عاطف عبدالغنى يكتب: محمد نادي وهدان !
عاطف عبدالغنى يكتب: محمد نادي وهدان !
قرية طه شبرا، معزولة بكاملها ضمن ثلاث قرى تابعة لمركزى قويسنا والشهداء بمحافظة المنوفية منذ يوم الأحد العاشر من مايو الجاري، تنفيذا للإجراءات الاحترازية والوقائية لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد، الذى حصد روح الشاب محمد أحد شباب القرية، بعد أن أصيب بالمرض، ونقل العدوى لأفراد عائلته، أخوته ووالده الحاج نادى وهدان، صديق والدى الراحل رحمة الله عليه وعلى محمد.
(1)
ومنذ وفاة والدى قبل حوالى 6 سنوات، قلّت زياراتنا كثيرًا للقرية التى يوجد بها مدافن عائلتي، وقلّ اتصالنا بالأهل، والأصدقاء، والمعارف، ومنهم عائلة الحاج نادي، وأولاده ومنهم محمد الذى اختزنت فى ذهنى صورته عند آخر مرة رأيته فيها قبل سنوات، وكان صبيا على أعتاب مرحلة الشباب، والأسبوع الماضي، رأيت صورته شابا، وصدمتنى مأساته، التى عرفت بها أولاً من أختى وهى على اتصال بأقارب لنا فى القرية، واستكملت التفاصيل من المتداول على وسائل التواصل عن المأساة التى هزّت المصريين، وفجيعة أسرة الحاج نادى فى محمد وابن آخر أكبر من محمد والأم والأب الذى يرقد الآن أسيرًا للمرض المهلك فى مستشفى الصدر، خاضعا لقدر الله، مرتجيا أسباب النجاة فى العلاج هو وباقى أفراد أسرته، وكان من الممكن أن تضيع قصة الأسرة وسط عشرات القصص الشبيهة، ولا يعرف كثيرون بها، لولا وسائل التواصل التى جعلتها من القصص الرائجة فى كل وسائل الإعلام التقليدية، والرقمية.
(2)
مثل عشرات الآلاف من شبابنا الآن، كان محمد مفتونا بتوثيق اجتماعياته، وبعض أفكاره، وآرائه، ومشاركتها مع الآخرين عبر وسائل التواصل، ومع ظهور «كورونا» وانتشاره عالميا، نشر محمد قبل أسابيع قليلة فيديو على صفحته فى «فيسبوك» بدأه بقول الله تعالى فى الآية 75 من سورة النساء «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة»، صدق الله العظيم، وأضاف الآتى حرفيا: «كورونا كورونا كورونا كورونا.. فزاعة وأونطه وطٌعم إحنا بنبلعه»، وبتكراره للفظ كورونا أكثر من مرة كان يقصد انفجار التداول الإعلامى لمرض كورونا، وأخباره حول العالم، وقد اعتبر البعض (خاصة فى الخارج) ذلك أمرًا مقصودًا ومخططا لخلق فزاعة لا تتفق وحقيقة المرض.
ثم تحول محمد لشرح ما عرفه من معلومات سطحية، أغلبها مأخوذ من وسائل التواصل، عن الصراع السياسى والاقتصادى بين الصين، والولايات المتحدة الأمريكية، وبنى على هذه الخلفية حكمه الذى ألقى به فى الفيديو وهو أن الولايات المتحدة التى سبق لها تفكيك الاتحاد السوفيتى هى من صنعت كورونا لضرب الصين، التى ظهر فيها المرض، وأعلن عنه لأول مرة، ودعا محمد مشاهديه إلى «عدم الخوف من مرض يشبه الإنفلونزا»، مؤكدًا على إزالة أى تخوفات ترد على الأذهان من كورونا؛ لأنه «مش واقف بالباب «بيعض»، وما بين الأقواس ألفاظه.
وأقسم محمد فى الفيديو بالله العظيم ثلاثة أنه «مش محلل سياسة ولا دكتور، ولكن بيقول وجهة نظره»، وأخذ يردد: «إحنا يا مصريين اللى بناكل الخضار من غير غسيل.. إحنا اللى بنشرب اللبن من غير ما نغليه، إحنا اللى بنتنفس عوادم السيارات 24 ساعة، وكنا بننزل الترعة وإحنا صغيرين» يقصد أن مناعة المصريين لن تهزمها كورونا!!
(3)
ولم يمض كثير على هذا الفيديو، حتى نشر محمد فى الثالث من مايو الحالي، صورة بائسة له وهو يرقد فى غرفة العناية المركزة نتيجة إصابته بالمرض الذى استهان به وكتب معلقا: «كلمتين أول ما قدرت أكتبهم كتبتهم، أنا بقالى أسبوع فى العناية المركزة؛ لأنه عملّى (كورونا) مضاعفات كتير فى جسمي، خصوصا الكلى والرئة»، وتابع: «ياما اتقالى خليك فى بيتك بلاش خروج وأنا ولا حياة لمن تنادى ذلا منى وراء لقمة العيش الكاذبة.. أرجوكم بلاش استهتار لأنه مرض مش سهل وقاتل وبيدمر كل حته فيك، محدش بيموت من الجوع متغامرش بحياتك، المرض منتشر جدا».
وفى أيام تالية، نشر محمد عددا آخر من الرسائل المصورة، قال فى أحدها إنه نقل العدوى لإخوته، وفى أخرى، طلب من متابعيه الدعاء له ولوالده بنية الشفاء العاجل، وانتهى برسالة يتمتم فيه بكلمات غير واضحة، إلا نطقه للشهادتين.. ومات محمد.
(4)
اليوم الأربعاء 13 مايو، قبل أن أشرع فى كتابة ما تقرأه هنا، وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة فى عدد حالات الإصابة بيننا، والأخبار السيئة التى تأتينا من الخارج بزيادة الحالات، وارتداد المرض إلى الصين، رغم كل هذا، مازالت أسمع من حولى من يردد كلاما شبيها بما قاله المغفور له محمد نادى وهدان فى رسالته الأولى.. نفس النقاشات والجدل عن المؤامرة، والحرب بين الصين وأمريكا، ونفس حديث التهوين المدعوم بالمعلومات السطحية الخاطئة عن المرض، والذى تترجمه السلوكيات العامة فى الشوارع المصرية، ونفس العنترية الصادرة عن فهم خاطئ أو معكوس لتعليمات الحكومة، والمسئولين.. وأجدنى أسأل نفسي: وماذا بعد، إلى أين ستأخذنا كورونا، ولماذا نترك أنفسنا فريسة سهلة لها؟! وأهم مما سبق: أى كارثة – لا قدر الله - تنتظرنا إذا تم تخفيف إجراءات الحظر، لإعادة عجلة الإنتاج للدوران.