الخداع الاستراتيجي والأحداث المزعجة

الخداع الاستراتيجي والأحداث المزعجةحرب اكتوبر
محمد أمين

«كان اختيار يوم الهجوم وساعته عاملًا من عوامل المفاجأة لإسرائيل وقد اعتقد البعض أنه تم اختيار يوم كيبور – السبت 6 أكتوبر – لأنه عيد من أعياد الإسرائيليين، ولكن الحقيقة أنه تم اختيار هذا اليوم لاعتبارات علمية وفنية وتكتيكية – سبق شرحها- وكان يومًا لم تتوقع إسرائيل نشوب حرب فيه».

ما سبق جاء في أوراق المشير محمد عبد الغني الجمسي التي كتبها بخط يده راصدًا ما حدث قبل وأثناء وبعد حرب أكتوبر 1973.

تفاصيل كثيرة وبطولات يصعب حصرها.. الأمر الذي جعل رئيسة الوزراء الإسرائيلية فى ذلك الوقت جولدا مائير تستنجد ب الولايات المتحدة الأمريكية وتقول لهنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي: «أبلغ نيكسون إنني سأضطر للسفر لمقابلته إذا لزم الأمر.. الوضع كارثي على الجبهة الجنوبية (تقصد فى سيناء) والمصريين يواصلون تقدمهم فى سيناء.

وقد أبلغت مائير يجائيل ألون (نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي فى تلك الفترة) أنها قد تضطر إلى السفر إلى الولايات المتحدة فى مهمة سرية دون أن يعلم أحد لكي تلتقي بنيكسون، وهي نفس الرسالة التى أبلغتها لوزير خارجيتها «إيبان» الذي كان فى واشنطن لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ونحن نحتفل بالذكري 48 لانتصارات أكتوبر نحاول معًا أن نتوقف عند بعض المعارك التي سطرها الأبطال.

فقد كانت معركة الخداع الاستراتيجي من أقوى المعارك على الجبهة خلال فترة الإعداد للعبور وأثناء المعركة، فكانت أحد أسباب النصر.

وقد لا يتسع المجال لعرض تفاصيل خطة الخداع الاستراتيجي ولكني سأتوقف عند الفترة من 1 سبتمبر وحتى يوم 6 أكتوبر 1973.

فقد كان على قواتنا المسلحة أن تدخل الحرب فى ظروف عسكرية صعبة ومعقدة لهدم نظرية الأمن الإسرائيلي التي وضعتها إسرائيل واتخذتها ستارًا للتوسع فى الأراضي العربية.

ولأسباب متعددة منها التفوق العسكري الإسرائيلي فى ذلك الوقت وقوة أجهزة الاستخبارات لديها وتعاونها مع أجهزة المخابرات الأمريكية واستناد العدو على خط محصن على الضفة الشرقية للقناة ولديه قوات مدرعة فى أنساق متتالية، هنا كان لابد من نجاح العملية الهجومية واختراق التحصينات وتدميرها وبذلك يتم تحدي نظرية الأمن الإسرائيلى.

لذا كانت خطة الخداع الاستراتيجي التي كانت أحد أسباب النصر.

ولم يكن الأمر سهلًا بل كان فى غاية الصعوبة.. فإسرائيل تمتلك مركز تنصت يرصد كل كبيرة وصغيرة على الجبهة المصرية (الضفة الغربية للقناة) وهناك سيل من المعلومات يتدفق عليها من الجواسيس.

لكن إسرائيل لم تدرك أن المصريين كانوا أكثر ذكاءً منهم رغم ضعف الإمكانيات، فقد اعتمدوا على عنصر المفاجأة ورسمت على أساسه خطة الخداع الاستراتيجي لحرمان العدو من فرصة توجيه ضربة وقائية وضمان نجاح العبور والهجوم.

وبحسب أوراق اللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات فى ذلك الوقت «كانت هناك صعوبات فى تنفيذ الإجراءات الخداعية بحيث تبدو للعدو أنها حقيقية وتقنع القوات أو الجهات التي تقوم بتنفيذها أنها حقيقية دون أن تعلم أنها خداعية».

لذلك فقد اشترك فى وضع خطة المفاجأة والخداع عدد محدود جدًا من ضباط هيئة عمليات القوات المسلحة وكتبت الخطة بخط اليد كخطة العمليات تمامًا واشتملت الخطة على إجراءات وأعمال كثيرة متنوعة فى مجالات مختلفة بحيث تتكون صورة متكاملة أمام العدو، أن قواتنا فى مصر وسوريا ليس لديها نية للهجوم بل نعمل على تقوية دفاعاتنا واستعدادنا ضد هجوم إسرائيلي محتمل.

وقد تمثلت الخطوة الأولى لتنفيذ خطة الخداع الاستراتيجي العسكرية وضمان وصول القوات المشاركة فى المعركة إلى مواقعها استعدادًا للعبور فى إعلان المشروع التدريبي بمشاركة كافة أفرع القوات المسلحة والجيوش والمناطق العسكرية، بحيث يتحول المشروع التدريبي إلى خطة حرب حقيقية طبقًا لخطة العمليات.

وقد صدرت التعليمات من الأول حتى 7 أكتوبر 1973 بشأن المشروع ولم تصدر أي قيود على القوات حتى يبدو للجميع أنه مشروع تدريب عادي.

وكانت القوات المسلحة قد أجرت مشروعًا تدريبيًا مشابهًا فى النصف الأول من عام 73 وقامت على أثره إسرائيل بإعلان التعبئة مما كلفها ملايين الدولارات.

وقد رأت المخابرات الإسرائيلية أن المشروع التدريبي مشروعًا عاديًا كالسابق وليس عليهم إعلان التعبئة، ونجحت خطة الخداع لضمان نقل القوات، وعلى أثر المشروع تم استدعاء قوات الاحتياط فى الجيش المصري قبل الحرب ضمن المشروع.

ولإثبات أن التعبئة مثل المشروعات التدريبية السابقة تم تسريح عدة آلاف منهم وإعادتهم إلى بلادهم وجهات عملهم قبل نشوب الحرب بأيام قليلة مع حجز ما هو مطلوب للاشتراك فى المعركة.

وانتشر بين الناس أمر تعبئة وتسريح 20 ألف مجند من الاحتياط ووصلت المعلومات إلى إسرائيل فاعتبرت التدريب عاديًا.

تم تحريك القوات باتجاه القناة تدريجيًا وبطريقة سرية فى فترات الظلام، ولم تكن ثمة صعوبة فى ذلك نظرًا للدقة والانضباط الذي كان يتم به العمل.

إلا أنه كان من الضروري نقل لواء من مدينة الإسكندرية إلى منطقة القناة، الأمر الذي يتطلب نقله بالقطار فى عدة قطارات تحمل الأفراد والأسلحة والدبابات والعربات، وكان من الصعب إخفاء نقل هذا اللواء خاصة وأن مدينة الإسكندرية هي أشبه بأسرة كبيرة تعرف الكثير مما يدور فيها إذا قورنت بالقاهرة.

هنا صدرت التعليمات أن اللواء مطلوب مشاركته فى تدريبات بمنطقة القناة وتم حجز قطارات لإعادته للإسكندرية بعد يوم، 7 أكتوبر حتى يمنع الحديث عن تحرك اللواء.

أما تحرك المدمرات إلى باب المندب لكي تصل منطقة العمليات يوم 6 أكتوبر فقد تم الإعلان فى وقت مبكر من عام 73 بالاتصال بإحدى الدول الأسيوية الصديقة لقبول القطع البحرية لإتمام إصلاحها فى الورش لديها وبعد وصول الموافقة تم الاتصال مع السودان واليمن للحصول على موافقة كلا منهما لتقوم مدمراتنا بزيارة ميناء بورتسودان وعدن زيارة ودية، ووضع برنامج الزيارة بحيث تتواجد المدمرات فى مضيق باب المندب صباح يوم 6 أكتوبر، وكانت القوات البحرية قد أعدت المدمرات لمهمتها القتالية وعندما حان الوقت المناسب أثناء الرحلة البحرية فتح قائد القوة مظروفًا سريًا وجد به تعليمات القتال وهو ما تم تنفيذه بكفاءة وكانت المهمة مفاجأة غير سارة لإسرائيل جعلها تدرك أن تمسكها بشرم الشيخ لحماية الملاحة فى خليج العقبة لا قيمة له.

أعود إلى بداية شهر سبتمبر وبالتحديد يوم 13 سبتمبر 73 قامت إسرائيل بتوجيه ضربة جوية إلى الجبهة السورية نتج عنها تدمير 13 طائرة سورية، وقد أعادت تلك المعركة إلى الأذهان أحداث يونيو 67 وتصعيد سوريا للموقف العسكري عقب المعركة وهو ما جعل إسرائيل تعتقد أن الحشد السوري للقوات استعدادًا لمعركة 6 أكتوبر73 هو بمثابة رد فعل على ما حدث يوم، 13 سبتمبر وكان حشد القوات السورية يوم 27 سبتمبر تحت سمع وبصر إسرائيل إلا أنها فسرت الأمر على أنه عمل دفاعي خوفًا من قيام إسرائيل بهجمة جديدة مثل 5 يونيو 67.

وفى ظل هذا التوتر على الجبهة الشمالية قامت جولدا مائير بزيارة النمسا فى 29 سبتمبر لمتابعة عملية قام بها الفدائيون من حركة فتح الفلسطينية باختطاف عدد من اليهود السوفييت المهاجرين إلى إسرائيل عبر النمسا.

وكانت العملية بمثابة تشتيت انتباه للحكومة الإسرائيلية عن الحشود على الجبهة.

وفى بداية شهر أكتوبر أعلنت وزارة الحربية عن فتح الباب لأداء العمرة، وصدرت التعليمات للقوات بقبول الطلبات ونشر الإعلان فى الصحف المصرية والذي كانت تحصل عليها إسرائيل من أوروبا.

ويقول اللواء محمد عبد الغني الجمسى: داخل هيئة العمليات تقدم اللواء فاروق فهمي وهو زميل عزيز بطلب لأداء العمرة ولم أوافق على طلبه لعدة أيام تردد فيها على مكتبي لإقناعي بقبول طلبه، وكانت حجتي أن عليه إفساح المجال لآخرين خاصة وأنه أدى العمرة أكثر من مرة، ثم وافقت على طلبه وكنت أعلم أن المعركة ستبدأ ولن يسافر وكان وعدًا بيننا أن نؤدي فريضة الحج معًا بعد الحرب.

لقد كان التخطيط لمعركة الخداع الاستراتيجي تخطيطًا احترافيًا جعل إسرائيل رغم توافر المعلومات لديها سواء من عملائها أو من مراكز التنصت لديها فى أم خشيب لا تدرك أن الجيش المصري يستعد لمعركة استرداد الأرض والكرامة.

وفى بداية شهر أكتوبر وبدون تخطيط مسبق طلب وزير دفاع رومانيا زيارة مصر، وتحدد لهذه الزيارة يوم 8 أكتوبر بطريقة طبيعية كالمتبع فى مثل هذه الحالات ووضع برنامج كامل للزيارة.

وكان القائد العام يعلم أن الزيارة بمجرد نشوب الحرب سيتم إلغاؤها وقد استفاد واضعو خطة الخداع الاستراتيجي من الموقف الذي جاء بدون ترتيب.

وتم الإعلان عن الزيارة لتدرك إسرائيل أن الوضع فى مصر عادي ولن يكون هناك هجومًا من الجنوب.

وقد واجهت عمليات الاستعداد ليوم 6 أكتوبر بعض الأحداث المزعجة ومنها ما قام به الاتحاد السوفيتي من إرسال طائراته إلى مصر لإخلاء العائلات السوفيتية يومي 4 و5 أكتوبر.

وفى يوم 5 أكتوبر اتصل وزير الطيران أحمد نوح بالفريق أول أحمد إسماعيل طالبًا إلغاء التعليمات الصادرة لتأمين طائرات مصر للطيران والذي تضمن مغادرة بعض الطائرات مطار القاهرة وتغيير مواعيد بعض الرحلات وهو ما يسهل رصده دوليًا وتعلم به إسرائيل فتم تدارك الأمر بسرعة وظلت حركة الطيران المدني عادية إلى أن بدأت المعركة.

أما الحادث الثالث فقد كان يوم 6 أكتوبر عندما طلبت إحدى السفن الأمريكية التي كانت تقوم بعمل مسح على الساحل الشمالي لصالح وزارة الصناعة ورفضت القوات البحرية السماح لها بذلك ووافقت هيئة العمليات على إبحار السفينة من ميناء الإسكندرية والقيام بعملها العادي رغم إننا نقوم بالمشروع التدريبي.

لم تقطع السفينة سوى أميال قليلة حتى نشبت الحرب.

لقد اشتملت خطة الخداع الاستراتيجي مجالات مختلفة عسكرية وسياسية وإعلامية.

أضف تعليق

مصر تبهر العالم

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

إعلان دار المعارف