كتب: الربيع الرحيمة إسماعيل*
"كانت الأرحام أوطاننا ، فاغتربنا عنها بالولادة ، أعطاني الله برزخين، برزخ قبل ولادتي و برزخ بعد مماتي، في الأول رأيت أمي و هي تلدني و في الثاني رأيت إبني و هو يدفنني".
هكذا كان مدخل الرواية و السـفر الأول للإمام الصــوفي الجليل محي الدين ابن عربي، التي يقدمها لنا الكاتب المتميز "محمد حسن بن علوان " كإمتداد للسـرد الصـوفي الروائي و على غرار " إليف شــافاق " و قواعدها الأربعون .
تأتي الرواية في حوالي 600 صفحة بالتقريب جمعت بين بســاطة اللغة و عمق المعنى ، مع سلاسة السرد و التشــويق لتأخذ القارئ إلى عالم المتصــوفة مع توظيف الحقب التاريخية وأحداثها لإعطاء السرد هويته المكانية والروحية. و هو عمل لا شك أنه تطلب جهدا مضنيا وبحثا عميقا.
كما ان السرد جاء بعيداً عن الشطحات والخرافات، حيث لم تقدم الرواية ابن عربي في سياق مؤسطر (أسطورى)، فهو شخصية روائية تتطور في سياق السرد، لنا أن نعرف مصادره وعلومه، لا أن نقع عليه عليماً، وما يكشفه له الله يأتي في سياق يتطور فيه، له أن يبدأه بالخمر، مؤكداً مجدداً أن “الحب” الكلمة المفتاحية في الرواية، ولقصة حبه لنظام في مكة أن تكون ذروة حبه الأرضي والسماوي و”ترجمان الأشواق” شاهد عليه.
كتب "محمد العباس" الناقد الســعودي مقالاُ بعنوان "علوان يفـردِن إبن عربي" ، حيث أوضح فيه أن الرواية قدمت ابن عربي كنصٍ تراثي مركزي و ليس شخصية أسطورية، كما يختزنها الوعي العربي، إنما هو مجرد فرد، أو هكذا أراده محمد حسن علوان، فأعاد إنتاج سيرته بمنظور روائي، حيث استجلبه من فضائه التاريخي ومداره الأسطوري، ليدفعه في سياق الكائن البشري.
إن الرواية كانت فتح، امتداد لفتوحات ابن عربي نفسه المكية، فقد اتخذ الكاتب من ابن عربي محور لروايته لينوّرنا بنوره الرباني العظيم، وكل ذلك لنجد الحقيقة الثابتة في هذا الكون وهي الحب، وليس بغريب أن يعنون الكاتب روايته بعنوان (موت صغير) وهو ما أسمى ابن عربي به الحب، نحب الجميع، المختلف عنا قبل المتفق معنا، العدو قبل الصديق وفي النهاية نتمنى أن نصل لربع ما وصل إليه ابن عربي وهو يقول:
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة .... فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان و كعبة طائف ..... وألواح توراة ومصحف قرآن
ادين بدين الحب أني توجهت ..... ركائبه فالحب ديني و إيماني
لم أسـتغرب أبداً فوز الرواية بجائزة البوكر لهذا العام، إذ قدمت الرواية عالماً ممزوجاً بين الفكر و الروح و العاطفة مغلفة جميعاً بغلاف الحب، و "الحـب ...موت صغير" ومن تلك الخاطرة القصيرة، استلهم الكاتب عنوان الرواية . ليبدأ معه القارئ رحلة داخل رحلات وأسفار أخرى لبطل الرواية " «منذ أن أوجدني الله حتى توفاني في دمشق، وأنا في سفرٍ لا ينقطع، رأيت بلاداً ولقيت أناساً وصحبت أولياء وعشت تحت حكم الموحدين والأيوبيين والعباسيين والسلاجقة طريق قدّره الله لي قبل خلقي، من يولد في مدينة محاصرة تولد معه رغبة جامحة في الانطلاق خارج الأسوار، المؤمن في سفر دائم، والوجود كله سفر في سفر، من ترك السفر سكن، ومن سكن عاد إلى العدم».
يمكنكم إضافة التعريف عن كاتب الرواية ....
صدرت له خمس روايات سقف الكفاية (2002)، صوفيا (2004)، طوق الطهارة (2007)، القندس (2011)، موت صغير (2016) وكتاب واحد الرحيل نظرياته والعوامل المؤثرة فيه (2014) .
كتب مقالة أسبوعية لمدة ست سنوات في صحيفتيّ الوطن و الشرق السعوديتين.
نشرت له صحيفتا نيويورك تايمز الأمريكية والجارديان البريطانية مقالات وقصص قصيرة.
تمّ اختياره عام (2010) ضمن أفضل 39 كاتب عربي تحت سن الأربعين، وأدرج اسمه في أنطولوجيا (بيروت39).
* كاتب المقال:
سودانى الجنسية – يدرس بكلية الهندسة قسم الاتصالات – بجامعة جواهر لال نهرو التكنولولجية – بالهند … مهتم بقضــايا الفكر والثقافة. ويسعى لإيقاد شعلة النهضـة فى أمته بسلاح القلم ونور المعـرفة كما يقول فى تعريفه لنفسه.