كتبت: سمر شافعى
بالتأكيد إسرائيل تكذب.. وكذبها مفضوح ومكشوف.. وهى تفعل ذلك لأنها تريد أن تجمّل وجهها المفضوح بإمارات الهزيمة فى حرب أكتوبر أو كما تطلق هى عليها تسمية "حرب يوم الغفران".
بعد 44 عاماً مرت على هزيمة الجيش الإسرائيلى أمام الجيش المصرى، قبل 44 عاما، مازالت "الميديا الإسرائيلية" تحاول أن تمحو من ذاكرة الأجيال ذلك الإنتصار، وتسبدله بخرافات وترهات وأحاجى وألغاز.
اليوم عادت مجددًا الصحف الإسرائيلية ووسائل الإعلام اليهودية، ترويج مرة أخرى لإدعاءات هنرى كسينجر وزير الخارجية الأمريكى بأنه كان يخطط لقيام حرب أكتوبر بين إسرائيل ومصر من أجل أن تعيد مصر أراضيها بشكل مرضى، وأن تضمن إسرائيل عملية السلام مع شقيقتها مصر،على حد قوله.
كان أورى ميلشتاين الصحفى والكاتب الإسرائيلي بصحيفة "معاريف" هو أول من قاد الترويج لتلك الإدعاءات (الألغاز) مرة أخرى مطلقاً على حرب أكتوبر وهزيمة شعبه بالمؤامرة تقليلاً منه من شأن الانتصار المصرى فى حرب أكتوبر.
جاءت أقوال ميلشتاين فى إطار ترويج لكتابه «احتمالات ضئيلة للانتصار.. حقائق حول حرب أكتوبر (لم يصدر التاب بعد) متسائلاً": لماذا لم يقم الجيش الإسرائيلى بتجنيد قوات الإحتياط حتى قرب صباح يوم الحرب؟! مضيفًا : «رغم الترويج لاقتراب حرب وشيكة سوف تشن عليه عبر قنوات كثيرة».
ويستطرد الكاتب فيقول: «لكن الحجة الصهيونية المنتشرة الآن هى مجرد عدم رغبة القيادة السياسية لإسرائيل والعسكرية فى ذلك، بعد أن كان هناك استدعاء سابق راح بلا فائده فى مايو السابق للحرب، خاصة أن كان هناك تحضيرات للإنتخابات الإسرائيلية قبل موعد الحرب.
ويستكمل ميلشتاين إدعاءاته الصهيونية أن المؤامرة كان الغرض منها، أن تكون النتيجة عقد السلام بين مصر وإسرائيل، ونزع مصر من أحضان الاتحاد السوفيتي لتحل محلها الولايات المتحدة عن طريق كسينجر، ووفقاً لذلك سيترك الجيش الإسرائيلى بإراداته وبكامل قواه العقلية الجيش المصرى ليمر ويفاجئ بعبور قناة السويس وينتصر ويأخذ بثأره ليتخلص من عار هزيمة 67، وبذلك تشعر إسرائيل بالأمان وتتنازل عن سيناء وإقامة اتفاقية السلام.
لم تمر نظرية ميلشتاين هكذا مرور الكرام، بل أحاطها جدلاً كبيراً بين المؤرخين والصحفيين بإسرائيل، حيث ذكر فى مقال للدكتور تريستا هكتر بموقع "نيوز وان" الإسرائيلى أن نظرية ميلشتاين للمؤامرة ليس لها أى أساس من الصحة وتأتي بدون اسنادات منظقية وموثقة، فى حين أنه يحاول التطوير من نظريته وتقويتها، رغم المكالمات التليفونية التى أشار لها ميلشتاين فى مقالته بين كسينجر والرئيس الأمريكي الجديد حينها جيرالد فورد التى تتضمن أنهم استفادوا حتى من الخسائر الإسرائيلية فى الحرب، تلك التبادلات التليفونية ليس لها أى اساس من الصحة على حد قول الكاتبة الإسرائيلية ومرجعيتها تعود إلى سنوات عديدة، حتى أنها طالبته فى أحد مقابلاتها له بان يقدم أدلة وبراهين على أقواله وبشكل أكاديمى، إلا أن ميلشتاين يستمر فى العناد وفى تطوير كذبته التى أوشك على تصديقها أو قام بتصديقها بالفعل وهى أن المؤامرة حدثت بين ديان وبين كسينجر.
مضيفة إلى أن ميلشتاين بنظريته تلك أحبط وأفسد نفوس الجميع سواء كان زملائه فى الوسط أو الشعب الإسرائيلى والمقاتلين الذين دفعوا الثمن، حسب نظرية المؤامرة، على يد قادة جيشهم، متوقعه صدور مقال مضاد لميلشتاين عن قريب من شأنه أن يفسد أساس نظريته.
هذا يأتى الوقت الذى يذكر فيه مليلشتاين أحد مقالاته فى موقع "نيوزوان" أن نظرية المؤامرة هى عادة متأصلة فى اليهود من قديم الزمان، فكما جاء بسفر التكوين فى التوراة أخفى سيدنا إبراهيم هوية زوجته سارة بالتشاور معها عن فرعون مصر عندما جاء للنجاة من الجفاف وعاد إلى كنعان ومعه ثروة كبيرة، وكذلك قصة سيدنا يعقوب الذى تأمر مع والدته ضد أخيه عيسو وارتدى الفراء ليصبح مشعراً مكان أخيه ويباركه أبيه إسحاق الضرير ليأخذ حق غير مكتسب من أخيه.
ورغم كل ذلك في حين أن ميلشتاين صاحب المؤامرة كذبه البعض، إلا أنه فى معظم الجمهور الإسرائيلى الآن، كما جاء مؤخراً فى صحيفة هآرتس، الكاشف الأول عن الجرح الحقيقي الذى تعرضت له إسرائيل خلال حرب أكتوبر حتى الآن، وأن إسرائيل وأمريكا كان لهم المصلحة الكبرى من حظر ظهور أمثاله على الساحة وكشف الحقائق للناس على اعتبار ذلك جزء من دورهم كمؤرخين.
على الرغم من ذلك لم يحظى ميلشتاين بنفس الشعبية التى حظى بها إفرايم باركاى الكاتب الإسرائيلى الذى اصدر عدد من الكتب عن حرب أكتوبر لم تكن افتراضياتها الذى فاجأ بها الجميع بنفس خطورة نظرياته والتى كان آخرها هذا العام فى كتاب يدعى "حادثة لم تكن" الذى كان الغرض منها الرد على نظرية ميلشتاين، والذى أشار عنها فى كتابه أنها نظرية لا تحتمل وبلا جدوى وحان الوقت للرد عليها، مفيداً أن كسينجر كان مجرد قائداً للأوركسترا قبل حرب أكتوبرودايان هو المشتبه الحقيقي فى قيادة العلاقة التى أقيمت مع كسينجرعن طريق منع تعبئة قوات الاحتياط في الوقت المحدد - بهدف منح "نصر صغير" لمصر، ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد حسب قول باركاى فإن المؤامره لديها نسخة موسعة لأن السادات أراد أن ينتهى الأمر بانتصار صغير أيضاً لإسرائيل فى الثامن من أكتوبر الذى فيه أصر على عدم وقق إطلاق النار، ولكنه لم يتقدم إلى قلب سيناء، وانتهت الحرب بالتعادل على حد قوله، رغم أن إسرائيل لم تستطع استغلال ذلك من يد السادات، لتحقيق النصر حينها بسبب تباطؤ جيش الإحتلال، ناهياً هذا بانها مجرد نظرية.
وأشادت هآرتس بباركاى على الرغم من أنه مؤيد للمؤامرة، ولكن فقط بمنحى أكثر عقلانية، قائلة إن باركاي يشير هو أيضا إلى حجج ميلشتاين الأخرى، ويقدم لهم تفسيرات بديلة أكثر معقولية. حيث يقدم ميلشتاين تطورا غير عادي للأحداث وللحقائق، أما باركاي يقدم الأخطاء التي لا يمكن تبريرها بعد الحقيقة، على خلفية الاعتبارات التي حدثت في وقت صنع القرار. في مواجهة الاقتباسات الجزئية التي كتبها ميلشتاين، ويحرص على أن يصل للجميع فى نهاية الأمر بأنها مؤامره سخيفه وغير مسلم بها ويجب تفريقها من الأساس.
فعلى سبيل المثال فسر باركاى "نصيحة الأمريكيين" لإسرائيل بعدم الظهور العدوانية، التى أتت جنبا إلى جنب مع ادعاءات المخابرات الأمريكية بأن الحرب لا يتوقع أن تندلع، تشكل حافزا سياسيا واضحا لتجنب العمل الذي يمكن أن يؤدي إلى الحرب. واستند فى ذلك إلى تحذيرات أشرف مروان إلى الموساد السابقه للحرب وحينها أعتبروه أمر غير حقيقي.
وبذلك جعل باركاى نظرية ميلشتاين تبدو أقل موثوقية، وأن نظرية المؤامرة التى يروج لها طوال ال
وقت ما هى إلا مؤامره من دعاه الشر، حيث ياخذ ميلتشاين من أقوال كسينجر الأدلة التى تتطابق مع نظريته، ولكن فى نهاية الأمر المؤرخينالإسرائيليين يحاولان التقليل من شأن الإنتصار المصرى بحرب أكتوبر ويلعبان دور الكش عن وثائق حقيقية، تلك هي النكتة الجديدة لإسرائيل فى ذكرى أكتوبر لهذا العام.
