إسماعيل منتصر يكتب «خواطر حرة جدا»: مأزق أردوغان !
إسماعيل منتصر يكتب «خواطر حرة جدا»: مأزق أردوغان !
تخيل شخصا جلس على شاطئ البحر يفكر فى بناء قصر من الرمال.. كان يحلم ببناء قصر جميلا عاليا لا مثيل له..
تخيل بعد ذلك أنه شرع فى بناء قصره وتعليته بمنتهى الهمة والنشاط.. ساعده على ذلك طبيعة الرمال المخلوطة بماء البحر والمدعمة بالقواقع والأصداف الصغيرة..
وعندما قارب على الانتهاء من بناء قصره.. جاء من داس بقدمه على القصر فحوله إلى كوم من الرمال.
تخيل شعور هذا الشخص.. فإذا تخيلته فسوف تعرف كيف يشعر الآن الرئيس التركى رجب طيب أردوغان (!!!)
أما القصر الذى حلم ببنائه جميلا عاليا لا مثيل له فهو ليبيا.. وأما القدم التى داست عليه فحولته إلى كوم من الرمال فهى قدم الرئيس عبد الفتاح السيسي!..
كانت ليبيا بالنسبة لأردوغان هى القصر العالى الذى يحلم ببنائه..
كان أردوغان الذى شغل من قبل منصب أمين عام التنظيم الدولى للإخوان.. كان يحلم مثله مثل كل الإخوان بالتمكين وإعادة نظام الخلافة.. واقترب أردوغان من تحقيق حلمه بعد قيام ثورات الربيع العربى.. لكن فجأة ينهار حلم الإخوان!..
سقط الإخوان فى مصر وتونس والسودان والأردن والكويت والسعودية والإمارات..
وشعر أردوغان وأهله وعشيرته أن حلمهم على وشك أن يتبخر ويصير دخان فى الهواء.. لكنهم تشبثوا بالأمل.. وحاولوا أن يعودوا إلى المشهد من خلال ليبيا..
كانت ليبيا مسرحا للفوضى بعد سقوط القذافى.. وقد استطاع الإخوان استثمار هذه الأجواء ووصلوا فى النهاية للسيطرة على نصف ليبيا تقريبا..
ويستعين الإخوان بالمليشيات الإرهابية للسيطرة على ليبيا كلها..
لم تنجح الجهود الدبلوماسية الدولية فى إيقاف الصراع العسكرى الذى تفجر بين كل الأطراف الليبية بعد دخول المليشيات الإرهابية إلى ليبيا..
ويستشعر الجيش الوطنى الليبى الخطر فيبدأ فى التحرك لتطهير ليبيا من المليشيات والمرتزقة.. وبالفعل نجح الجيش الوطنى الليبى فى تحرير أجزاء واسعة من سيطرة المليشيات والمرتزقة..
كانت البداية من سرت والجفرة وبعدها استمر زحف الجيش الليبى غربا حتى اقترب من طرابلس حيث يتمركز الإخوان وتتمركز المليشيات الإرهابية وتتمركز حكومة فايز السراج الذى منحته الاتفاقيات الدولية الشرعية.. وإن كانت هذه الشرعية قد أصبحت بعد ذلك محل شك بعد أن قدم نصف أعضاء حكومته استقالاتهم..
حقق الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر انتصارات ميدانية وأصبحوا قريبين من دخول طرابلس.. آخر معاقل الإخوان والمليشيات والمرتزقة..
ويسعى السراج رئيس حكومة الوفاق لإنقاذ نفسه وإنقاذ الإخوان فيلجأ إلى تركيا يستعين بها على إيقاف زحف الجيش الليبى..
تعامل أردوغان مع العرض الذى قدمه السراج كما يتعامل كلب جائع مع عظمة!..
بعد اتفاقات صورية وإجراءات شكلية.. وضع أردوغان كل أوراقه فى ليبيا..
استعان أردوغان بالمرتزقة السوريين التابعين له للقتال إلى جانب قوات حكومة الوفاق.. فى نفس الوقت استطاع أردوغان إقامة جسر جوى وجسر بحرى قام من خلالهما بتزويد حكومة الوفاق بكميات هائلة من الأسلحة والذخائر..
لم يكتفى أردوغان بذلك ولكنه قام بإرسال جنود وضباط وخبراء أتراك لقيادة المعارك العسكرية ضد قوات الجيش الليبى.
استيقظ حلم أردوغان القديم، حلم الخلافة وراح يخطط لاستعادة إمبراطورية أجداده العثمانيين..
لم يكن باقيا إلا أن يعلن أردوغان رسميا احتلال تركيا لدولة ليبيا.. فقد اتفق مع حكومة السراج على إنشاء قواعد عسكرية تركية، كما منح شركات المقاولات التركية عقود إعادة إعمار ليبيا ومنح شركات البترول التركية حق التنقيب عن البترول فى السواحل الليبية..
تغيرت موازين القوى بعد دخول تركيا على الخط.. وتنجح قوات حكومة الوفاق بدعم المرتزقة والمليشيات وقبلها القوات التركية.. تنجح فى تحقيق انتصارات ميدانية.. كان أهمها استعادة مدينة ترهونة القريبة من طرابلس..
تنسحب قوات الجيش الليبى إلى مدينة سرت الاستراتيجية وتتمركز حولها.. ويشعر أردوغان أن الثمرة التى حلم كثيرًا بقطفها أصبحت ناضجة وجاهزة..
يبدأ أردوغان فى التحرك ناحية سرت الاستراتيجية ومنطقة الجفرة التى تتواجد بها معظم آبار البترول الليبية..
كان أردوغان يخطط للسيطرة على ليبيا كلها من خلال سيطرته على سرت والجفرة.. كان يحلم بأن تصبح له ذراع طويلة إذا مدها غربا وصل بسهولة إلى تونس والجزائر، وإذا مدها شرقا وصل بسهولة إلى مصر!..
كان حلم أردوغان على وشك أن يتحقق وكان قصره الذى بناه فوق رمال ليبيا قد قارب على الاكتمال.. لكن فجأة يأتى الرئيس عبد الفتاح السيسي فيدوس بقدمه على قصر أردوغان ويحوله إلى كوم من الرمال (!!!)
أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي فى استعراض مقصود ومتعمد لوحدات كبيرة من قواتنا المسلحة.. أعلن أن استيلاء تركيا على سرت والجفرة يمثل خطرًا على الأمن القومى المصرى.. وأننا أمام هذا الخطر أصبح من حقنا طبقا للمواثيق والمعاهدات الدولية.. دخول الأراضى الليبية والقتال ضد القوات التركية والمليشيات الإرهابية التى تقاتل إلى جانبها..
كان الرئيس السيسي واضحًا وصريحًا وحازمًا وحاسمًا عندما قال سرت والجفرة خط أحمر..
وقامت الدنيا ولم تقعد!..
استشعر العالم خطر الصراع العسكرى المرتقب فوق الأراضى الليبية والذى ستكون له آثاره وتداعياته الإقليمية الخطيرة.. ثم الخطر الذى يهدد تدفق البترول الليبى إلى الأسواق العالمية..
بدأ العالم يتحرك بسرعة وقوة.. وكان الملاحظ أنه يتحرك برؤية متطابقة للرؤية المصرية..
أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا أعلنت فيه عن رفض واشنطن لكافة التدخلات الأجنبية فى ليبيا (تركيا طبعا هى المقصودة).. وطالب البيان بوقف فورى لإطلاق النار والعودة للمفاوضات..
وتشترك فرنسا وألمانيا وإيطاليا فى إصدار بيان وصف بأنه بيان نارى.. يدعو إلى وقف فورى لإطلاق النار ويرفض رفضا قاطعا أى تدخل أجنبى فى ليبيا..
ويقوم الرئيس الفرنسى ماكرون بإجراء مباحثات مع الرئيس الروسى بوتين.. يدعو الإثنان بعدها لوقف القتال ويطالبان الأطراف الخارجية بالكف عن التدخل فى الشأن الليبى.
ويصدر الاتحاد الأفريقى بيانا يدعو فيه أطراف الصراع للعودة إلى المفاوضات مؤكدًا رفضه لكافة أشكال التدخل الخارجى..
ويخرج عن الجامعة العربية بيان قوى يدور حول نفس المعنى..
وتنهار أحلام أردوغان بعد أن وجد نفسه فى مواجهة العالم كله والسبب الموقف المصرى الحاسم الذى عبّر عنه الرئيس السيسي..
ووجد أردوغان نفسه وقد صار ظهره للحائط..
أردوغان أصبح أمامه خيارين لا ثالث لهما.. فإما أن يكمل خططه ويهاجم سرت فى محاولة لاستعادتها من الجيش الليبى ومن ثم فرض سيطرته على ليبيا وعلى مناطق البترول.. وإما أن يكتفى بالصمت والانتظار مع بعض المناوشات العسكرية..
وفى نفس الوقت يستمر فى جلب المرتزقة والإرهابيين لتغيير المعادلة السياسية بعد التسوية..
الخيار الأول يمثل مغامرة غير محسوبة فهو لا يستبعد أن تكون الخسارة فادحة إذا تدخلت مصر عسكريًا.. وقد يجد نفسه فى مواجهة مع أطراف أخرى مثل فرنسا واليونان..
أما الخيار الثانى فقد أصبح أيضا غير مضمون بعد أن بدأ المجتمع الدولى كله يضغط عليه.
فى كل الأحوال لن يبقى أردوغان فى تركيا.. فى كل الأحوال أنهد قصر رمال أردوغان وأصبح كومة تراب!..