بدأ تاريخ أمريكا بأكبر جريمة إبادة جماعية عرفتها البشرية..
فعندما حط البحار المغامر الإيطالى كريستوفر كولومبس قدمه الشؤم على اليابسة الأمريكية كان يسكن هذه البقعة من العالم أصحاب الأرض الذين أحصاهم التاريخ فقدر عددهم ما بين 50 إلى 90 مليونًا، وقد ظن المكتشف المشهور خطأ أنه وصل بسفينته إلى الهند الشرقية، وعندما تم تصحيح الخطأ واكتشف الحقيقة كانت تسمية الهنود قد التصقت بهؤلاء السكان فأضيف إليها وصف الحمر أو الأمريكان تميزا لهم عن الهنود الأسيان.
وبعد كولومبس توالت الهجرات من أوروبا إلى الأرض الجديدة، وقذفت بريطانيا بمجرميها إلى هذه الأرض الطيبة فحملوا معهم أدوات الموت المختلفة من أسلحة حربية إلى السموم البيولوجية، ونشروا بين أهل هذه البلاد الأمراض ليحصدوا أرواحهم ويسرقوا أرضهم بما تحمله من خيرات.. أطلقوا عليهم ميكروبات الكوليرا، والحصبة، والطاعون، والتيفود، والدفتريا، والملاريا، وقيل إن السلطات البريطانية كانت توزع عليهم على سبيل الهدية أغطية حاملة لميكروبات الأمراض لتنشر بينهم الموت عبر الوباء!
هذه أفعال مسكوت عنها فى تاريخ حضارة الرجل الأبيض الذى انتقل من أوروبا ليسكن أمريكا الشمالية ويؤسس على الشر إمبراطورية أمريكا التى نبتت فى أرض مزروعة بالمقابر الجماعية للهنود الحمر.
(1)
تاريخ آخر لا نستطيع أن نتجاهله سطرت صفحاته جرائم الإبادة الجماعية التى ارتكبها الرجل الأبيض الذى يدعى التحضر والإنسانية، بينما يمارس هذا الجنون البشرى.
حدث هذا فى الحربين الأمميتين الأولى والثانية، ومعسكرات الإبادة النازية والحرب الأمريكية – الفيتنامية، التى شنت خلالها أمريكا ما عُرف بالحرب السامة، وكانت طائراتها تنثر من الجو خليطًا كيميائيًا سامًا على الأراضى والمزارع الفيتنامية، واستمرت هذه العملية التى حملت اسمًا حركيًا هو «العامل البرتقالى» من عام 1961 إلى 1971 وحصدت خلالها أرواح ما يقرب من نصف مليون مدنى فيتنامى تعرضوا لهذا المبيد السام، هذا غير نصف مليون من الأطفال ولدوا مشوهين، وقد تسمموا جنينيًا فى أحشاء أمهاتهم إثر تعرض الأخيرين لهذا الخليط الكيميائى الذى تم تحضيره خصيصًا للجيش الأمريكى فى معامل شركات كبرى للمبيدات الزراعية مازالت قائمة ومشهورة.
(2)
المجرم الذى ارتكب هذه الفظائع هو نفسه الذى اخترع مؤسسة أممية ليستتر وراء واجهاتها الإنسانية فى ارتكاب جرائمه، ويتخذها مطية للسيطرة على العالم، وقيادة وعقاب الدول الصغيرة والفقيرة والضعيفة، لذلك لم تقف اتفاقية جنيف التى تم توقيعها عام 1948 ضد سياسات القتل الجماعى المنظم، والتى صادقت عليها الولايات المتحدة بعد 40 عامًا من صدورها أى فى عام (1988).
لم تمنع هذه الاتفاقية أمريكا من أن تمارس بشكل مباشر، أو عبر وكلاء لها جريمة الإبادة الجماعية، التى كانت تحدث فى العراق إبان غزو واحتلال أمريكا لها، واستخدامها لقنابل اليورانيوم المنضب، وحدث هذا فى الحرب الأهلية السورية، وقد أرادت أمريكا أن تلصق بالنظام السورى تهمة استخدام غاز السارين السام، والحقيقة التى باتت معروفة أنها عبر وكلاء لها زودت الفصائل التى تحارب النظام بهذا السلاح القاتل فوقعت مأساة الغوطة شرق دمشق، وأطلقت آلة الإعلام الغربية الكاذبة الأخبار والمواد الفيلمية المزيفة لتلصق الأمر بالنظام الذى قررت إسقاطه بأى شكل، والبلد الذى خططت لتدميره بأى كلفة.
(3)
أحدث التقارير التى طالعتها عن جرائم أمريكا يتعلق بما يحدث ضد طائفة الروهينجا المسلمة التى تسكن ولاية «أركان» هذه الطائفة التى تتعرض لعملية إبادة جماعية منظمة بدأت منذ أربعينيات القرن الماضى، وذلك بعد أن تصدت هذه الطائفة للاحتلال الإنجليزى لبلادها «بورما» التى تحمل الآن اسم «ميانمار» ورد الاحتلال عليها بزرع بذور الفتنة بين هذه الطائفة وبين البوذيين وزودوا الأخيرين بالسلاح وحرضوهم ضد المسلمين فارتكبوا أول مذبحة ضدهم عام 1942.
وخرج الإنجليز من بورما، وبقت الفتنة، وجاءت أمريكا لتنسج عليها سياساتها، وقد رأينا من هذه السياسات – نحن العرب – خلال السنوات القليلة الماضية، ما يجعلنا على الأقل نحاول أن نفهم جيدا ما يحدث.
(4)
نفس السياسات التى طبقت فى الربيع العربى، لقد استقطبت أمريكا وكلاء لها فى ميانمار أبرزهم الناشطة المعارضة «أون سان سو تشي» ومنحها الغرب جائزة سخاروف لحرية الفكر سنة 1990م وجائزة نوبل للسلام سنة 1991، للنضال اللاعنفى (ألا يذكركم هذا المصطلح بشىء ما) ودفعها الغرب بقوة للصعود إلى السلطة فى صراعها لسنوات عديدة ضد الجيش الوطنى البورمى، وتم الإنفاق على سو تشى وحزبها عشرات الملايين من الدولارات، تمويلات من مؤسسات أمريكية أبرزها مؤسسة «نيد» الأمريكية (ألا يذكركم هذا الاسم بشىء ما)، ومؤسسات نظيرة بريطانية وأوروبية، حتى تولت هذه الناشطة منصب يعادل رئاسة الوزراء وهيمنت من خلاله على الحكم والسياسة فى ميانمار، واستمرت فى وجودها بل زادت سياسة سكب البنزين على النار المشتعلة فى ولاية «أركان» بين البوذيين اليمنيين المتطرفين والمسلمين الضعفاء الفقراء الذين دسوا بينهم أعضاء من داعش حتى تنطلق الرصاصات من معسكرهم فتكون تكأة لتوجيه آلة القتل العنيف ضدهم، وهكذا يظل الحريق مشتعلًا.
ويلفت التقرير إلى أن العسكرية الأمريكية التى انسحبت بقواتها من الفلبين عام 1992 ولم يعد لها وجود تقريبا فى شرق آسيا، وتسعى مجددا إلى إيجاد ذريعة قد تحتاجها للتدخل العسكرى المباشر، وقد تذهب إلى هناك بذريعة تقديم المساعدة لمكافحة الإرهاب مثلا، أو التدخل بشكل إنسانى، بينما الأهداف فى الحقيقة جيوسياسية، تترجم مخطط أو مشروع «القرن الأمريكى ويرمز له بـ «PNAC» وقد وضعه المحافظون الجدد ويؤسس لخلق قوة الغد الأمريكية المهيمنة على العالم، فهل تتصور أن تترك أمريكا هذه المنطقة من العالم للصين دون خنقها وتعطيل مصالح الصين؟!
فى شرق آسيا أمريكا تعيد الآن بناء دفاعاتها العسكرية، وتعمل على إيقاف تطور مشروع «أوبور» الصينى المعروف بطريق الحرير الجديد، لذلك يهمها نشر العنف والفوضى فى هذه المنطقة، من خلال استثارة النزعات العرقية والطائفية، وأشعال الحروب الأهلية فى ميانمار كما حدث فى ليبيا وسوريا واليمن وأرادوا أن يحدث فى مصر، عبر أذرعها من النشطاء المحليين.. وبأساليب أخرى.. وياليتنا نفهم.