أحمد عاطف آدم يكتب: بنك الزمن وبنك الحسنات
أحمد عاطف آدم يكتب: بنك الزمن وبنك الحسنات
كان أمرا مُدهشاً لأحد الشباب العرب الذى يدرس بإحدى المدن السويسرية ويستأجر غرفة عند سيدة تبلغ من العمر ٦٧ سنة، أن يراها وهى تذهب مرتين أسبوعياً لخدمة مُسِنة تبلغ من العمر ٨٧ عاماً، مع العلم أنها بعد تقاعدها عن التدريس أصبحت تتحصل على معاش مجزي وليست في حاجة إلى عناء العمل في هذا السن. ومفاجأة هذا الشاب لم تكن فقط بسبب خدمة السيدة الأولى للثانية بل تضاعفت مع تعليلها لهذا الأمر، حين أفصحت عن السر قائلة إنها لا تعمل لأجل المال بل لكسب الوقت.. وبأنها تودع لنفسها وقتا في بنك الزمن، لكي تستطيع الإنفاق منه لإعانتها عندما تتعثر في خدمة نفسها مع تقدم العمر.
وأصل الحكاية عزيزى القارئ بدأت في أوروبا منذ بضعة عقود، عندما قام المحامي الأمريكي "إدجار كان" بإثارة فكرة بنك الوقت على نطاق واسع، واتبع ذلك بإصدار كتابه الشهير "Time Dollars“ عام ١٩٨٠ أو مدخرات الوقت، وفكرة هذا البنك المُعْتمد من حكومات غربية عديدة كضمان اجتماعي بنظام تبادل الخدمات، ترتكز على فتح كل راغب في الاشتراك حساباً للزمن يَدخر به الوقت الذي يقضيه في الخدمة الاجتماعية، خصوصا للمسنين والمرضى، الذين لا يوجد لهم من يرعاهم أو يساعدهم من عوائلهم. ويشترط فى مقدم الخدمة أن يكون سليماً صحيا وقادراً على العطاء والتواصل مع الآخرين، بالإضافة لرغبته الخالصة في العمل بنفس راضيه وقناعة تامة، وعندما يحتاج الشخص المتطوع للمساعدة يوماً ما، يقوم البنك على الفور بإرسال متطوع آخر من عملاء البنك لمساعدته، على أن يخصم الوقت من حساب طالب الخدمة.
وفى ذات الوقت فإن تلك الخدمات التي يقدمها المتطوع قد تكون فى المستشفى، بالبيت، كرفيق للتسوق، للمشى أو حتى للمساعدة في تنظيف المنزل... إلخ .
ومن بين أكثر القصص الموجعة التى حدثت وتتكرر يومياً في مجتمعناً التى ضمرت وتقلصت فيه صور العطاء الإنسانى، تلك التى حكاها لى أحد أصدقائى وهو موجه بوزارة التربية والتعليم، حيث يقول: اتصل بى أستاذى بعد بلوغه سن المعاش، وهو لم يتزوج ويعانى من المرض والوحدة، ويشتكى بأنه لا يستطيع خدمة نفسه على الوجة الأكمل، بالإضافة لضيق ذات اليد وجحود المحيطين من الأقارب والأصدقاء، وحكاية أخرى لسيدة هى نزيلة أحد دور رعاية المسنين، طلبت من زوار الدار بأن يعيدوها لتعيش مع ابنها، وعندما نقلوا رغبتها للإدارة صدمتهم بأن الابن هو من يرفض استضافة أمه في بيته وهم يتكتمون على تلك الحقيقة المؤلمة.
وبرغم كل ما سبق فأنا على يقين بأن قلوبنا لا تزال بها ركن خالي وغير مستغل، يجب أن نبنى عليه بنكنا. ولنطلق عليه "بنك الحسنات"، ترتكز قواعده على عظمة رسالاتنا السماوية المقدسة التى انطلقت من أرضنا، بنك يحتوينا جميعاً يكون موازياً لبنوك الوقت التي شيدها الغرب على أساس العطاء بالتبادل. وأقترح أن نبدأ العمل من المدرسة فهى أساس تكريس القيم التربوية والإنسانية بعد البيت، فمثلاً من الممكن أن يقوم كل مدير مدرسة مع مجموعة من المدرسين المتطوعين بتكوين فريق عمل يغرس الإيمان بأهمية الوقت في عقول الطلاب واستغلاله في خدمة وزيارة المسنين والمعاقين والمرضى، ولتكن لدى كل مدرسة قائمة بأسماء قدامى المدرسين وهم الأولى بتلقى تلك الخدمة وقضاء بعض الوقت معهم للتخفيف عنهم - كمقابل للتربية والتعليم واعتراف بالجميل - نذهب إليهم نذكرهم بعطائهم وقصص وفائهم وشروحاتهم التربوية والعلمية الخالدة والمحفورة في ذاكرة كل واحد فينا، ولنحرص على سرد أحداث تلك الذكريات والحكايات أمام تلاميذ المدارس أثناء تلك الزيارات الإنسانية، ليعيشوا معها من أجل ترسيخ روح العطاء والصبر والتضحية التى نفتقدها فيهم الآن، بدلاً من تضييع الوقت على التابلت أو التسكع بين مواقع الانفصال الاجتماعى. ولك أن تتخيل أنه إذا لم يُقدر لك أن تكون أحد عملاء بنك الزمن كالذي بسويسرا، فإنك ستكون عميلاً مميزا ببنك الرحمة - ولكن بفائدة أعلى بكثير، لأنها قائمة على عطاء يتدفق ويتجدد ذاتياً ولا إرادياً في قلب الوطن .
أحمد عاطف آدم