة، قبل أن تتحول الأزمات القائمة إلى كوارث صحية أشد اتساعًا.