نبي الرحمة

نبي الرحمةرجب البنا

الرأى1-6-2021 | 17:03

من أصدق الأوصاف لدين الإسلام أنه «دين الرحمة»، وقد أكد ذلك القرآن الكريم بقوله عن الله سبحانه وتعالى: «إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، وقد ورد لفظ (الرحمة) فى القرآن 268 مرة، ومن أسماء الله الحسنى: الرحمن، والرحيم، ويكرر المسلم هذين الاسمين كلما قرأ سورة الفاتحة فى الصلاة فى كل ركعة، ويكفى أن نقرأ قول الله تعالى: «قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (الزمر – 53)، بل إن الله يقول لنا إنه سبحانه وتعالى: « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» (الأنعام – 54)، فإن كان الله قد كتب على نفسه الرحمة فكيف لا يكون دينه هو دين الرحمة، وكيف لا تكون (الرحمة) هى الصفة الملازمة لكل من يؤمن بهذا الدين وكل من يؤمن بأن الراحمون يرحمهم الله.

ونرى أن أصدق وصف للرسول صلى الله عليه وسلم أنه (نبى الرحمة) وأن رسالته هى رسالة رحمة كما قال الله سبحانه وتعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» (الأنبياء – 107)، وفى هذا يقول المفكر الإسلامى الراحل خالد محمد خالد إن الله شاء أن يولد النبى يتيما بموت والده قبل أن يولد، ويتيما بموت أمه وهو فى طفولته المبكرة، فكان أترابه يلوذون بآبائهم، وهو بينهم لم يقل أبدًا يا أبى، ولكنه كان يقول دائما يا ربى، والحكمة الإلهية أن يذوق اليتم مبكرًا لكى يفجر الرحمة فى نفسه، ولم تكن الرحمة عنده رد فعل ليتمه فقط وإنما كانت رحمة القوى ولم تكن رحمة الضعيف، كانت رحمة نابعة من المشاعر الإنسانية التى تمثل دعوته ومن حقيقة تكوينه وأخلاقه، وقد وصفه الله فى كتابه بقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (القلم – 4)، وقوله تعالى: « لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ»، ولهذا نراه صلى الله عليه وسلم يلخص رسالته بقوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تضع الرحمة كقاعدة إسلامية وأساس للعقيدة فيقول: (الراحمون يرحمهم الله)، ويقول: (ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء)، من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم حين خرج فى عام فتح مكة فى يوم من أيام شهر رمضان، وهو صائم، وكل من معه صائمون، ونزل فى مكان يسمى (كراع الغميم) فرأى بعض الناس قد شق عليهم الصيام بسبب مشقة السفر فطلب قدحا من الماء ورفعه حتى رآه الجميع ثم شرب رحمة بمن شق عليهم الصيام، وقال: (ليس من البر أن تصوموا فى السفر وعليكم برخصة الله التى رخص لكم فاقبلوها).

وفى يوم بلغ بعدد من الصحابة التأثر بحديث الرسول عن فضل العبادات وجزاء المصلين والصائمين والمذكين، فقال أحدهم: والله أصلى الليل ولا أنام منه شيئا، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر أبدا، وقال ثالث: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا، فكان رد الرسول عليهم: (والله إنى لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى)، وذلك رحمة بمن أرادوا أن يفرضوا على أنفسهم هذه المشقة.. ومرة أخرى بلّغه عليه الصلاة والسلام أن أحد الصحابة يصوم دائما ويقوم الليل كله فقال له: (إن لجسدك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا.. صم وافطر).

وجاء إليه رجل يبايعه قائلا: (يا رسول الله، جئت أبايعك على الهجرة من مكة إلى المدينة وتركت أبوى يبكيان، فقال له صلى الله عليه وسلم «إرجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما».. وفى مرة أخرى قال له رجل: (يا رسول الله، إنى أشتهى الجهاد ولا أقدر عليه) فقال له الرسول: (هل بقى من والديك أحد)، فقال الرجل: نعم، فقال له الرسول: (قابل الله فى البر بهما فإذا فعلت فأنت حاج، ومعتمر، ومجاهد).

هكذا كان نبى الرحمة.. مثال للرحمة بالنفس، والرحمة بالوالدين، والرحمة لكل البشر، بل الرحمة للحيوان أيضا، ومن وصاياه للمسلمين، الرحمة للضعيف، وللطفل، وللشيخ، ويشدد فى وصاياه بالرحمة باليتيم، والرحمة بالحيوان حين يذبح، يقول أبو ذر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ينجى العبد من النار؟ فقال: «الإيمان بالله، وأن تعطى مما رزقك الله، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعين الأخرق والمظلوم، وأن تمسك أذاك عن الناس، وما من عبد مؤمن فيه خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة»، وفى حديث قال: «دخلت امرأة الجنة لأنها رحمت كلبا ظمآنا وقدمت له الماء»، وفى حديث آخر قال: «دخلت امرأة النار فى هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض».

ويدعو الرسول بالرحمة بالمدين المعسر فيقول: «من يسر على معسر فى الدنيا يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة، والله فى عون العبد مادام العبد فى عون أخيه»، ويقول فى حديث آخر: (إن الله عز وجل يقول: يوم القيامة يا ابن آدم، مرضت فلم تعدنى، أما علمت أن عبدى فلانا استطعمك فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى)، وفى يوم رأى الرسول أمًّا تطعم طفلها فى حنان بالغ فقال لأصحابه: (أترون هذه الأم طارحة ولدها فى النار؟ قال الصحابة: لا والله يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: (فإن الله أرحم بعبده المؤمن من هذه الأم بولدها).

ولهذا يقول الله تعالى: « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ» (الفتح – 29).

الرحمة.. الرحمة.. هى الإسلام، وهى صفة المؤمنين بالإنسانية فى كل الأديان، ومن لا يعرف الرحمة لا يعرف الله، ومن يخلو قلبه من الرحمة فلن يعمر قلبه بالإيمان.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان