إسماعيل منتصر يكتب «خواطر حرة جدا»: قضية رمضان صبحى!..
إسماعيل منتصر يكتب «خواطر حرة جدا»: قضية رمضان صبحى!..
يوحى العنوان بأننا أمام موضوع يتعلق بالرياضة.. وبكرة القدم تحديدًا.. باعتبار أن انتقال لاعب بثقل وحجم لاعب الأهلى (السابق) رمضان صبحى من ناديه إلى ناد منافس.. هو موضوع يخص الرياضة ويخص كرة القدم..
لكن الحقيقة أنه إذا كان العنوان كذلك فالموضوع نفسه ليس كذلك..
لا أريد أن أبالغ وأقول إن الموضوع سياسى بامتياز.. لكن الحقيقة أنه يبدو كذلك!..
أقول ذلك باعتبار إن الانتماء سياسة.. وأن لعبة كرة القدم تحديدًا هى المدرسة الحقيقية التى نتعلم فيها الانتماء!.. أو على الأقل يتعلم فيها معظمنا أول دروس الانتماء!..
عشقت لعبة كرة القدم وأنا طفل صغير.. ولعبت الكرة فى الشارع مثل ملايين الأطفال.. ولأسباب قدرية – إن صح التعبير – وجدت نفسى واحدًا من الملايين الذين يشجعون فريق النادى الأهلى..
بدأت أكبر وبدأ قلق والدى – رحمه الله – على مسألة لعب الشارع يكبر!..
وجد والدى الحل فى صديق له كان عضوًا فى نادى الزمالك.. فطلب منه أن يبحث لى عن فرصة للعب فى فرق الناشئين.. استجاب صديق والدى، وحدد لى موعدًا للذهاب إلى النادى للاشتراك فى اختبارات اكتشاف الناشئين..
شعرت بفرحة غامرة فقد كان حلمى أن أصبح لاعبًا ونجمًا تهتف باسمه الجماهير!.. لكن الحقيقة أن هذه الفرحة كانت بمذاق المرارة!..
كان حلمى أن أصبح لاعبًا ونجمًا فى فريق الأهلى وأن أرتدى فانلته الحمراء.. وليس لاعبا ونجما فى فريق الزمالك أرتدى فانلته البيضاء.. وقررت أن أحل هذه الإشكالية.. قررت أن أكون زملكاويًا (!!!)
كان صعبا علىّ أن أتحول من مشجع أهلاوى إلى مشجع زملكاوى فقررت أن أدرب نفسى على ذلك وأجرب أن أكون زملكاويًا (!!!)
نشأت فى أسرة كان عمى الصغير الذى يماثلنى فى السن تقريبا أحد مكوناتها..
عاش بيننا وكبرنا سويا فكان لى بمثابة الأخ والصديق والرفيق وزميل الدراسة.. وزاد من تقاربنا اشتراكنا فى تشجيع فريق الأهلى!..
وكان من الطبيعى أن يكون عمى الصغير أول محطة فى طريق تحويل مسارى من أهلاوى إلى زملكاوى!..
ولا زلت أذكر هذا الحديث الغريب الذى دار بيننا..
- على فكرة يا أحمد احنا اللى حناخد الدورى مش أنتم..
• احنا مين وأنتم مين..
- احنا الزمالك وأنتم الأهلى!..
• إزاى يعنى؟!..
- الحقيقة أنا بقيت زملكاوى وحالعب للزمالك كمان..
وكما أتذكر الحديث الذى دار بيننا أتذكر نظرة الاندهاش والإشفاق التى ظهرت على وجه عمى (!!!)
وبذلت جهدًا كبيرًا لإقناع نفسى بأننى مشجع زملكاوى لكن كل جهودى انهارت ليلة اختبارات ناشئ الزمالك..
أحسست أننى خنت نفسى ووطنى الصغير.. الأهلى
ولحسن حظى ولحسن حظ نادى الزمالك لم أنجح فى اختبارات الناشئين.. فعدت إلى قواعدى سالما!..
قبل أن يفهم أحد كلماتى على الوجه الخطأ أقول إننى شديد الإيمان بأنه لو لم يكن الزمالك ما كان الأهلى.. ولو لم يكن الأهلى ما كان الزمالك.. كما أننى أحترم وأقدر جمهور الزمالك.. بل أننى فى الحقيقة شديد الإعجاب به.. فعلى الرغم من أن البطولات التى حصل عليها فريق الزمالك أقل بكثير من البطولات التى حصل عليها فريق الأهلى.. لكن ذلك لا يمنع من أن جمهور الزمالك يشجع فريقه بمنتهى الحماس والإخلاص.. والإصرار!..
المهم أن الواقعة علمتنى معنى الانتماء.. فتعلمت أن أنتمى لأسرتى وجيرانى وشارعى ومدينتى.. ووطنى!..
ولم أسرد كل هذه الحكاية إلا لكى أوضح للقارئ كيف تؤثر كرة القدم فى مشاعر الانتماء.. خاصة بالنسبة للصغار..
وليس خافيا أن لاعبى ونجوم كرة القدم لهم التأثير الأكبر فى انتماء الصغار للنادى الذى يقومون بتشجيعه.. والسؤال: هل يعرف هؤلاء اللاعبين والنجوم ما يفعلوه بالصغار وما يفعلوه بمشاعر الانتماء فى حالة انتقالهم من ناد إلى ناد ومن فريق إلى فريق؟!..
أعرف أن كثيرين سيتهمونى بأننى أريد أن أعود برياضة كرة القدم إلى العصر الحجرى.. وأن الاحتراف فى كرة القدم أصبح حقيقة وواقع لا يمكن الاستغناء عنه..
أعرف ذلك كله لكننى أملك من الشجاعة ما يجعلنى أقول: نعم أنا ضد نظام الاحتراف فى كرة القدم!..
نظام الاحتراف معناه أن تتحول الهواية إلى مهنة.. فإذا أصبحت مهنة يحق لصاحبها أن يبحث عن أعلى أجر..
لكن ما ذنب مشجع الكرة.. والتشجيع هواية ولا يمكن أن يكون مهنة.. ما ذنبه إذا تخلى عنه النجم الذى يعشقه ويهتف له من قلبه.. وباع كل هذا الحب من أجل حفنة دولارات؟!..
وإذا كان المكسب المادى وليس الانتماء هو المعيار.. فلماذا لا نسمح لضابط القوات المسلحة مثلا بالانتقال إلى جيش الأعداء إذا كان سيحصل على مرتب أعلى؟!..
لا أريد أن أبدو مبالغًا ولا من صفاتى التهويل وأتفهم أن يضعف إنسان مثل اللاعب رمضان صبحى أمام 200 مليون جنيه.. لكننى أيضا لا أستطيع التهوين من الضرر الذى سبّبه هذا اللاعب.. فمن المؤكد أنه كسر قلوب الملايين من مشجّعيه ومن المؤكد أنه سبب لهم صدمة.. ومن المؤكد أنه ضرب وحطّم قيمة الانتماء فى نفوس الأطفال والصبية والشبان (!!!)
على أية حال فإن قضية رمضان صبحى انتهت.. إذا كنا نتكلم عنها كقضية رياضية.. انتهت بالتوقيع والانتقال وزيادة وتضخم الرصيد فى البنوك.. أما إذا كنا نتكلم عنها كقضية سياسية تتعلق بالانتماء فلابد أن نجد حلا..
وفى رأيى المتواضع ألا نجعل من نظام الاحتراف صنما نعبده.. وليس مطلوبا أن نقلد الغرب فى كل ما يفعل (باعتبار أن الاحتراف نظام بدأ فى الغرب)..
فإذا حطمنا هذا الصنم نستطيع مثلا أن نعطى اللاعب حق الاحتراف خارج مصر.. فى هذه الحالة لن يسبب ضررًا لأحد.. حتى لو كسب مليار دولار.. أما فى الداخل فلابد وأن نضع سقفا لثمن اللاعب.. سقف معقول لا يستطيع اللاعب ولا تستطيع الأندية تجاوزه.. وبذلك نحمى اللاعب من إغراء بيع انتمائه (!!!)
وأهمس فى أذن المسئولين بعد ذلك.. هل يوجد لاعب مصرى يستحق هذا الثمن الفلكى؟!.. وإذا كان يستحق.. فماذا يستحق الجندى الذى يدافع عن أرض وشرف وعرض هذا اللاعب.. وماذا يستحق الطبيب الذى يخاطر بحياته من أجل هذا اللاعب.. وماذا يستحق المعلم الذى أفنى حياته لتعليم هذا اللاعب؟!..
عن أى سلام اجتماعى نتكلم يا سادة.. إذا كان هناك من يحصل على الملايين.. وهناك من لا يجد الملاليم؟!..