كان حلم إثيوبيا المتجدد عبر الأجيال هو أن تنفتح حدودها على البحر الأحمر، وفى سعيها لتحقيق هذا الحلم حاربت جيرانها، الصومال، و إريتريا، حتى إنها احتلت الأخيرة وضمتها إليها رسميًا عام 1962 ووصلت من خلال ذلك لشواطئ البحر الأحمر (قبل أن تحصل إريتريا على استقلالها عام 1993م).
وفى ذات الوقت كانت إسرائيل تبحث عن مرتكز لها فى حوض البحر الحمر.. وإسرائيل التى تجيد لعبة زرع الأطماع فى أدمغة الطامحين، والطماعين، بدأت تداعب خيال الإمبراطورية الإثيوبية، خاصة أن العرب دعموا ثورة إريتريا للتحرر إبان الاحتلال الإثيوبى، فالتقت المصالح، واندفعت إثيوبيا تسعى مع إسرائيل لكسر الطوق العربى للبحر الأحمر.
بدأ هذا التقارب منذ الخمسينيات من القرن العشرين كما أسلفنا فى حلقة سابقة، وتطورت العلاقات بصورة كبيرة خلال الثمانينيات، واستغلت إسرائيل هذا الزخم فى إقناع النظام الحاكم فى إثيوبيا برئاسة منجستو هايلا مريام بإقامة مشروعات للرى على النيل تستهدف اقتطاع 7 مليارات متر مكعب من مياهه، هذا على الرغم من عدم حاجة إثيوبيا لمثل هذه المشروعات، كما أجزم خبراء هذا الملف.
(1)
وامتد التنسيق الإثيوبى – الإسرائيلى إلى آفاق أبعد ومن خلاله استطاعت إسرائيل أن تنفذ إلى جنوب السودان وتلعب دورًا كبيرًا فى انفصاله عن الشمال، وفى السودان الجنوبى يوجد حوض «بحر الجبل» وهو مكون ورافد رئيسى لمياه نهر النيل القادمة من بحيرة ألبرت، وهى واحدة من البحيرات العظمى الإفريقية.
ومع ضمان سيطرة إثيوبيا على الرافد الثانى الأهم لنهر النيل وهو «النيل الأزرق» شرعت إسرائيل تشن حروبها المائية على مصر، عبر استراتيجيتين: الأولى غير مباشرة تنفذها من خلال إثيوبيا وما تستطيع الوصول إليها من دول حوض النيل، والثانية الاستراتيجية المباشرة، بالسعى للحصول على حصة من مصر فى مياه النيل (سياسة المحاصصة).
وفى السنوات الأخيرة تكشفت الحقائق عن أصابع إسرائيل التى تعبث فى إثيوبيا وغيرها، وافتضح أمر الشركات الإسرائيلية – ومنها شركة «تاحال» – التى تقوم بتنفيذ مشروعات وأعمال رى على النيل الأزرق سبق أن أعلنت عنها إثيوبيا ويصل عددها المعلن إلى ما يقرب من 40 مشروعًا، وتشمل أكثر من 26 سدًا، يدعم هذه المشاريع فنيون من إسرائيل، ومؤسسات دولية مثل البنك الدولى، هذا غير سد النهضة أو سد الألفية، الذى صار يمثل أزمة كبيرة بالنسبة لنا.
(2)
وقد يتبادر إلى ذهن البعض سؤال: لماذا تفعل إسرائيل هذا؟! هل العداء من أجل العداء هو ما يدفعها لهذا السلوك تجاه العرب ومصر تحديدًا؟!
باختصار: سعت إسرائيل إلى هذا السلوك لعدة أهداف يمكن تقسيمها زمنيًا، ففى بداية نشأتها كانت تسعى إلى تأمين وجودها ذاته، وتحقيق أمنها القومى كما تخطط له، وإثبات شرعيتها السياسية، من خلال اعتراف هذه الدول الإفريقية بها، مع تأكيد وجودها الواقعى وكسر العزلة العربية والإقليمية، وفى مرحلة تالية كان عليها أن تثبت لحلفائها وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية أنها تحمى مصالحها فى المنطقة وفى القارة الإفريقية التى ينافسها فيها عديد من دول الغرب قبل دخول الصين على الخط.
وفى المرحلة الحالية، تسعى إسرائيل إلى الهيمنة القارية والإقليمية، وفرض هذه السياسة على دول المنطقة، سياسيا واقتصاديا، سياسيا من خلال الإمساك بـ «خناّق» بعض الدول، والنفاذ إلى عمق أمنها القومى، وعلى رأس هذه الدول مصر، ولكى يتحقق هذا فلن يكون فقط من خلال السيطرة على مادة الحياة (الماء) وشريانها (النيل من منابعه)، ولكن أيضا من خلال تأمين وجودها العسكرى فى نقاط ارتكاز استراتيجية فى القارة من خلال إنشاء قواعد عسكرية لها، وهذا أمر بات معروفا للجميع، وإسرائيل لم ولن تنسى ما فعلته مصر فى حرب أكتوبر عندما سيطرت على مضيق باب المندب.
وإضافة إلى كل ما سبق فإن إسرائيل تعانى بشدة من الفقر المائى، وجعلت من هذا مبررا لأن تسعى منذ نشأتها وعلى الدوام إلى السيطرة على الأنهار العربية، - ومنها بالطبع نهر النيل - لتجعل لنفسها نصيبًا فى مياهها.
.. يقول خبير إسرائيلى فى هذا المجال: «إنه يمكن حل جميع مشكلات المياه فى إسرائيل باستخدام 1% من مياه النيل»، فإذا كان متوسط إيراد النهر فى تدفقه السنوى 80 مليار متر مكعب فإن إسرائيل تطمع فى 800 مليون متر منها (على الأقل) لكن محاولاتها مع مصر أثبتت لها أن عقيدتها الراسخة ترفض بشدة تحويل مياه النيل خارج مجراه الطبيعى أو بيع مياهه، ولكل ما سبق عمدت إسرائيل إلى محاصرة مصر فى محيط دائرتها النيلية.
(3)
.. تفعل المؤامرة فعلها إذا وجدت فراغًا تتمدد خلاله، أو غاب من يوقف تأثيرها من خلال فعل مضاد، والمؤامرة الإسرائيلية فى القرن الإفريقى وحوض النيل، أحرزت – لاشك – تقدمًا يجب أن نعترف به، وكادت تنتقل من حالة التوغل إلى حالة الهيمنة الكاملة، وقد جاءت فرصتها الكبيرة بعد هبّات الربيع العربى وتورط وانشغال العرب فى أزماتهم الداخلية، وبدا أن إسرائيل سوف تنتقل نقلة كبيرة على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، مع مخايل سقوط النظام العربى، وتأهبت لركوب هذا النظام، وقيادته، كما خططت مع الغرب، حسب تصورات مشروع الشرق الأوسط الكبير، لولا ثورة 30 يونيو، وما ترتب عليها من استعادة الدولة المصرية لتماسكها، ومن ثم لدورها، ومع عودة الوعى، وإدراك المخططات، تم إيقاف تمدد فعل المؤامرة نسبيا فى الداخل والخارج، لكنها لم تنته.
(4)
وبإصرار كبير سعت – ومازالت - مصر إلى استعادة دورها السياسى فى الإقليم والقارة، ونشطت الدبلوماسية المصرية وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الوصول إلى قلب إفريقيا ودول حوض النيل مجددًا، وإحياء الأهداف الاستراتيجية للدور المصرى استلهامًا من التاريخ القريب، والخبرة، والعلاقات التى أسست لها مصر فى خمسينيات، وستينيات القرن العشرين، ومع هذا النشاط الدبلوماسى، زاد النشاط الاقتصادى الموجه نحو القارة، لكن مازال هناك دور مهم شبه غائب يقع على عاتق الإعلام والثقافة، والمؤسسات الدينية، ينبغى أن يستهدف هذا الدور الوصول إلى وجدان الأفارقة وعقولهم، أولا لتعرية الأساطير التى تروجها إسرائيل وتستخدمها كغطاء لتوغلها فى إفريقيا ودول حوض النيل، وثانيًا لإعادة زرع وإحياء مفاهيم الشراكة على كل المستويات، وخلق وتنشيط استراتيجيات جديدة للتعاون، وليس الاكتفاء بما هو موجود أو متوارث منها.