سارة حامد تكتب: «محمد بيه»..و«عم جرجس»

سارة حامد تكتب: «محمد بيه»..و«عم جرجس»سارة حامد

الرأى15-11-2020 | 18:00

قال لي أحدهم، أُطلعينا عن ١٠ أعوام أدبرت لصُحافية مسلمة محجبة تتولى مسؤولية تغطية أحداث الملف الكنسي.. لم يكن إستفهام، قدر ما كان ترصد وإرتقاب لجواب محدد يلاحقني كلما علموا أني صُحافية إخترت بملء إرادتي ومحض إختياري، التخصص في ملف عقائدي لطالما أجج نزاعات طائفية.. امتثلت لرغبته المتشبثة في الإصغاء لجوابي، عرّفته على "محمد بيه"، و "عم جرجس".. فحين أجريت معايشة داخل دير دميانة للراهبات أبصرت مبنى الضيافة فَحُمَ بأكمله بسبب ماس كهربي، كان يستقبل هذا المبنى النازحين من كل حدب وصوب،مسلمين ومسيحيين، إحتفالاً بمولد القديسة دميانة في مايو من كل عام،كلمات بسيطة استحضرتها في خِضم معايشتي داخل الدير قبل ٤ سنوات.. أعين الراحل رجل الأعمال محمد فريد خميس لم ترى سوى هذه الكلمات البسيطة، لتحقيق التعايش و نشر المحبة، وفي اليوم التالي لنشر تحقيقي الصحفي، رمم المبنى على حسابه الشخصي، وفرش بالسجاد الدير بأكمله، و عبّأ غرف الراهبات بكافة الاجهزة الكهربائية، وقدم تبرع قيمته 100 ألف جنية لخرينة دير راهبات دميانة.. و حين فرغ من تجسيد إحدى صور التعايش.. دعاني، دون سابق معرفة بيننا، ليبلغني أنه سيتكفل بعلاج أو دراسة أو تجهيز أو قضاء دين عن أي مسيحي مصري، لا يستطيع، دون علمه من يكفله عليه.. وفي محافظتي أسيوط، وتحديدا إحدى قراها التي ينام المقيميين فيها بعد العشاء أو قبله قليلاً، يقطن رجل عجوز"عم جرجس" الأُجري الفقير الذي اقتطع من قوت يومه ليساهم في ترميم الزاوية الصغيرة التي تجاور بيته، وحين سألته عن سبب ذلك حكى لي أنه يجهل القراءة والكتابة حتى أنه لا يدري ليله من نهاره إلا بمواقيت آذان الزاوية التي تجاوره. رُؤى للتعايش قدموها عن غير قصد، تفشي السلام والمحبة بالأفعال وتدحض الفتن الطائفية وتنبذ التمييز وتقبل الآخر كما هو لا كما نبغي أن يكون.. هذا ما إستوجب ذكره عن سنوات، قضيتها كمحررة للملف القبطي، لا شئ مغاير. أجبت سؤال المستفهم، لكن كان بداخلي طرحاً أهم لم ينجلي، قطعاً..لم يعد منها مفر، إذ أن البديل للتعايش هو بالضرورة الإقصاء والإلغاء وما يترتب عليهما من عنف وفوضي..بطبيعة الحال، هناك اختلافات في رؤى البشر لمفهوم التعايش مع التسليم بضرورته والعيش ضمن شروطه كضمانة للسلم.. وضمن أساسيات التعايش الإلتزام بالقوانين التي تحكمه، ففي 1981 تم تعديل قانون العقوبات المصري لحظر إهانة الأديان عقب أحداث النزاع الديني في الزاوية الحمراء، لتنص المادة 98 من قانون العقوبات المصري على انه يعاقب كل من استغل الدين في الترويج أو التحييذ بالقول أو بالكتابة أ بأي وسيلة أخري لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو التحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الضرر بالوحدة الوطنية أو بالسلم الاجتماعي"، كما تنص المادة 160 من نفس القانون علي انه يعاقب كل من شوش علي إقامة شعائر ملة أو دين أو احتفال أو رموز أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من الناس.. لكن هذه القوانين كانت رادعة وكفيلة بتحقير وتصغير حالات الإحتقان الطائفي؟! هناك يأتي قبول النظام هو من أساسيات التعايش لان عدم الإستعداد لقبول القواعد والنظم يعني الكراهية، والعنف، والإقصاء، فضلا عن أن الحوار هو الأداة التي يطوعها أي مجتمع لترسيخ قيم التعايش المجتمعي ونشر الإختلافات العقائدية بين البشر و الدعوة لقبولها. التعايش السلمي هو مفهوم دعا إليه "خروتشوف" عقب وفاة "ستالين"، وذلك لانتهاج سياسة تقوم على مبدأ قبول فكرة تعدد المذاهب الإيديولوجية، وتشجيع لغة الحوار والتفاهم والتعاون بين الأمم المختلفة. مبدأ التعايش لم يعد مجرد ترف فكري يقتصر على الفلاسفة والمثقفين، بل هو ضرورة لحماية مستقبل البشرية من أخطار دعوات الكراهية والعنف والإقصاء على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية، وهذا يستدعي استنهاض قدرات المجتمعات الإنسانية وتوحيد جهودها لتعزيز مسار التعايش كقيمة إنسانية تكفل حماية التنوع، وتعزز الحوار والتعاون.. ومن هنا، تأتي أهمية العمل على غرس قيمة التعايش في مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، والأسرة وأماكن العبادة.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان