علي جمعة: على كل مسلم التمسك بهذا الدستور

على جمعة

الدين والحياة5-6-2021 | 10:58

دار المعارف

قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الله عز وجل خلق لنا الحياة منة منه لنا‏‏ فجملها وزينها‏,‏ استضافنا فيها فأكرمنا وأحيانا ورزقنا وهدانا‏،‏ والحياة بهذه الصفة هي هبة ربانية ومنحة صمدانية‏،‏ أرشدنا الله –سبحانه وتعالى- كيف نتعامل معها‏..‏ وكيف نتمتع بها‏، أرشدنا –سبحانه وتعالى- لما فيه صلاح دنيانا‏..‏ كيف نضعها وما أولوياتها‏..‏ أمرنا الله ونهانا وبين لنا وثبتنا في كتابه وفي سنة سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- فجعلنا لا ننسى نصيبنا منها‏، وأمرنا بالتأمل والتفكر فيها‏, ‏وجعل ذلك من سمات عباد الرحمن الذين يذكرون الله كثيرا‏.‏

وأضاف جمعة عبر الفيسبوك: ربنا –سبحانه وتعالى- يضع دستور ذلك كله فيقول‏: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ) [القصص‏:77].‏

وأوضح أن المسلم هو الذي يحب الحياة حبا حقيقيًا‏،‏ يعرف قيمتها ويعرف منة ربه عليه بها‏،‏ ولا يتجاوز شأنها‏، ولا يضعها في قمة اهتمامه فتحجبه عن الله‏,‏ المسلم هو الذي يدرك معنى الحياة‏..‏ وليس الذي يتعلق قلبه بالدنيا،‏ فحب الدنيا من الوهن‏..‏ وحب الحياة ينزع الوهن من القلب‏، قالوا‏:‏ وما الوهن؟ قال – صلى الله عليه وآله وسلم:‏ (حب الدنيا وكراهية الموت) ‏(سنن أبي داود‏)، فالمسلم يحب الحياة لكن لا يلهيه هذا الحب عن حب الحياة الآخرة فهي الحيوان‏،‏ وهي الحقيقة،‏ وفيها الخلود‏،‏ ونرجو فيها رضا الله –سبحانه وتعالى-حتى يدخلنا جنته وحتى يقينا عذابه وغضبه‏.‏

وأشار إلى أن المسلم هو الذي يحب الحياة وليس المفسد هو الذي يحب الحياة‏,‏ فالمفسد هو الذي يحب الشهوات (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآَبِ) [آل عمران‏:14]،‏ ربنا -سبحانه وتعالى- يأمرنا بالنية الصالحة في كل ما نفعل‏,‏ سواء كان الذي نفعل راجعا إلينا أو راجعا إلى أهلنا‏,‏ أو راجعا إلى غيرنا،‏ أو راجعا إلى أقاربنا وجيراننا‏..‏ كل ذلك (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ) [غافر‏:14].
قال -عليه الصلاة والسلام-‏:‏ (إنما الأعمال بالنيات‏،‏ وإنما لكل امرئ ما نوى) ‏(صحيح البخاري ومسلم‏),‏ وقال‏:‏ ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في -يعني‏:‏ فم – امرأتك ‏(صحيح البخاري ومسلم‏),‏ وأخبر أن الإنسان يثاب حتى في شهوته التي يضعها في حلاله،‏ فقال‏:‏ (وفي بضع أحدكم صدقة‏),‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله‏، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال‏:‏ (أرأيتم -يعني أخبروني- لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) ‏(صحيح مسلم‏).‏
وتابع: خلق الله الخلق وأمرنا أن نتمتع به في حله ولذلك يقول –سبحانه وتعالى-‏: (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ) [الأعراف‏:31],‏ أمر ونهى‏, (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف‏:31‏-‏32],‏ يعلمون الحق ولا يلبسونه بالباطل‏،‏ ولا يدجلون على الناس بأن المسلم يكره الحياة‏,‏ لأن المسلم في أصل عقيدته يرى الحياة منة من الله‏،‏ فهو يحب الحياة لحب الله‏، لكنه لا يحب الفساد لأنه جل جلاله لا يحب المفسدين ‏(إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ) [الأعراف‏:31]..‏ المسلم يحب الحياة لأنه لا يجد حجابا بينه وبين ربه‏,‏ ولا ينسى نصيبه من الدنيا فيتمتع بها وبطيباتها وبحلها كما أمره الله‏، ولا يعدو فوق ذلك‏، ويجعل كل تصرفه لله‏،‏ وقلبه معلق في حالة دائمة بالله‏,‏ فهو يفعل لله ويترك لله ويقوم لله ويقعد لله‏،‏ هذا هو المسلم الذي يحب الحياة‏.

أيها المسلم تمسك بهذه الآية الدستور وتأمل فيها وسر عليها‏: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ‏)..‏ ثانيا‏: (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)..‏ ثالثا‏: (‏وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ)..‏ رابعا‏: (وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ),‏ ولا تطع أحدا من المفسدين‏،‏ ولا تعد عيناك عن المؤمنين‏,‏ فإن الله –سبحانه وتعالى-‏ يرضى عنك برضاه ويهديك بهدايته ويرحمك برحمته‏، قال –سبحانه وتعالى- : (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة‏:10]،‏ وقال‏: (وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج‏:77].‏