عاطف عبد الغنى يكتب: في تفكيك بنية الإرهاب «12»الخطأ الذي تحول إلى كارثة
عاطف عبد الغنى يكتب: في تفكيك بنية الإرهاب «12»الخطأ الذي تحول إلى كارثة
يقول الحسن البصرى، رضى الله عنه : «العامل على غير علم، كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم، ما يفسده أكثر مما يصلحه، فاطلبوا العلم طلبًا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بالعلم، فإن قومًا طلبوا العبادة وتركوا العلم، حتى خرجوا بأسيافهم فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوه»..
(1)
أى علم كان يقصده البصرى، رحمة الله عليه؟!.. بالتأكيد ليس الطب، والهندسة، والكيمياء، فكثير من التكفيريين أعضاء الجماعات الإرهابية، حصّلوا هذه العلوم.
ما قصده البصرى، هو علم الدين والشرع، التى يدعى أئمة التكفير أنهم يأسسون عليها أحكامهم وفتاويهم، تلك التى تتلقاها فئات مهمومة باستلاب السلطة، ولأن الأخيرة تدرك مركزية الدين فى المجال العام فهى «تضع فى كل زمان ومكان أقنعة مشوهة له (للدين) كى تظهرها كبدائل (لهذا الدين) لتضفى شرعية على جبروتها وتمارس قمعها وإكراهه باسمه» كما يقول محمد شحرور فى كتابه «الدين والسلطة.. قراءة معاصرة للحاكمية».
وهذا بالضبط ما فعله إمام التكفيريين فى العصر الحديث، المدعو أبو الأعلى المودودى، عندما جعل أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة، وتوجهت الأفهام والعقول التى اتبعته إلى السلطة الدنيوية أو السياسية فجعلت الوصول إليها كل همها، وسعت إلى تغيير الحكومات القائمة (لتحل محلها) بالعنف، وهى لا تدرى حقيقة ما نوع السلطة البديلة التى سوف تأسسها بعد الإطاحة بالأنظمة القائمة التى تحاربها على أنها أنظمة كافرة؟!.
وما هو وصف أو شكل الدولة الإسلامية التى تزعم أنها ستقيمها؟! وهل لديهم ضمانات شرعية تؤكد أن الخليفة أو الحاكم أو ولى الأمر أو الإمام، أيا ما يكون تسميته، فى هذه الدولة لن ينازع الله فى «حاكميته» للبشر ؟! أم سيكون حاكم بلا سلطة، مجرد واجهة بروتوكولية لن تصدر عنه قرارات، ويترك القرارات لجماعة المؤمنين، الذين هم الشعب أم .....؟!
لن تجد إجابات شافية عن تلك الأسئلة عند أبو الأعلى المودودى على الرغم من أنه ألّف كتابين (على الأقل) تحدثا بشكل مباشر فى مثل هذه المسائل حملا عنوانين دالين هما: «الحكومة الإسلامية» و «الخلافة والملك» والأخير أصدره فى وقت متأخر من حياته، وحاول فيه أن يؤسس لمبدأ الشورى فى الحُكم لكنه فشل مرتين، مرة لأنه لم يستطع أن يصل إلى نظام محدد للشورى فجعله مرة نظامًا شموليًا، ومرة جعل الدولة دولة ثيوقراطية، يحكم فيها الشخص أو الجماعة باسم الإله، وفشله الثانى لأنه لجأ إلى الاستمداد من نظام الديمقراطية الغربى الذى يرفضه بالأساس.
وتفاصيل أخرى فى كتاب «الخلافة والملك» عن خصائص الدولة الإسلامية التى يطلبها ويرتجيها لا توضح بقدر ما تخلق إشكاليات، فكرية، وعملية، وسببها الأساسى أن المودودى أتى بآيات القرآن الكريم وأسقطها إسقاطًا مباشرًا على الواقع السياسى، على الرغم من أنها ليست تشريعات أو أحكامًا: «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ» آل عمران (7).
وخطأ المودودى هو أنه جعل من إدراكه وفهمه لهذه الآيات التى وظفّها توظيفًا سياسيًا بمثابة نظرية، والكارثة أنه جاء من بعده من اعتبر هذا الاجتهاد، أحكامًا أقرب إلى شرع الله وحدوده، وانطلق ينفذ هذه النظرية بالقوة والترهيب على الناس، فكانت كارثة الفتنة التى أشعلها جهل طالب عبادة جاهل بالعلم، كما يقول الحسن البصرى رضى الله عنه.
(2)
لقد رحل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدنيا ولم يترك شكلاً محددًا للدولة الإسلامية، لكنه أسس لأمة الأغلبية فيها للموحدين، ووضع هذا الأساس فيما عرف بـ «الصحيفة» أو «دستور المدينة».
ورحل الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يضع آلية أو طابعًا مؤسسيًا لتداول السلطة، واستمر الأمر على هذا المنوال فى عهد الخلفاء الراشدين من بعده، وكل خليفة منهم تولى الأمر بشكل مختلف عن الآخر، لكن الإسلام ترك مبدأ الشورى ليجتهد فى إطاره المسلمون ويضعوا النظام الصالح للأزمنة المختلفة، وضرورات المجتمع، وظروف البيئة.
الشىء المدهش أن المودودى نفسه يقول ما سبق: «والقرآن لا يقرر أشكالا وصورًا محددة بشأن الشورى والانتخاب، وإنما يضع مبدأ عامًا وقاعدة عريضة، ثم ترك سُبل تنفيذه وأشكال إجرائه ليقررها الناس فى الأزمنة المختلفة وفق ضرورات مجتمعهم وظروف بيئتهم.» (الخلافة والملك)
(3)
ومن معضلة الوصول إلى الشكل السياسى للدولة المسلمة، والعلاقة بين سلطاتها، وتنظيم آليات العمل بها على مستوى المؤسسات والأفراد (الحاكم)، وما إذا كان الأخير رجل دين وكهنوت، يجمع مابين الدينى والسياسى، أم رجل دولة يستعين بأهل الرأى، وما هو وصف أهل الرأى؟ وغير هذا من المعضلات التى لن تجد حلولا لها عند المودودى، إلى معضلة أخرى وهى خلط المودودى ما بين مفهوم الحاكمية كما أورده ويدخل فيه مفهوم الحكومة الإسلامية، وما بين التحكيم، أى إنفاذ حكم الله فى الأرض وإنفاذ شريعته فيما أحل، وحرم، ونهى، وأباح، أما قوله إن التحكيم لا يكون إلا بقيام الحكومة الإسلامية فهذا غير صحيح.
ونؤكد أنه يتعين علينا التفرقة ما بين الحاكمية، أو وجود الحكومة الإسلامية، وإنفاذ حكم الله وإجراء الأحكام الشرعية على العباد، فتحكيم شريعة الله إنما يكون بالرجوع إلى النصوص الشرعية التى نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم وحيًا عن ربه، لنعرف منها إذا كان الشىء حلالاً أم حرامًا، وهل الأمر فرض أو منهى عنه، وهل لنا حق ما أو علينا واجب ما؟ وكل هذا يعرف من مجرد الرجوع إلى النصوص (دعاة لا قضاة ص100)..
وكمثال على ما سبق، فالمسلم حيثما كان يستطيع أن يعرف حُكم الله فيما يأكله، ويلبسه، والمرأة التى يحل له الزواج بها، والمال الذى يتكسبه، إلى آخر هذه المسائل، ولا علاقة لذلك بكونه يعيش فى دولة أوروبية، أو إسلامية، أو دولة الخلافة.
(4)
وإذا طبّقنا ما سبق على نظرية المودودى فى «الحاكمية» التى استمدها من الآية الكريمة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة:44) والتى تجاوز في تأويلها أسباب التنزيل، والتفسير المقاصدى للقرآن، وأخضع تفسيرها وتأويلها لأغراض سياسية تجاوزًا وعدوانًا، يكون الأساس الذى انطلق منه ليصل إلى ما وصل إليه غير صحيح، وتسبب فى وقوع ضرر أكثر ما نفع المجتمع المسلم.
..وللحديث بقية.