ليست كل الحروب التي تستهدف الدول تبدأ بصاروخ يعبر الحدود، أو قوة عسكرية تحاول فرض سيطرتها على الأرض؛ ولأن الحروب التقليدية باتت أكثر كلفة، الأمر الذى استوجب صناعة حروب أخرى أكثر تعقيدًا، قد لا تُسمع أصوات قذائفها، ولا تُرى لها جبهات، لكنها تستهدف ما هو أعمق من الأرض والمنشآت؛ إنها الحروب التي تسعى إلى التأثير فى وعي الشعوب، لتدمير الدول من الداخل بأيدى أبنائها، وزعزعة ثقتها فى مؤسسات دولتها، وتشويه الرموز، وتصدير نموذج الدولة الفاشلة للانقضاض عليها.
فى هذه المعركة، لا تكون الذاكرة الوطنية مجرد سجل للأحداث والوقائع، وإنما تتحول إلى إحدى ركائز الأمن القومي، لأنها تمنح المجتمع القدرة على فهم ذاته، وتفسير التحولات التي مر بها، وإدراك طبيعة التحديات التي واجهته، والتمييز بين الأخطاء التي تستوجب المراجعة والإنجازات التي تستحق الحفظ والتقدير. ومن هنا، يمكن القول إن ذاكرة الأمم هي خط الدفاع الأول عن هويتها، وإن استهداف هذه الذاكرة قد يكون مقدمة لاستهداف ثقة المجتمع بنفسه وبقدرته على حماية مستقبله.
(1)
إن الأمة التي تعرف تاريخها، وتدرك سياق أحداثه، وتستند إلى وثائق وشهادات موثوقة فى قراءة ماضيها، تمتلك أدوات أفضل لمواجهة التضليل.
أما الأمة التي تنفصل أجيالها عن تاريخها، أو تتلقى روايات متناقضة ومبتورة عنه، فإنها تصبح أكثر عرضة للارتباك، ولتأثير الرسائل التي تستغل الجهل بالوقائع، أو تستثمر فى المشاعر السلبية، أو تقدم الماضي فى صورة مشوهة تخدم أهدافًا سياسية أو أيديولوجية بعينها.
هنا تكمن خطورة الحرب النفسية الحديثة؛ فهي لا تكتفي بمحاولة إقناع الإنسان برواية معينة، وإنما قد تسعى إلى دفعه إلى الشك فى كل الروايات، وفقدان الثقة فى جميع المؤسسات، والشعور بأن تاريخه لم يكن سوى سلسلة من الأكاذيب والإخفاقات، وأن رموزه الوطنية لا تستحق الاحترام، وأن الحاضر لا يحمل أي أمل، وأن المستقبل مغلق أمامه.
لكن مواجهة هذه الحرب لا تكون بتقديس الماضي، أو منع مناقشة أخطائه، وإنما ببناء وعي تاريخي قادر على التمييز بين النقد المسؤول والتشويه المتعمد، وبين الاختلاف المشروع والتضليل الذي يتعمد اجتزاء الوقائع أو تزويرها أو توظيفها خارج سياقها.
تستمد الذاكرة الوطنية أهميتها من كونها المساحة التي يلتقي فيها التاريخ بالهوية، وتتداخل فيها تجارب الأجيال مع رموز الدولة ومؤسساتها.
فمن خلالها يتعرف المواطن إلى محطات بناء وطنه، والتضحيات التي تحملها أبناؤه، والتحديات التي واجهتها مؤسساته، والقرارات التي غيرت مسار تاريخه.
ولا تعني الذاكرة الوطنية الاحتفاظ بصورة مثالية عن الماضي، بل تعني امتلاك رواية تاريخية تستند إلى الأدلة، وتستوعب النجاحات والإخفاقات، وتمنح الأجيال القدرة على استخلاص الدروس من التجارب السابقة.
وعندما تتعرض هذه الذاكرة للتشويه، فإن التأثير لا يقف عند حدود الخلاف بشأن شخصية تاريخية أو حدث سياسي؛ بل قد يمتد إلى إضعاف الشعور بالانتماء، وتراجع الثقة فى المؤسسات، وتحويل التاريخ إلى مادة للصراعات الحادة بين أبناء المجتمع الواحد.
ومن هنا، فإن السؤال الجوهري ليس فقط: ماذا حدث فى الماضي؟ وإنما أيضًا: من يروي ما حدث؟ وما الأدلة التي يستند إليها؟ وما السياق الذي توضع فيه الوقائع؟ وهل تُعرض الرواية كاملة، أم تُنتقى منها أجزاء بعينها لإنتاج انطباع محدد لدى الجمهور؟
(2)
جاء حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين بمناسبة ذكرى احتفالات أكتوبر مؤكدا على أهمية وعى الأمة والحفاظ على ذاكرتها الوطنية لأنها خط الدفاع الاول فى المعركة الحالية والتى لم تنته بعد.
وأكد على أهمية الوعى وضرورة انتباه المصريين جميعا حكومة وشعبا لخطورة المعركة واستهدافها لمؤسسات الدولة المختلفة، وحرص قوى الشر على تشوية صورة الجيش والشرطة (جناحى الأمن) للنيل من الدولة واستقرارها وهو ما يتطلب منا جميعا الانتباه إليه.
لقد أثبتت التجربة أن الذاكرة الوطنية لا تتماسك بإخفاء لحظات الانكسار، وإنما بقدرة المجتمع على فهم أسبابها، واستيعاب دروسها، وتذكر ما أعقبها من جهد وتضحيات.
فالتاريخ المصري ليس ملكًا لحكومة بعينها، ولا لشخصية سياسية واحدة، ولا لجيل دون غيره. إنه حصيلة تجارب شعب كامل، ومن حق كل جيل أن يعيد قراءته على أساس الأدلة، دون أن يقع أسيرًا للدعاية أو الانتقائية.
تظل حرب السادس من أكتوبر 1973 واحدة من أبرز المحطات التي تكشف العلاقة بين الحدث التاريخي والوعي الوطني.
فبعد هزيمة 1967، لم يكن التحدي مقتصرًا على إعادة بناء القوات المسلحة، وإنما امتد إلى استعادة الثقة فى القدرة المصرية على تجاوز الانكسار.
وجاء العبور ليؤكد أن الهزيمة ليست حكمًا نهائيًا على مستقبل الأمم، وأن بناء القوة يتطلب تخطيطًا دقيقا، وعمل متواصل، وتطويرًا للقدرات، وتعاونًا بين مؤسسات الدولة، وتضحيات ووعى من أبناء الشعب.
فكان سر النصر فى تلك المعركة هو وعى المصريين وحرصهم على العمل المتواصل كل فى موقعه دون كلل على مدى 6 سنوات لتحقيق النصر، فلم تفلح معهم آلة التضليل التى يمتلكها العدو ولم تؤثر الأوضاع الاقتصادية الحادة التى كانوا يعيشونها على مواصلتهم العمل والإنتاج بل كانت حافزا لهم من أجل مضاعفة الإنتاج، لتسترد الدولة قوتها محققة النصر واسترداد الأرض.
وقد تجاوزت دلالة الحرب نتائجها العسكرية المباشرة لتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية المصرية، بما تحمله من معاني استعادة الثقة والكرامة، وبما ارتبط بها من قصص الجنود والشهداء والمصابين، وأدوار العاملين فى المصانع والمستشفيات ووسائل النقل، وأبناء المدن الذين تحملوا آثار المعركة.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لذاكرة أكتوبر هو اختزالها فى مناسبة احتفالية سنوية، دون تحويلها إلى معرفة حية لدى الأجيال الجديدة.
فالمطلوب أن يعرف الشباب كيف جرى الإعداد للعبور، وما التحديات التي واجهت القوات المسلحة، وكيف أُديرت الحرب، وما الدروس المستفادة فى التخطيط وإدارة الموارد واتخاذ القرار.
كما ينبغي أن يعرفوا أن النصر لم يكن حدثًا معزولًا عن السنوات السابقة، بل جاء بعد إعادة بناء عسكرية، وحرب استنزاف، وتجارب مؤلمة، وتضحيات ممتدة. بذلك تتحول الذاكرة من حكاية تُروى إلى معرفة تُستخلص منها الدروس.
(3)
أما ما حدث فى مصر والمنطقة فى 2011 وما بعدها بهدف إعادة تقسيم المنطقة وإشعال الفوضى من خلال أفراد وتنظيمات داخل الدول فقد ساهمت قوى الشر مستخدمة وسائل التواصل الاجتماعي فى توسيع فرص تداول الشائعات وتقديم مشهد غير حقيقى لإقناع المجتمعات به والدفع بالشعوب نحو تدمير الدول من الداخل.
وأصبح بإمكان مقطع قصير، أو صورة خارج سياقها، أو منشور مجهول المصدر، أن يصل إلى جمهور واسع قبل أن تظهر الوثائق التي تكشف حقيقة الواقعة.
من هنا، فإن المجتمع الذي يمتلك وعيًا تاريخيًا لا يخشى السؤال، بل يخشى أن تتحول الإجابة إلى شعار بديل عن الدليل.
كانت الحرب النفسية فى مراحل سابقة تعتمد بدرجة كبيرة على المنشورات الدعائية، والإذاعات الموجهة، والشائعات، والخطاب الإعلامي الذي يستهدف رفع معنويات طرف وإضعاف الطرف الآخر.
أما اليوم، فقد اتسعت الأدوات بفعل المنصات الرقمية، وتعدد مصادر المحتوى، وانتشار الحسابات المجهولة، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعى وسرعة إنتاج الصور والفيديوهات وتعديلها، فينتج محتوى مزيف يصعب على العامة تمييزة وهنا تبرز أهمية ودور الإعلام فى كشف هذا الزيف ونشر الحقائق أمام المجتمع.
فلم تعد المعركة مقتصره على نشر معلومة كاذبة؛ إذ يمكن أن يجري التأثير عبر تكرار ادعاء غير موثق، أو إخراج واقعة من سياقها، أو دمج حقيقة جزئية باستنتاج مضلل، أو استدعاء أحداث تاريخية لا تربطها بالواقعة الحالية علاقة مباشرة.
ومن الأساليب التي تستحق الانتباه: تشويه الرموز الوطنية، عبر نشر ادعاءات غير موثقة عن شخصيات تاريخية، أو تداول صور مجتزأة، أو استخدام عبارات ساخرة تُكرر بكثافة حتى تتحول إلى انطباع شائع؛ ولمواجهة ذلك، تكون بإظهار الوقائع والوثائق والسياق التاريخي.
وكذا ضرب الثقة فى المؤسسات، إذ يمكن توظيف أخطاء حقيقية أو مزعومة لتعميم حكم شامل بأن جميع المؤسسات فاسدة أو عاجزة، دون تمييز بين الوقائع المختلفة أو تحديد المسؤوليات. وهنا يجب التفريق بين المساءلة المشروعة، وهي ضرورية لتطوير المؤسسات، وبين التعميم الذي يستبدل التحقيق بالأحكام المسبقة.
استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فحين يشعر المواطن بالضغط أو القلق، قد يصبح أكثر استعدادًا لتصديق رسائل كاذبة أو تحميل جهة واحدة مسؤولية جميع الأزمات.
والواقع أن الأزمات الاقتصادية غالبًا ما تكون متعددة الأسباب، وتحتاج إلى تحليل للأرقام والسياسات والظروف الداخلية والخارجية.
إضافة إلى حرص قوى الشر على صناعة الوهم مستخدمة الحسابات الآلية أو الشبكات المنسقة فى تضخيم رسائل معينة وإظهارها وكأنها تعبر عن إجماع شعبي، بينما لا يكفي حجم التفاعل وحده لإثبات أن المحتوى يمثل الرأي العام.
وكذا استخدام الذكاء الاصطناعي فى إنتاج محتوى مضلل، فقد أصبح إنتاج صور أو تسجيلات صوتية أو مقاطع فيديو مصطنعة أسهل مما كان عليه فى السابق. ويزداد الخطر عندما يُنسب المحتوى إلى شخصية عامة أو إلى حدث تاريخي حقيقي، فيختلط على الجمهور التوثيق وكشف التزييف.
وتوضح هذه الأساليب أن المعركة الحديثة تستهدف طريقة إدراك الإنسان للواقع.
(4)
إن حماية الذاكرة الوطنية ليست مهمة جهة واحدة، ولا يمكن اختزالها فى حملات إعلامية موسمية أوتوجيهات تستدعي الشعارات الوطنية.
إنها عملية مستمرة تتطلب تعاون مؤسسات الدولة والجامعات والمدارس ووسائل الإعلام والمراكز البحثية ودور الثقافة، فضلًا عن مسؤولية الأسرة والمواطن فى التحقق من المعلومات.
إن المعركة على الذاكرة الوطنية تتجاوز حدود الدفاع عن أسماء أو شعارات أو روايات تاريخية؛ إنها معركة من أجل امتلاك المجتمع القدرة على التفكير المستقل، وفهم مصادر المعلومات، والتمييز بين الحقيقة والتأويل، وبين الخطأ الذي يمكن تصحيحه والادعاء الذي يستهدف التضليل.
وفى الحالة المصرية، تفرض التحديات الإقليمية والتحولات الرقمية ضرورة بناء وعي تاريخي لا ينفصل عن الوعي السياسي والإعلامي.
فالمواطن الذي يعرف تاريخ بلاده، ويدرك تعقيداته، يستطيع أن يواجه الروايات المبتورة دون أن يرفض كل نقد، وأن يحافظ على انتمائه الوطني دون أن يتخلى عن حقه فى السؤال والمراجعة.
إن محاولات إعادة إنتاج الفوضى وهدم الدول فى منطقة الشرق الأوسط لم تنته بل تزداد شراسة وعنفا.
كما أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية والاقتصادية، وإنما تتصل أيضًا بقدرتها على بناء الثقة، وإتاحة المعلومات الموثوقة، وتصحيح الأخطاء، وإقناع المجتمع بأن مؤسساته قابلة للتطوير والمساءلة، وأن تاريخه ليس مادة محظورة، بل رصيد مشترك يستحق الدراسة والحماية.
ولا تتحقق هذه القوة بتوحيد جميع المواطنين حول تفسير واحد لكل حدث، وإنما بتوفير قاعدة مشتركة من الوقائع الموثقة، واحترام حقائق التاريخ، والاحتكام إلى الأدلة، وإدراك أن الاختلاف فى التفسير لا يبرر تزوير الوقائع، مثلما أن الانتماء الوطني لا يقتضي إنكار الأخطاء.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس مجرد محاولة تشويه حدث تاريخي أو الإساءة إلى رمز وطني، بل أن تفقد الأجيال القدرة على التمييز بين الرواية الصحيحة والمضللة، وأن تتحول ذاكرتها إلى ساحة مفتوحة لكل من يمتلك القدرة على صناعة المحتوى وتوجيه الانفعالات.
ومن هنا، فإن حماية الذاكرة الوطنية والحفاظ عليها تبدأ من المعرفة، وتستمر بالتوثيق والبحث والنقاش المسؤول، وتترسخ بالتعليم والإعلام المهني والثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسساته.
فالتاريخ الذي لا ندرسه جيدًا قد يتحول إلى مادة سهلة للتلاعب، والرموز التي لا نفهم سياقها قد تتحول إلى أدوات للاستقطاب، والأحداث التي لا نوثقها قد تترك المجال مفتوحًا أمام الروايات المبتورة.
الأمر الذى تحرص عليه الدولة المصرية بتوثيق كامل لكافة الأحداث وما تواجهه الدولة من تحديات، يبقى على الإعلام والمواطن مسئولية أن يحرص على المعرفة ويستقى معلوماته من مصادر موثوقة، فلا يترك فرصة لإعادة تداول المعلومات المغلوطة.
إن ذاكرة الأمم ليست حنينًا إلى الماضي، بل وعيًا يحمي الحاضر ويمنح المستقبل أساسًا أكثر صلابة. وفى عالم أصبحت فيه المعلومة أداة من أدوات القوة، لم يعد الدفاع عن الذاكرة الوطنية مهمة ثقافية فحسب، بل أصبح جزءًا من حماية الأمن القومي، وصيانة الهوية، وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة التضليل دون خوف من الحقيقة.
فالأمم التي تحفظ ذاكرتها بالعلم والوثيقة والنقاش الحر لا تجعل تاريخها فوق النقد، وإنما تجعله أكثر قدرة على الصمود أمام التشويه.
وتلك هي المعادلة التي ينبغي أن تنطلق منها مصر فى مواجهة حروب الوعي" تاريخ موثق، ونقد مسؤول، وإعلام مهني، ومواطن يمتلك أدوات الفهم والتحقق، ودولة تدرك أن الذاكرة الوطنية القوية لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالحقائق والمعرفة والثقة".
كما أن العمل المتواصل هو أحد أهم أدوات النصر فى معركة التنمية ونهضة الدولة، فالعمل وزيادة الإنتاج مع الوعى هى السبيل نحو تحقيق الازدهار وجعل الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات والتهديدات.
ان الحفاظ على الوطن مسئولية الجميع فى ظل معركة لم تنته بعد بل تتعدد أدواتها ووسائلها.