في ظل الطفرة التكنولوجية الهائلة, التي شهدها العالم ولا يزال يشهدها بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة, والتي أثرت بدورها في تعزيز سبل الاتصال والتواصل, بإتاحة الفرص لنقل الأفكار وتسهيل حركة البيع والشراء بشتى أنواعها, حتى وصل الأمر لحد الانفتاح وتخطى العالم الأرضي بمكنوناته, عن طريق الأقمار الاصطناعية وتكنولوجيا الاستشعار عن بعد , وما شابه ذلك من تقنيات ساهمت في إضفاء لمسات مختلفة على الحياة الآدمية.
كل هذا دون أدنى شك مزية لا غبار عليها, استفادت منها البشرية, ولكن فى وجهها الأول, فإذا ما تطرقنا للوجه الثاني انقلب الوضع؛ وذلك حينما ظهرت أنياب هذا التقدم الإلكتروني والتكنولوجي, عندما همت الجماعات الإرهابية باستخدامها, فكما سعت البشرية إلى محاولة استحداث نمط حياتها وعدم البقاء على الوضع البدائي, الذي نشأت عليه منذ بزوغ الحياة البشرية, فكانت دائماً في حالة من السعي والبحث والتطوير والاستحداث, كذلك الحال لدى تلك التنظيمات الشرسة, التي ينبغي فصلها تماماً عن مسمى الإنسانية؛ إذ تحاول هي الأخرى مواكبة مستجدات تلك الطفرة, لتحقيق مصالح ذاتية دنيئة منبثقة بالأساس من نفوس مريضة, تسعى لفرض هيمنة غير شرعية بطرق وحشية, وهو ما لن يتأت إلا بتلمس كافة سبل زعزعة الاستقرار, ونشر الفوضى, والقضاء على الأخضر واليابس.
وعند التطرق لمعرفة إلى أي مدى كان استخدام التنظيمات الإرهابية لهذه الطفرة التكنولوجية, والتي كانت وسائل التواصل الإجتماعي أحد أهم أشكالها, فانه لابد أولا من التعرض لعدة تساؤلات محورية حول ماهية وسائل التواصل الإجتماعى, وما هو الإرهاب الالكتروني, والى أى مدى جرى التوائم بينهما؟
أما عن وسائل التواصل الاجتماعي, فهى عبارة عن تطبيقات تكنولوجية تعتمد على الويب , تتيح فرصة التواصل والتفاعل بين الناس, من خلال رسائل مكتوبة, وصوتية, مسموعة ومرئية, حيث يقوم الأفراد بمشاركة أنشطتهم واهتماماتهم, فيما توجد الكثير من أنواع مواقع التواصل الاجتماعى, لكن لا يزال "الفيسبوك" و"تويتر" يتصدران القائمة ويعتبران أكثر التطبيقات التى يتم استغلالها من قبل التنظيمات الإرهابية فى تجنيدها لآلاف الشباب وضمهم إلى صفوفها.
وفيما يتعلق بالإرهاب الالكتروني , فهو كل فعل إجرامى, يتم عن طريق استخدام الوسائل الالكترونية الحديثة, وهذا حرفيا ما قامت ولا زالت تقوم به تلك التنظيمات, وخير مثال على ذلك, ما تناوله "أبو عبيدة القرشى" مساعد "بن لادن" فى مقال له نشر بمجلة "الأنصار" التابعة لتنظيم القاعدة عام 2002 , تناول فيه حروب الجيل الرابع التى ترتكز بالأساس على ممارسة الجريمة عن طريق التكنولوجيا, إضافة الى حد جعلها تصنع من وسائل التواصل الاجتماعي منبرا إعلاميا أصيلا, يتم من خلاله نشر فيديوهات خاصة بهم وتكوين كتائب الكترونية, وانشاء مواقع وصفحات وحسابات متعددة ذات رسالة واضحة, وهى التنافس على استقطاب أكبر عدد من الشباب ذوى النفوس الضعيفة وإقناعهم بالانضمام إلى صفوفهم؛ في محاولة لغسل أدمغتهم وإعادة هيكلة الجانب التفكيري والشعوري الخاص بهم, من خلال عرض فيديوهات تصور مقاتلى التنظيم "أبطال", بجانب تصوير وعرض المجازر التي يرتكبونها بحق ما يدّعون أنهم "خونة الإسلام والأوطان", وكأنها معارك كالتي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم ضد المشركين, وذلك بغي إعطاء دفعة معنوية للشباب المغيبين, وقد أوردت صحيفة "ذا ديلى ميل" البريطانية في أحد أعدادها لصادرة عام 2012, أن ثمة 12300 جريمة ارتبطت بموقع فيسبوك عام 2011, ما يعنى أن جريمة مفترضة تقع كل 40 دقيقة ارتباطا بهذا الموقع.
ويعتقد الباحثون أن ثمة عشرات الآلاف من المقاتلين الأوربيين, يقاتلون في صفوف "داعش" اليوم, وأن 80% من هؤلاء تم تجنيدهم عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي.
فيما أفادت دراسة أعدها معهد "بروكينجز", بأن تنظيم "داعش" أكثر التنظيمات الإرهابية غزوا لمواقع التواصل الإجتماعي، خاصة "تويتر", فقد قدرت عدد حسابات مؤيدى التنظيم بأكثر من 46 ألف حساب خلال عام 2014 .
ومن أبرز الفيديوهات التي نشرها "داعش" عبر "اليوتيوب", والتي أنبهر بها أصحاب النفوس الضعيفة بما يرونه من شجاعة, يمتلكها التنظيم فى مواجهة أعداء الإسلام, بينما لاقت استياء الأشخاص الطبيعيين, لما بها من مشاهد تخلو من الانسانية, وذلك كالتالى:
فيديو نشر بالعاشر من فبراير 2015, يظهر فيه أفراد "داعش" يذبحون عشرة أشخاص, لتأييدهم للجيش المصرى فى سيناء.
سلسلةفيديوهاتتضمنتعملياتقطعرؤوس, لعل أبرزها فيديو قطع رأس الرهينة الأمريكى الصحفى "ستيفن سوتلوف" فى 2014, وفى العام نفسه تم تداول فيديو آخر يتناول عملية عملية رأس الرهينة البريطانية آلن هيننغ".
فيلم "لهيب الحرب"عام 2014, والذى أعتبر من أخطر اصدارا التنظيم وأكثرها وحشية, حيث بعث برسالة موجهة بشكل رئيسى لدول التحالف المشاركة فى الحملة السعية للقضاء على التنظيم.
يأتىفيديوإحراقالطيارالأردنى "معاذ الكساسبة" على رأس الفيديوهات الأكثر تداولا, والذى أثار موجة من الغضب على كافة المستويات الدولية والإقليمية.
ولا زالت تتوالى الفيديوهات الوحشية, وتستمر أعضاء الكتائب الإلكترونية في جذب المزيد من الضعفاء والجبناء, ولا زلنا نواكب حروب الجيل الرابع والخامس, وستصل إذا لم نضع حل قاطع لها لحروب أجيال سادسة وسابعة, وما لا نهاية, مما يحتم علينا بكل موضوعية, الاعتراف بأن الفترة المقبلة ستشهد اختبارا قاسيا, يطرح تساؤلات عدة حول ما ستؤول إليه تكنولوجيا العصر, وإلى أى مدى ستكون تداعيات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الإرهابيين وانعكاساتها على أمن واستقرار الدول, وهو ما يفترض إلزامية وضع خطط واستراتيجيات يتم من خلالها مواجهة هذا التحدى الخطير, والتى لابد وأن ترتكز بالأساس على تكثيف الجهود والموارد لرفع الوعى لدى مستخدمى تلك التطبيقات والمترددين عليها.