د. ناجح إبراهيم يكتب: حقيقة صفقة القرن
د. ناجح إبراهيم يكتب: حقيقة صفقة القرن
وقف شيخ البلد يبشر أبو العلا الفلاح البسيط بالخبر السعيد:يا سعدك ويا بختك يا أبو العلا .. جناب العمدة يريد مصاهرتك,دار عقل أبو العلا دورة كاملة,فأمه الفقيرة جاوزت السبعين وابنته طفلة صغيرة.
دهش للأمر فقال لشيخ البلد:كيف يصاهرنى؟وفي من؟!قال:فاطمة مراتك, رد أبو العلا كيف ذلك؟ قال شيخ البلد:تطلقها ويتزوجها العمدة،يطلق زوجته رغماً عنه وعنها ويتزوجها العمدة ويستلبها لنفسه كرها وهى في عدتها رغماً عن القانون والشريعة والعرف وتحت سمع وبصر شيخ البلد والمأذون ورغماً عن الجميع وبالقوة الجبرية، وإذا رفض أبو العلا سيسجن ، وذلك مقابل أن يعطى أبو العلا دراهم معدودة هي أصلاً من الأموال التى استلبها العمدة من أهل القرية.
هذا جزء من قصة"الزوجة الثانية"للمبدع العظيم يحيي حقي,وهكذا تبدو صفقة القرن التى فيها ستجبر أمريكا العرب إجباراً دون أن تدفع مليماً واحداً من جيبها,فأموال الخليج تدفع لأمريكا لدعم الجزء الاقتصادى من الصفقة فتعطى أمريكا بعضها للفلسطينيين ولإسرائيل ولبعض الدول العربية,مقابل أن يبيع الفلسطينيون فلسطين لإسرائيل,لتأخذ إسرائيل كل شيء ولا تدفع شيئاً علي الإطلاق بل تفتح أمامها كل الأسواق والآفاق العربية أكثر مما هى مفتوحة الآن،ويكون لها نصيب من تلك المساعدات السخية التى ستسبق الصفقة. الصفقة ستتم بالقوة الأمريكية التى تضغط وستعاقب كل من سيرفضها ، وتأتى في الوقت الذى يعانى فيه العرب والمسلمون من أكبر حالة تمزق وضعف وهوان في تاريخهم,القوة والإجبار وإدارة الظهر لمبادئ القانون الدولى ومواثيق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية وعدم جواز الاستيلاء علي أراضى الغير بالقوة.
الصفقة فيها العصا والجزرة,العصا الأمريكية معروفة أما الجزرة فهى من أموال بعض أوطاننا وستبذل لبيع بعض أوطاننا بل أغلاها وهى القدس وفلسطين . كل رسائل صفقة القرن تعنى شيئاً واحداً هو بيع فلسطين وتصفية قضيتها تماماً بدعم عربي وشرعية وأموال عربية،إنه سلام كاذب بالقوة,هو سلام الجبروت والإذعان للعرب,فهم الحلقة الأضعف في كل صراعات وأزمات الاقليم كله العرب يمثلون 5% من العالم ويشترون 50% من الأسلحة التى ينتجها العالم,ويستخدمون هذه الأسلحة في مواجهة بعضهم بعضاً,أو خوفاً من البعبع الإيرانى الذى صورته لهم أمريكا لتبتزهم به،وهذه الأسلحة كلها لم توجه يوماً لمن يحتل أرضهم وبلادهم,فهم يواجهون أعدائهم الحقيقيين بالدعاء فقط.
واليوم يريد بعض العرب أن يبيعوا فلسطين كاملة في مقابل أن تواجه أمريكا إيران,مع أن العرب كان يمكنهم التفاهم مع إيران بأقل تكلفة أو التعاون معها ووضع خطوط حمراء بين الجانبين مع الابقاء علي فلسطين والتوحد في الحفاظ عليها. ولكن العرب يثقون في مجموعة كوشنر اليهودية التى لا تريد مثل سابقيها الحفاظ علي أمن إسرائيل فقط ولكنهم يهللون وينفذون استراتيجية اليمين الإسرائيلي المتعصب الذى يريد التهام فلسطين كلها حتى بلا ثمن أو مقابل.
صفقه القرن تم طبخها وتسويتها وإنضاجها في المطبخ الأمريكي الإسرائيلي بين ترامب ونتانياهو وعهد بها إلي كوشنر الذي أعلن أن السرية أساس الصفقة ولن يعلن عن تفاصيلها حتى لا تواجه بالرفض وتتعرض لضغوط تفشلها,ويعنى ذلك أنه لن يعلن عن شيء إلا ما يتم علي الأرض,وطبعاً الشعوب العربية آخر من سيعلم لغياب حرية الصحافة والإعلام فيها. بدأ العد التنازلى للصفقة والتى ستختلف عن كل الصفقات الماضية التى بدأت بالجانب السياسى ثم أتبعها الجانب الاقتصادى مثل كامب ديفيد أو أوسلو ولكن صفقة القرن ستبدأ بالإغراء الاقتصادى الذي يسيل له اللعاب.
أعلن كوشنر أن الصفقة ستتم سواءً وافق عليها الفلسطينيون أم لم يوافقوا,وقد اعترضت علي الصفقة كل القوى الفلسطينية الفاعلة بدءً من حماس والجهاد الإسلامى وانتهاءً بفتح وعباس مهندس أوسلو.
ويلمح المراقبون بأن أمريكا وإسرائيل ودولاً عربية أخرى ستسعى لإيجاد قيادة بديلة للقيادة الفلسطينية الحالية فى حالة إصرارهم علي الرفض,وعلي رأس هؤلاء دحلان وسيساعد علي ذلك حالة عباس الصحية المتدهورة. الصفقة لا تحتوى حل الدولتين"إسرائيلية وفلسطينية"ولكن دولة واحدة هى إسرائيل,مع إعطاء حكم ذاتى مطور للفلسطينيين في مناطق لا قيمة لها لا جغرافياً ولا استراتيجياً"فإسرائيل ستأخذ كل شيء سوى غزة التي لا تريدها أصلاً. صفقة القرن ليس فيها أي فكرة عن انسحاب إسرائيلى إلي حدود ما قبل 5 يونيه. الصفقة تمثل الحل النهائي ليس للصراع الاسرائيلي الفلسطيني بل للصراع العربي الإسرائيلي كله حسب تصور واضعيها،ورغم ذلك فإن الصفقة اسقطت حق العودة لقرابة 6 مليون لاجيء يمثلون صلب الشعب الفلسطيني واكتفت بحفنة دولارات تعطيها دول الخليج لأمريكا لتهبها للدول التي يعيش فيها اللاجئون الفلسطينيون.
الصفقة سترسخ وتقنن وضع المستوطنات الإسرائيلية التي ابتلعت أكثر من 60 في المائة من أراضي الضفة حتى وصفها أحد مستشارى كلينتون بأنها كالسرطان الذي أكل المخ ولا يمكن استنقاذه منه،فهناك قرابة 800 ألف مستوطن يعيشون في أرض محتلة حسب القانون والشرعية الدولية ولذلك ستضم معظم الضفة الغربية فضلاً عن القدس لإسرائيل. الصفقة سترسخ قانون الهوية اليهودية لدولة إسرائيل وهو أكبر قانون عنصري في التاريخ كله ورغم ذلك يصمت العالم كله عليه. كل المعونات التي تعرضها الصفقة لن تدفع فيها أمريكا أو إسرائيل مليماً واحداً ، ولكنها بنص كلام كوشنر من دول الخليج وتبرعات أخرى"مثل اليابان وكوريا الجنوبية" وستفرض عليهم فرضاً . كوشنر وأمثاله يظنون أن ثمن فلسطين عدة مليارات من الدولارات والغريب أنها من أموال العرب ، تعطى لأمريكا لتهب بعضها للفلسطينيين كي يتنازلوا عن بلادهم وديارهم ، والأموال التي ستعطى للسلطة الفلسطينية لن تنفق إلا برعاية وإشراف إسرائيلي وما أدراك ما الإشراف الإسرائيلي. لو كانت أمريكا مهتمة برفاهية الفلسطينيين ما عرقلت وضيقت عمل الأونروا في فلسطين،وهل يمكن للاقتصاد الفلسطيني أن ينمو بعيداً عن دولته المستقلة،وهل يمكن للسلطة الفلسطينية أن تبيع فلسطين مقابل دولارات قليلة ستستولى إسرائيل وأمريكا علي أكثرها بحجة أو بأخرى. الصفقة أخرجت القدس تماماً من المفاوضات وقد بدأ ذلك بإجراءات أمريكية معروفة وغير مسبوقة،وبذلك ضاعت القدس كلها من أيدي العرب. الصفقة عبارة عن املاءات ترامبية في صفقة إجبار وإذعان لا خيارات فيها وهي سرقة كاملة لفلسطين دون مقابل،وإذا كان الخليج هو الذي سيساعد الفلسطينيين فلم لا يساعدهم كما ساعدهم من قبل دون أن يبيعوا فلسطين لإسرائيل،الصفقة ليست تسوية ولكنها تصفية للقضية،وتسويق مالا يسوق،وتمرير ما لا يمرر،وبيع مالا يباع،فما طبخه ترامب ونتنياهو للعرب هو السم بعينه.