تستقبل روائح الياسمين زوار قرية «شبرا بلولة» التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية، والتى تقع على قرابة 92 كيلو مترًا من شمال محافظة القاهرة، ووسط حصاد الياسمين يظهر عالم من الجمال والبهجة صنعته الطبيعة وقت سطوع الشمس ووثقته عدسة كاميرا مجلة «أكتوبر» بالتجول فى حقول الياسمين وتصوير الفلاحين والنساء والأطفال فى الحقول وهم يحصدون الياسمين.
دار المعارف - عاشور الزيات
تصوير - رمضان على
رغم أنه لا توجد إحصائية دقيقة لمساحة الأراضى المزروعة بالياسمين فى مصر إلا أن قرية شبرا بلولة تنتج وحدها أكثر من 20 طنًا يوميًا أى أكثر من 90% من صناعة الياسمين فى مصر يخرج من هذه القرية وكفر سعدون والقرى المجاورة لها، لذا تعد هذه الزراعة استراتيجية بالنسبة لأهالى المحافظة، وترجع زراعة الياسمين فى تلك القرية والتى يبلغ عدد سكانها 15 ألف نسمة إلى أواخر عهد الملك فاروق عندما اتفق أحمد فخرى باشا (ابن أخت الملك فاروق) والسيدة سيسل كوجيل (فرنساوية) على زراعة 50 فدانًا بعد استيراد شتلة الياسمين من فرنسا وإقامة مصنع لاستخلاص الزيوت العطرية ولتكون التربة الخصبة والمركز الرئيسى لتلك الصناعة.
ففى الليل قبل شروق الشمس ترى أضواء متناثرة داخل حقول الياسمين تتحرك ببطء، ويضع الفلاحون الكشافات فوق رءوسهم لتنير لهم لجمع ما تفتح من زهرة الياسمين ويرتدون أكياسًا بلاستيكية لتحميهم من قطرات الندى، فما إن ينتصف الليل حتى يبدأ عمال الحصد فى العمل وذلك بوضع مصباح على الرأس والبدء فى جمع زهور الياسمين التى تفوح رائحتها على بعد كيلو مترات من القرية ويستمر العمل حتى الصباح.
أفراد يعملون فى صمت وبجدية لا يسمع إلا أنفاسهم يبدأون عملهم كل يوم من الساعة العاشرة ليلاً حتى الساعة العاشرة صباح اليوم الثاني، وبالرغم من جمال المشهد إلا أن العمل يسير على نحو جاد وشاق، وفى كل ليلة يتكرر المشهد وتنبت الزهور فى نفس الأشجار ومع ارتفاع درجات الحرارة يبدأ الفلاحون بمغادرة الحقول والانصراف إلى منازلهم ليأخذوا قسطًا من الراحة استعدادًا لدورة جديدة يلونها جمال المنظر، ولا يخلو المشهد من الأطفال فى الحقول مع ذويهم يقطفون أزهار الياسمين فيما يحملون أمانى بسيطة والرضا بما قسمه الله لهم، ويبدأ حصاد الياسمين من شهر يونيو حتى نهاية شهر نوفمبر وباقى أشهر العام يعمل الفلاحون على متابعة ومراعاة الأشجار وكذلك العمل على حصاد وجمع أشجار اللارنج.
3 كيلو جرامات
ويحصد كل فرد ما يقرب من ثلاثة كيلو جرامات من زهور الياسمين ثم يضعها فى سلات مخصصة معه، وكل يوم تمر السيارات على الحقول لتجميع الزهور ووزنها ومحاسبة الفلاحين ويتم محاسبة الفلاح 30 جنيهًا للكيلو ثم نقلها إلى المصانع.
تعد قرية شبرا بلولة قلعة صناعة العطور فى مصر ووصل إنتاج القرية أكثر من نصف العجينة الخام الخاصة باستخراج عطر الياسمين فى العالم.
وتعد من أهم قرى محافظة الغربية نظرا لتوافر فرص العمل للشباب، حيث إن حصاد الياسمين يستوعب أعدادًا كبيرة من العمالة بخلاف وجود ثلاثة مصانع لتحويل الزهور إلى عجينة خام وزيوت ويتم تصديرها بالكامل إلى أوروبا خاصة فرنسا.
العاشرة ليلاً
ويقول محمد محمود، أحد سكان شبرا بلولة، إن قريتنا تعد القرية الأولى فى مصر التى احتكرت زراعة الياسمين وأبدعت فى إخراج العشرات من الروائح العطرية المتميزة، وتصديرها إلى الدول التى تصنع العطور، منها فرنسا وأمريكا، وإنتاجنا من الياسمين لا ينقطع طوال ٦ أشهر من السنة تبدأ فى شهر يونيو وتنتهى فى شهر ديسمبر.
وأضاف أن محصول الياسمين يختلف عن أى محصول آخر، فخدمته أقل مقارنة بالمحاصيل الأخرى التى تحتاج إلى خدمة أكبر، إضافة إلى الأسمدة والكيماوي، فالياسمين لا يحتاج سوى الرى كل 15 يومًا، والرش بجانب المغذى الذى يصل ثمنه إلى 150 جنيها للكيلو الواحد كما أنه يحتاج إلى كيماوى عند زراعته لأول مرة فقط.
وتقول زينب، إحدى الفتيات التى تعمل بجمع الأزهار: «نحن نجمع الياسمين منذ الطفولة، ويبدأ الجنى العاشرة مساء أو من منتصف الليل وحتى العاشرة من صباح اليوم التالي... حسب الرزق».
مصطفى العدل 62 سنة مقيم بالقرية يقول: «نحن نقوم كل ليلة بجنى الياسمين من الحقل ونسلمه للمصنع فى نفس اليوم ونحصل على 25 جنيهًا فقط مقابل كل كيلو وهو مقابل ضعيف جدًا».
أما أحمد محمد جادالله 60 سنة يقول، «أعمل فى جنى الياسمين بجانب معاشى الحكومى ولكنى أطالب المسئولين بالتدخل لزيادة أعداد مصانع الزيوت العطرية لتكفى الإنتاج الوفير».
ياسين أشرف 25 سنة يقول، «نحن فريق عمل واحد لأننا عائلات سواء رجال ونساء وصغار، ويضيف أن كل الأسر فى القرية تقوم مبكرًا فى فترات متفاوتة من الليل حسب المطلوب منها لأنه فى النهاية الأجر مرتبط بالإنتاج، فالبعض يحاول أخذ الأسرة كلها لجنى أكبر كمية وتسليمها للمصنع ولكن حساب الجنى يكون آخر الموسم».
مصطفى فريد فلاح 50 سنة يقول، «نحن نجمع الياسمين من الطفولة ويبدأ الجنى فى منتصف الليل وحتى الثامنة صباح اليوم التالى حسب الرزق ويمتد موسم الياسمين من يونيو حتى نوفمبر».
صناعة الأدوية
ويضيف أحد العاملين بإنتاج عجينة الياسمين، إن القرية تميزت طوال قرن كامل بجودة إنتاجها من الياسمين، وأصبحت تحتل مكانة عالمية بارزة بسبب ذلك، مضيفا أن الياسمين لا يستخدم فقط فى صناعة أفخم وأرقى العطور بل يستخدم كذلك فى صناعة الأدوية، مشيرًا إلى أن شجرة الياسمين معمرة فالشجرة تظل فى الأرض طوال 30 عامًا أو أكثر وتلقى بزهورها لمدة 8 شهور فى العام.
ويوضح أن الطقس فى مصر يساعد على زراعة زهور الياسمين، لأنه يحتاج لمناخ معتدل الحرارة ورطوبة منخفضة وتلك العوامل إضافة إلى جودة التربة هو ما جعل زراعته قاصرة على القرية وبعض القرى فى الدلتا.
وقال محمد أكرم، أحد الفنيين فى مصانع الياسمين، من أهم الصعوبات التى نواجهها فى صناعة العطور، أننا على غير دراية بالسر النهائى لتركيب العطور الذى يحتفظ به الفرنسيون، حتى نظل نُصدر لهم إنتاجنا الفاخر من والياسمين.
مطالبًا الحكومة بضرورة توفير الباحثين العلميين لمساعدتنا فى التوصل إلى طرق وأسرار صناعة العطور النهائية لأنه إذا علمنا سر المهنة لن نصدر الخام إلى الخارج، وسوف تقوم القرية بالإنتاج الذاتى وستعمل على تصديره من مصر إلى العالم كله، ورغم أن معظم أهالى القرية بسطاء يجهلون القراءة والكتابة، إلا أننا قادرون على إنتاج العطور من الألف إلى الياء.
مواجهة البطالة
ويضيف عامر الشيخ 35 عاما، أحد العاملين المختصين بتصنيع الزيوت العطرية: تتم عملية تصنيع الزيوت العطرية عن طريق عدة مراحل أولاً يتم جمع الياسمين من قبل الفلاحين ونقوم باستلامه بعد وزنه ثم تضاف مادة الهكسان فى جهاز ثم يتم نقلها إلى جهاز فصل ثم جهاز فصل نهائى وتتحول بعدها إلى مادة صلبة وتحويلها إلى زيوت عطرية، ونحن نحدد سعر الكيلو عند الاستلام من الفلاحين ولا يتم صرف مستحقاتهم إلا بعد انتهاء الموسم.
وقال استطعنا التفوق على دول عديدة فى جودة الإنتاج وكمياته مطالبا الحكومة بالوقوف بجانب المصانع الصغيرة حتى تكون قادرة على المنافسة أمام المصانع الكبرى لأنها تتحكم فى السعر، مشيرًا إلى أن صناعة الزيوت العطرية وزراعة الياسمين وحصاده تساهم بشكل كبير فى حل أزمة البطالة داخل القرية والعزب المجاورة ونسعى إلى تشغيل المصانع طوال العام بدلا من أشهر الحصاد فقط حتى تكون العمالة دائمة ولكن أزمة كورونا أثرت على الجميع.
وأكد أن عملية التطوير وتحسين المنتج مستمرة خاصة بعد إضافة إحدى الماكينات والأجهزة لمعامل تحليل الزيوت وقياس الجودة بهدف رفع جودة المنتج وقدرته على المنافسة العالمية.
https://youtu.be/Imiq6tKhOoQ