الكل يشكو ارتفاع الأسعار، التاجر الذى يبيع السلعة قبل المستهلك.. أنا جربتها، بمجرد أن «تنكش» تاجر وأنت تشترى منه وتقول له مثلاً: الأسعار ارتفعت، لن يتركك تثنيها، وسوف يندفع سبًا، ولعنا، فى كل شىء، وأى شىء، وفى الأقل سوف يشتكى مثلك ويضيف لشكوى الأسعار ندرة الخامات، ورداءة المتاح من البضائع، ومعاناته هو شخصيًا فى توفير السلعة لجنابك، بينما تشتكى من سعرها.. وتجد نفسك فجأة وقد تعاطفت معه، وقفزت إلى خندقه، أو قفز هو إلى خندقك، ورحت معه تبحث عن الجلاد الذى ينزل بسياطه على ظهرك وظهره.. وغالبًا سيكون هذا الجلاد الحكومة المفترية.
.. وينضم التاجر، والمستهلك، وأنا، وأنت، إلى جوقة لعن الحكومة، التى تنشد ليل نهار، ونتعاطى جميعا هذا الُمسكن الردىء لأنه يغنى عن مشرط الجراح الذى يؤلم، والجراحة التى تحتاج تكلفة أكثر فى المصاريف وساعات الألم.. هل ترى الصورة من زاوية أخرى غير هذه ؟!.. اقرأ التالى قبل أن تجيب:
(1)
الخميس 12/ أكتوبر الحالى دارت مناقشات ساخنة تحت قبة البرلمان، كان طرفاها أعضاء اللجنة الاقتصادية من جانب، ورئيس جهاز حماية المستهلك، من آخر، وقد جمعهما مناقشة مشروع تعديلات بعض مواد قانون حماية المستهلك.
لن أغرقكم فى تفاصيل فنية خاصة بالقانون، وسوف أكتفى بالإشارة إلى الخلاف الذى ثار بين النواب و "رئيس حماية المستهلك" حول المادة رقم (15) المعدلة من القانون، والتى لا تجيز الإعلان عن حجز وحدات عقارية أو التعاقد على بيعها أو بيع الأراضى المعدة للبناء أو تقسيمها إلا بعد حصول المقاول أو شركة العقارات التى تبيع الوحدات على ترخيص البناء المنضبطة، وفقًا لأحكام قانون البناء.
واقترح أعضاء لجنة البرلمان التى تناقش تعديلات القانون، الربط بين المادة السابقة، ومادة أخرى تحمل رقم (56) وتنص على أن يعاقب بغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تجاوز مليون جنيه أو مثلى قيمة المنتج محل المخالفة أيهما أكبر، كل مورد خالف أحكاما من المواد رقم كذا.. وكذا.
وكما فهمت من الأخبار التى جاءتنا من البرلمان أن "رئيس حماية المستهلك" رفض الربط بين المادتين (الغرامة المالية الكبيرة وغش الزبون)، وحجته أن هناك عقدا مبرما بين الطرفين، أو كما قال سيادته: "العقد شريعة المتعاقدين".
فهل لا يعرف رئيس جهاز حماية المستهلك أن الغش فى سوق العقارات صار قاعدة، وانتشر أكثر من انتشار الذباب على مقالب القمامة؟!
أو لا يعرف أن هذه التجارة التى تنتج المليونيرات المنتشرين كالأرز، الأصل فيها – الآن - أن المقاول أو الشركة العقارية تبيع الوحدة السكنية على الماكيت أو تحت الإنشاء، ويشتريها الزبون و«يكع» فيها مئات الآلاف، ثم يكتشف بعد أن يستلمها أنه اشترى شقة فى عمارة مخالفة، أو تم النصب عليه بميزات وهمية لم يحصل عليها، أو «لبس» فى عقار ترفض وزارة الكهرباء توصيل الخدمة «الكهرباء» إليه!! .. وكم حالة يا "رئيس حماية المستهلك" صادفت مثل هذه.. فى هضبة الأهرام مثلاً، أو غيرها من المناطق؟! عشرات؟! مئات؟!
أؤكد وأجزم أنها تعد بمئات الآلاف، أو كما قال لى أحد المقاولين، ليس هناك عمارة تُبنى الآن فى مصر غير مخالفة فمن المسئول؟! المشترى حسن النية؟! أم المقاول الجشع الذى يخالف الرخصة فى الأدوار والبروز وعدم بناء غرفة للكهرباء.؟!
.. طيب والحكومة فين؟!
.. مهندس الحى الذى أغمض عينيه عن المخالفة بعد أن حصل على رشوة (!!)
أقول له لديك كل الحق لكن لاحظ أن كل من نتحدث عنهم هم أشخاص طبيعيون، مواطنون،.. الذى اشترى، والذى باع، ومهندس الحى الذى تلقى الرشوة.. المحليات هنا أو الحكومة ما هى إلا كائن اعتبارى نخفى وراءه عوراتنا.
(2)
ومن المحليات خذ أيضا هذه الحكاية وفيها أن رئيس مدينة المحلة ويدعى «أحمد عبد السميع» نزل الأسبوع الماضى من مكتبه وتوجه إلى مستشفى الرمد الحكومى بالمدينة (التى يرأسها) بنية التفتيش، وتصرف بشكل بوليسى.
دخل المستشفى التى لا يعرفه فيها أحد وتوجه إلى شباك التذاكر كأى مواطن، فقطع تذكرة، وانتظر دوره، ثم دخل غرفة الكشف واشتكى للطبيبة ألما فى عينه، وانتظر أن توقع عليه الكشف بجهاز فحص قاع العين، لكن الأخيرة أضاءت كشاف تليفونها المحمول ووجهته إلى عين المريض للحظات، ثم أمسكت قلما وكتبت تشخيصها على التذكرة الطبية وغالبًا هتفت: «اللى بعده»!
.. هل أحسنت الطبيبة عملها؟!
هل تشخيصها صحيح لمرض لا وجود له فى عين رئيس المدينة؟!
دع خيالك يذهب حيث يشاء، لكن لا تنس أن الطبيبة مواطنة تعمل فى مستشفى حكومى، والحكومة هنا كيان اعتبارى، أو يافطة، والأصل فى المسألة أن مواطنا يضيع حق مواطن مثله.
(3)
وفى فصل تال من الحكاية، أن رئيس المدينة بعد الكشف الوهمى السريع على عينه، واصل جولته التفتيشية متخفيا، حيث اكتشف فى المستشفى ما هو موجود بالفعل فى كل المصالح الحكومية، ونتندر عليه ليل نهار، باعة جائلين، وموظفات يقلبون فى بضائعهم الحريمى، والرجالى، وجلسات رغى بين الموظفات اللائى يسلين وقتهن، و..
انتهت جولة رئيس المدينة بتحرير مذكرات، وتصريحات عن فتح تحقيقات فيما رآه من الموظفين والموظفات.. ولو أنى لا أعتقد أن هذا سوف يصلح الحال كثيرا، أو يوقف ظلم المهملين من الموظفين لإخوانهم المواطنين، الذين يظلمون بدورهم مواطنين آخرين.
(4)
وفى ذات اليوم الذى اطلّعت فيه على حكاية رئيس المدينة نشرنا تقريرًا مطولاً فى بوابة «دار المعارف» عن ضربات جديدة وجهتها الرقابة الإدارية للفساد، سقط فيها العديد من موظفى الحكومة فى عدد من الوزارات، ولصوص مال عام من غير العاملين بالدولة، ولك أن تندهش من عدد القضايا المضبوطة، ومن تفاصيل الجرائم، ومن جرأة المجرمين وافتئاتهم على الحق.
لكن سوف تكتشف فى النهاية أن الجناة الذين يعملون فى الحكومة (الوزارات) أو (الشركات) أو أولئك اللصوص من ذوى الأعمال الحرة.. كلهم مواطنون يسرق بعضهم البعض فى الخفاء وكلهم يلعنون الحكومة فى العلن..
وكأن الحكومة هذا الكيان الاعتبارى «مش من هنا.. ده من بنها».. كما نقول فى النكت.