د. قاسم المحبشى* يكتب: الأدب والفلسفة علاقة تبادلية

د. قاسم المحبشى* يكتب: الأدب والفلسفة علاقة تبادليةد. قاسم المحبشى* يكتب: الأدب والفلسفة علاقة تبادلية

* عاجل6-4-2020 | 14:05

في البدء تجدر الإشارة إلى إن الأدب والكتابة ليس مجرد قصة أو قصيدة أو رواية أو مقالة فكرية أو نقدية نقرأها للمتعة والتسلية ثم نتركها وننساها، بل هي روح الثقافة وسداها والأدباء والكُتَّاب هم ألق المدنية وذاكرتها، والثقافة بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا تعد الرهان الاستراتيجي لكل تنمية اجتماعية ممكنة، فضلا عن كونها مصدراً حيوياً للإبداع والابتكار وتهذيب وتخصيب القيم الأخلاقية والجمالية الإنسانية وتنمية الذوق العامة، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والتسامح ورحابة الأفق والأنوار والتنوير والشعور بالهوية والانتماء وغير ذلك من وظائف الثقافة الحيوية. والأدب بكل اشكاله هو أقدم من الفلسفة ويعد أول نصًا مدونًا في تاريخ الكتاب ملحمة جلجامش التي جمعت بين الشعر والأسطورة. ويمكن القول أن الأدب كل له الفضل الأول بتمهيد السبيل للفلسفة عبر الشعر والحكاية والأسطورة. ومن الالياذية والاوديسة اليونانيتين ولدت الأفكار الفلسفية في اثينا القديمة. وفي الشعر العربي من طرفة أبن العبد ألى أبو العلا المعري والمتنبي حتى محمود درويش تحضر الفلسفة بكل زخمها الميتافيزيقي. فلسفة الحياة والموت والوجود والعدم والحرية والاغتراب والعبث واللامعقول .الخ من السمات البارزة التي اتسمت بها الفلسفة المعاصرة لاسيما الوجودية منها ما عرف بعلاقتها الحميمية بالأدب.. على خلاف النظم الفلسفية التقنية التقليدية والحديثة إذ وجدت الوجودية في الأدب بكل فنونه – المسرحية،القصة، الرواية, المقال الصحفي, الرسم, وكل وسائل التعبير الممكنة أشكالًا هامة لتوصيل الفكر الفلسفي. ادرك كامو وميروبنتي وسارتر وقبلهم هيدجر ومارسيل, ادركوا ما ينطوي عليه العقل الأدبي من إمكانيات خصبة وغنية من شأنها أن تعينهم في التعبير عن قلقهم الفلسفي الوجودية. ويعود بعض السر في انتشار وشيوع الوجودية في الوسط الثقافي الأوروبي والأمريكي والعالم اجمع الى ما زخرت به الأعمال الأدبية لسارتر وكامو كالغثيان, والذبابة, ودروب الحرية, والغريب, والطاعون.. من دلالات ميتافيزيقية ومزاج وجودي مشبوب.بيد أن العلاقة بين الوجودية والأدب, ليست ذات بعدًا واحد بل أن الوشائج التي تربطهما افضت الى تأثير متبادل بينهما. فإذا كانت الوجودية قد مارست تاثيرا على الأدب والفن والثقافة المعاصرة, فان الأدب بدوره أثر تاثيرا كبيرا على إنضاج وتفتق واندياح المزاج والقلق الفلسفي الوجودي في أوروبا منذ القرن التاسع عشر تقريبا.حيث يمكن القول: أن القلق المحموم بشأن الذات المغتربة بدأ أول ما بدا في رحاب الأدب الحديث, وذلك مع زيادة وعي الإنسان وإحساسه المتوتر بالذات الفردية , محاولا فهمها. بيد أن قلق الانسان الحار لفهم ذاته ليس بالظاهرة الشاملة حتى يومنا هذا, ظاهرة تاريخية حديثة ظهرت في أوروبا بسبب النزعة الفردية, وازدياد مفهوم الإنسان لدى الإنسان, وزيادة وعي الانسان بالحرية وظمأ مقابل للحرية الواقيعة المفقودة. ويرى كامو" أن المسألة مسألة شعور بالذات متزايد الاتساع نشأ لدى الإنسان خلال مغامراته لتأكيد وجوده" وسوف نلاحظ أن الكثير من المشكلات التي اهتم بها كامو واقرانه – كالذات والاغتراب, والحرية, والموت, والتمرد, والقلق . الخ كانت مثار اهتمام أساطين الأدب الحديث أمثال "شكسبير, غوته, دوستويفسكي, هولدرين.. منذ ردح طويل من الزمن. ولعل هذا ما حدى بهيدجر أن يكتب كتابا خاصا عن الشاعر الألماني "هولدرين والشعر" مميطا اللثام عن ما تنطوي عليه اشعاره من روح فلسفية ميتافيزيقية. فإذا كانت صرخة شكسبير على لسان بطل مسرحيته "هاملت" (نكون أو لا نكون) تنصح بتحدي العدمية والهجران في عالم غربت عنه الأصنام والآلهة. إذ كتب هولدرين في قصيدته "خبز وخمر" عندما أشاح الرب بوجهه عن الإنسان خيم الحزن على الأرض كلها" هكذا إذن، لقد اضحى الإنسان مهجورا, فليس ثمة أمل يرجى بعون الهي , لان هذا الأخير لم يعد يكترث لآلام ابناء الأرض ولعل هذا هو ما ندت عنه صرخة (إيفان كارامازوفا) الذي كان يمزقه وجود الشر في العالم دون أن يجد أي تفسير أو تبرير مقنع لذلك, فهل يعقل أن يكون اله المحبة موجودا دون أن يكترث لهذه الآلام والعذابات الإنسانية الرهيبة؟ليس من المعقول ذلك!.هكذا يخلص إيفان " حتى لو كان الرب موجودا فلا اذعن له لأنه غير مهتم بآلامنا عذاباتنا والآم الأطفال وعذاباتهم. وسوف نلاحظ أن سارتر قد جعل من تمرد إيفان حجر الزاوية في فلسفته الوجودية. وهكذا نلاحظ أن الكثير من الأعمال الأدبية الهامة في الأدب الحديث والمعاصر أمثال "الآباء والابناء" لتورجنيف, وفاوست, وغوته, "والإخوة كراماوفا" والقلعة والمحاكمة لـ فرانز كافكا.. جاءت مفعمة بأعمق المعاني والروح الوجودية, ومن ثم فهي تعبير عن احساس مبكر بتلك المشكلات التي غدت دوار عصرنا, والتي تصدت لمعالجتها الوجودية. فليس في تاريخ الأدب كله عبارة تكثف مأساة الاغتراب, أعمق وأوضح من صرخة فاوست الشهيرة: روحان يقطنان في صدري ويا للحسرة يكافح كل روح منهما للتخلص من توأمه" واين يمكن العثور على تصوير رائع وعميق مفعم بعاطفة حارة للإحساس بالقلق والخيبة والضياع والاغتراب بأفضل مما جاء في "القلعة" لكافكا. القلعة تلك البلد الغريب "أي الفضاء الذي لم يعد فيه للهواء علاقة بهوائه, فيه يموت الإنسان من وطاءة الغربة. لكن فيه على الرغم من ذلك سحر, لا يترك للمرء فرصة ألا أن يتقدم فيضيع نفسه بقدر اكبر! لاريب أن مشاعر القلق والاغتراب, والتمزق والضياع والخوف والعبث واللا معنى والقرف, غدت ملازمة لانسان التقنية المعاصر, وكأني بنبوءة غوته قد تحققت – حينما قال: " سوف يصبح الناس اكثر ذكاءا واكثر نفاذا ولكنهم لن يصبحوا أفضل أو اسعد منا" وهكذا عبر الأدباء عن ماساة عصرنا بروح وجودية واضحة محاولين الدفاع عن الإنسان ضد هيمنة العقلانية والتقنية الدامية. حيث يصرخ "دوهامل" كما صرخ كامو في "المدنية" قائلا: " أن المدنية ليست كل هذا المتاع الرهب, فإذا لم تكن في قلب الإنسان تعذر أن تكون في أي مكان أخر ويضيف – لقد برهنت الحرب عن اخفاق المدنية العلمية العقلية, وليس على الفكر إلا أن يتجه شطر منابع القلب كي ننقذ النوع البشري من براثن الشقاء واليأس الإنساني" ويكتب "جون رومان" في (ذوو الإرادة الطيبة): "هناك مصائر تنهتى في غير مكان معلوم وكأنها في وديان من الرمال. إني آمل أن نصل إلى المكان معلوم"على هذا النحو تواشجت العلاقة بين الفلسفة الوجودية والأدب وعليه يمكن القول: أن المزية الأساسية للفلسفة الوجودية في النصف الثاني من القرن العشرين التي تمنحها أصالة وإبداعًا فريدا تكمن في نجاحها في نقل الموضوع الرئيسي الذي تميز به الأدب في القرن العشرين, ونعني به القلق والاغتراب والإحساس بالعزلة والخوف واليأس.. الخ الى الخطاب الفلسفي ببراعة لا تضاهي.وليس بالأمر المستغرب أن تكون فرنسا هي الأرض الخصبة لازدهار الفلسفة الوجودية وشيوعها في أوروبا وأمريكا في العقدين الرابع والخامس من القرن المنصرم , خاصة بعد نشر كتاب سارتر "الوجود والعدم" 1943م والذي ترى فيه هازل بارنز – أكبر عارض لموقف متطرف في الحرية الانسانية ظهر منذ أيام إبيقور" وذلك لان فرنسا في تاريخها الحديث والمعاصر كانت على الدوام, منذ القرن السابع عشر الميلادي, مركز للإشعاع الفكري الفلسفي والأدبي, هذا من جهة.. وموطن الثورة البرجوازية الكبرى التي غيرت وجه العالم المعاصر, عندما جعلت من حقوق الانسان – الحرية – والحق الطبيعي والاجتماعي.. الخ في قلب ثورتها, من جهة أخرى. ويرى جان فال: أن لفكرة الحرية وفكرة الذات مكانة رئيسية في الفلسفة الفرنسية, بدأ من (أنا افكر إذن انا موجود لديكارت – ولم يكن الشك المنهجي إلا فعلا من افعال الحرية, الذي اسماه ديكارت "حرية الإرادة اللا متناهية" – مرورا بـ "انا أدوم فانا موجود" لبرجسون حتى "أنا موجود إذن افكر" لسارتر ولا غرو فان البنية الثقافية الفرنسية قد زخرت بكوكبة لامعة من رجال الفكر امثال مونتاني ديكارت وباسكال ومالبرانش, فان دي بيران, كونت رينان, باشلار, برجسون, فولتير, روسو, سان سيمون.. إلخ وقد كان لوقع الهزيمة على روح الفرنسية الشفافة اثارا غائرة العمق والدلالة, بحيث يصعب المقارنة بين (باريس) في السنة المسماة بالسنة الرهيبة 1870م وبين باريس عام1944م, التي تمزقت إربا أربا تحت ضربات المدافع وقصف الطائرات لها من الجو, والتي تحولت الى ثكنة عسكرية لجنود هتلر. يكتب برديائف – عن ظروف فرنسا المحتلة" تذكرني فرنسا بالأعوام الأولى لروسيا السوفيتية, ففي فرنسا الثرية التي كانت ترتع في بحبوحة من العيش وأبهة الفن, وتتمتع بالحرية منذ عهد قصير, قد أصبحت الآن تشوهها مناظر الطوابير الجائعة والحوانيت الخاوية والقيود من كل نوع وحظر التجول وعدم اليقين فيما يحمله الغد.. لقد انتابني شعور فضيع, احسست أن كوكبنا يترنح" ختاما يمكن القول أن الفلسفة بدأت آدابًا أسطوريا ثم أم للعلوم وفي الأخير عادت إلى الأدب لتجعل منه حصان طروادة لتسرب الأفكار الفلسفية في ثنايا الثقافة المعاصرة. …………………………….. * أكاديمى وشاعر وأديب يمنى
    أضف تعليق

    رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

    #
    مقال رئيس التحرير
    محــــــــمد أمين

    الاكثر قراءة

    تسوق مع جوميا
    اعلان