العيد إعلان عن الشكر لله

حسين خيري

الرأى16-7-2021 | 15:26

حسين خيري

يهل العيد ليذكرنا أننا نبحر فى سفينة واحدة، ومع كل تكبيرة يقول الله أكبر على الساعي بين الناس بالنميمة، والله أكبر على من يزرع الضغائن والكراهية فى القلوب، والله أكبر على من يخرب الديار، والله أكبر على الإرهاب قاتل الأبرياء، والله أكبر على كل من يحول بين وصول الخير لأهله.

ولكون العيد مرادفا للفطرة الإنسانية السوية، تجد فيه قاطع الأوصال بين ذوى القربى والجيران منبوذا بين الجميع، وترى روح التسامح فيه تتغلب على الحروب الكلامية، وتشعر فيه بصفاء لمة الأحباب من البذاءات، التي تخلق التشرذم والفرقة، ويتنافى مع المرادفات السابقة أن يصبح العيد أداة لتغييب العقول وتضليلها سواء بتعاطى المخدرات أو إسقاط الإنسان فى مستنقع الرذائل، أو من خلال بث الشائعات الكاذبة وإشاعة الشماتة.

ولا يحلو العيد إلا بلمة الأحباب، ولا يزهو إلا مع الضحكة الصافية، وإذا عصت الشفاه عن الإبتسامة، لا يهدأ حتى يبعثها من الضلوع برغم أحزانها، ولا يقبل تشويه المشاعر النبيلة الراقية، ويقف حائلا أمام ممارسة الطقوس والسلوكيات التي تفسدها، ويتصدي لطلاقات النفس الشريرة ويقيدها.

والعيد شكر لله على تمام العبادة، والمؤمن فيه لا يشكر بلسانه فحسب ، ولكنه تتعاظم فى سرائره رضا واطمئنانا ، وتظهر فى علانيته فرحا وابتهاجا، وتفوح بين نفوس المؤمنين بالبشر والأنس، وتزول ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة، ويصل الحال بالغني أنه لا يشعر بفرحة العيد إلا بإدخال السرور على الفقير، وفى حالة النظر إلى ما حولنا نرى أن فرحة المؤمن بصفة عامة شكر لا كبر وأن حزنه صبر لا يأس.

وفى ميدان العيد استباق إلى الخيرات، ومجال للمنافسة فى المكرمات، والدلالة على عظم شأن العيد، إن الإسلام قرن كل عيد بشعيرة لها جلالها الرفيع فى الروحانيات، ولها أثرها الجليل فى الاجتماعيات، ولها فيضها العارم بالإحسان والبر والرحمة ، ولها مردودها العميق فى تربية الفرد المسلم، وحين تصلح تربية الفرد تستثمره الأمة فى تنميتها.

والعيد تتجلى أسمى معانيه عند الفوز بجائزتك، ويقول للإنسان أنه مهما طالت رحلته، وبذل فيها من عطاء وتحلى بالصبر، فلابد فى النهاية من الفوز بجائزته الكبرى بعد تحقيق ما كان يصبو إليه، فيومئذ يفرح بنصره، وأصبح يومه عيد، والعيد يحمل بين طياته معانى الحب والعطاء والفداء، ولا يأتى هذا اليوم إليه إلا إذا امتلك الإرادة القوية، حتى تعينه على تخطى عقبات المعاناة وعلى كسر حواجز الشر.

وحينما يمتثل الطالب لمنهجه الدراسى، فيومئذ يسعد بنجاحه وينال جائزته، وحين ينفذ الجندى أوامر قائده، ينال الترقي، وعندما يلتزم العامل بتعليمات مديره، يزيد راتبه، وشرط شعورك بالفرحة ولكي تشرى فى الجسد والنفس لابد للاتقان فى الأداء، وأن يأتى عمله بقلب سليم، وعندئذ يشعر بأنه كطائر فى الفضاء لا يقف أمامه أحد.

أما ذروة الفرح بالعيد تتجسد فى أدق أوصافها حين يمتثل الإنسان لأوامر خالقه ورسوله، وقال تعالى: "فرحين بما آتاهم الله من فضله" ومن الجانب الآخر من العملة حين تنقلب الفرحة إلى شقاء وعذاب وتتعثر الخطى، ويحدث هذا فى حالة تخلى الإنسان عن منهج الإلهي، كما جاء فى قول المولي: "حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون".

الحج مرادفا للسلام

الحج فريضة الأمان والسلام، فيه يأمن كل فرد على نفسه وماله، ووقتما يتطلَّع المسلم إلى بيت الله الكريم يتذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربَّنا بالسلام”.

حتى الحَمَام يأمن على نفسه، ويطير فى رحاب البيت لا يخشى أذى أو عدوانًا، وينتقل نفس الإحساس إلى حاج فلا يصيبه فزع ولاخوف وهو فى الحرم، وحول البيت الحرام، وفى البلد الحرام، وفى الموسم الحرام وهذا رسول الله ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ يقول عن مكة يوم الفتح: “إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، لا يُعضد شوكه – أي لا يقطع – ولا ينفَّر صيده".

والحجيج هم ضيوف الله فى بيته، يتحركون ويذهبون ويجيئون فى حرية، وذكر الله شغلهم الشاغل، وتصفية قلوبهم الأمر المسيطر لديهم، وتطهير نفوسهم هو مقصدهم الأسمى من رحلتهم، ليتحقق فيهم ومنهم الحج المبرور، الذي يجعل المرء وكأنه قد ولد من جديد، تصديقًا لقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: “ليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة”.

أضف تعليق