الدروس الخصوصية.. اللقمة الحرام

خالد البحيري

الرأى16-9-2021 | 11:55

خالد البحيري

هذا المقال أكتبه بصفتي ولي أمر وليس كاتبًا صحفيًا، ولي أمر أزعجه عودة الدروس الخصوصية التي أطلت بوجهها القبيح منذ أكثر من شهر، في تحد سافر لكل خطط الدولة الرامية إلى تطوير التعليم، وتعليم أبنائنا مهارات التعُلم والتفكير والاستنتاج والبحث، بدلًا من الحفظ والتلقين من خلال الدروس الخصوصية..

مثل باقي أولياء الأمور وثقت في وزير التربية والتعليم د. طارق شوقي وتفاءلت خيرًا بخطته للتطوير.. ومثل الملايين أيضا غضضت الطرف عن تلك الاخفاقات والسلبيات التي ظهرت خلال التطبيق، لأمرين: الأول أن أي تطوير يحتاج إلى تجريب قبل أن يؤتي ثماره.. ولكل تجريب عيوبه وضحاياه.

الثاني: معرفتي المبنية على اليقين والدليل بمدى المقاومة الشرسة من أغلبية المعلمين لهذا التطوير الذي يستهدف بحسب وجهة نظرهم «لقُمة عيشهم» ويقضي على المصدر الرئيس لدخلهم وهو الدروس الخصوصية.

وما إن أقمت ظهري من مطالبات بملابس الصيف ومصروفات عيدين يفصل بينهما سبعين يوما، وبدأت أستعد جاهدًا لملابس المدارس ومصاريفها وأزيح إلى خلفية التفكير ملابس الشتاء وتوابعها.. حتى جاءني ابني من غرفته يسعى ليخبرني أن مدرس الرياضيات ومن بعده مدرس العلوم قد اتصلا به على الهاتف ليزفا إليه النبأ السعيد: «الدروس بدأت يا أحمد وعملنا حسابك معانا.. الحصة ب 30 جنيه و٥ جنيه للسنتر .. يعني تمن الحصة مش محصل علبة سجاير.. لازم تبدأ مع زمايلك لأننا مش هنعيد غير في المراجعات ومحدش هيروح مدارس ولا هيشرح في مدارس».

ابتلعت ريقي في صعوبة وقبل أن أرد له الجواب قال ابني: «مدرسين الانجليزي والدراسات والعربي بدأوا من أسبوعين في نفس السنتر».

دارت الدنيا برأسي المادة الدراسية الواحدة بـ ٣٥ جنيهًا بمعدل ٨ حصص في الشهر تصبح المحصلة ٢٧٠ جنيهًا، إذا ما ضربناها في ٥ مواد يصبح المجموع ١٣٥٠ جنيها لتلميذ واحد في الصف الثالث الإعدادي.

قلت لنفسي وماذا عساي أنا أفعل؟ وأنا موظف من محدودي الدخل، لا أتقاضى سوى راتبي ولست لصًا أو مرتشيًا؟

ثم انتبهت لأتذكر أن لي من الأولاد في سن التعليم اثنين غير هذا الفتى.. يا إلهي.. هل سيكون على أن أدفع ٥ آلاف جنيه شهريًا لمدة ٩ شهور للدروس الخصوصية وهو مبلغ إضافي لا علاقة له بالأكل والشرب والتعليم والسكن والمياه والكهرباء والغاز والمواصلات؟

من أين لي -ولأمثالي من الموظفين من محدودي ومعدومي الدخل- أن نتحمل هذا السطو المتعمد من قبل المعلمين على جيوبنا؟.. نعم تذكرت جيوبي بالأساس فارغة وسوف اقترض لكي أوفر لهؤلاء ما يسلبوني إياه نهاية كل شهر.

تفكرت كثيرا فيما سيقوله ابني عني وصورتي التي تهتز لا محالة في عينيه إن قلت له إنني عاجز عن دفع هذا المبلغ له ولأخوته شهريًا.. ماذا عساه قائل؟ .. ربما قال إنني عاجز أو رجل فقير أو حتى بخيل؟

وماذا عساه يقول المجتمع عني إن أنا أصبحت من الغارمين غير قادر على الوفاء بديوني التي اقترضتها من أجل هؤلاء المعلمين؟ أم ماذا يقول هذا المجتمع عني إن أخرجت هؤلاء الأبناء من التعليم ودفعت بهم إلى ورش الميكانيكا وتصليح السيارات يتعلمون صنعة أو حرفة؟

إنني على أتم استعداد أن أسلم راتبي نهاية كل شهر كاملا غير منقوص لمدير المدرسة ويتولى سيادته مشكورا تسديد مستحقات المدرسين والانفاق على طعامنا وشرابنا وسداد فواتيرنا الشهرية.. وأتعهد لسيادته بأنني لن أخذ من الراتب لنفسي شيئا فأنا لا أدخن ولا أجلس على المقاهي ولا أتناول طعاما خارج منزلي، حتى المواصلات أستطيع الاستغناء عنها والذهاب لعملي ماشيا.. وإذا قبل سيادته سوف أكون له من الشاكرين وأدعو له عند طلوع الشمس وعند غروبها.

وكأي ولي أمر من ملايين الأباء والأمهات أتساءل: من ذا الذي ينقذنا من جبروت هؤلاء المعلمين الذين لا يملؤ عيونهم إلا التراب؟ .. إنها مسألة تمس الأمن المجتمعي وتضربه في مقتل وتغذي الشعور باليأس والإحباط والعوز لدى الملايين .. لقد تحملت ومثلي الملايين الإصلاح الاقتصادي والإداري وغيره من عمليات التحديث للدولة المصرية على أمل أن يحصل أبنائي على تعليم جيد وألا أقع تحت سطوة معلم لا يشرح في المدرسة -للأسباب التي تعلمونها- .

هل تعود حملات التربية والتعليم بالتعاون مع وزارة الداخلية لإغلاق مراكز الدروس الخصوصية التي عادت للعمل بكامل طاقتها؟

ومتى تتدخل الرقابة الإدارية لمراجعة ثروات ومداخيل المعلمين ومديري المدارس ومسؤولي المتابعة والمديرين في الإدارات ودواوين المديريات التي تضخمت بفعل جمع تبرعات في الصيف –يقولون لك إنها ليست إلزامية لكن يجب عليك أن تدفعها- من أولياء الأمور أثناء موسم التقديم والتحويلات؟

وفي الختام..

هذه المقالة تمت للواقع بكل صلة وليس فيها أي نوع من المبالغة أو التهويل.. وهي أيضا لم تكن مقالة صحفية بقدر ما هي أنين مكتوم في صدر ولي أمر – مثله الملايين- أرهقته الدروس الخصوصية قبل أن يبدأ العام الدراسي ويشعر بالقلق من أن يتسرب الشعور بالعجز عن وفاء التزاماته تجاه أبنائه إلى روحه وقلبه.

أضف تعليق