«ثغرة الثقافة» .. تهدد المعركة الكبرى مع الإرهاب

«ثغرة الثقافة» .. تهدد المعركة الكبرى مع الإرهابصورة ارشيفية

حوارات وتحقيقات26-10-2021 | 22:51

سامح فايز

انشغلت الدولة المصرية فى الأعوام الماضية بحرب حقيقية، بين الجيش المصري، ومجموعات إرهابية مدرّبة ومسلحة بأحدث الأسلحة ومدعومة من دول عديدة باتت معروفة للجميع، وانتهت الحرب بانتصار ساحق للجيش المصرى أجبر الجميع على التراجع خطوة إلى الوراء، وأصبحنا نرى بأنفسنا مساعى الصلح التى يتهافت عليها الأعداء، فى انتظار إشارة قبول من مصر، على رأسهم تنظيم الإخوان الإرهابي، الذى صرحت قياداته فى الأيام الأخيرة عن رغبتهم فى تقديم أى تنازلات للنظام المصرى فى مقابل الإفراج عن المعتقلين، وبغض النظر أنه لا يوجد فى السجون المصرية سوى خلايا إرهابية سجنت لأنها نظمت عمليات إرهابية قتلت الشعب المصري، إلا أن الشاهد هنا توظيف مصطلح المعتقلين لدغدغة مشاعر المجتمع الدولى ومحاولة الضغط على مصر من أجل قبول الصلح!

يبدو أن انشغال الدول المصرية بتلك الحرب المسلحة ساهمت دون قصد فى استغلال الخلايا الإرهابية لثغرة فى الجسد المصرى شبيهة بثغرة الدفرسوار فى حرب أكتوبر المجيدة، استطاع من خلالها الإرهاب التوغل إلى العقل المصرى والثقافة المصرية وتمرير أفكار العنف والتطرف بشكل حداثى معاصر يصعب اكتشافه للوهلة الأولى، أقصد هنا ثغرة الثقافة والمشهد الثقافى المصري!


بحكم تخصصى فى الصحافة الثقافية واهتمامى بصناعة الكتاب والنشر، تلك المنطقة التى حظيت من خلالها على جائزة ساويرس للنقد الأدبى دورة 2020 عن كتابى حكايات عن القراءة، سيكون حديثى عن مؤشر واحد، وظاهر، أعرفه بشكل جيد، وهو صناعة النشر!


استطاع تنظيم الإخوان الإرهابى التغلغل داخل مؤسسات النشر المصرية فى الفترة من 2011 وحتى الآن، ووصل إلى ذروة ذلك التغلغل عام 2013 بوصول القيادى الإخوانى عاصم شلبى إلى رئاسة اتحاد الناشرين المصري، والناشرين العرب، والذى رحل عن الحياة قبل عام، دون أن توجه إليه أى تهمة، أو يتم وقفه عن النشر، ولا تزال دور النشر التابعة له تنشر أفكار الإخوان حتى الآن، على رأسها كتاب «المسار»، عن «دار النشر للجامعات»، وهو الكتاب الحركى أو الوثيقة التى يعتمدها الإخوان فى مسعاهم للسيطرة، وحتى لا اتهم بالفاشية ضد كل من انتمى للفكرة، فالراحل هو والد سندس عاصم شلبي، المحكوم عليها بالإعدام فى قضية التخابر مع حماس، والهاربة إلى تركيا.


المسألة لم تتوقف بوفاة عاصم شلبي، أو حتى عدم استمراره رئيسا للاتحاد بعد 2015، فقد أعقبه فى الاتحاد نائبه وذراعه اليمنى فى انتخابات الناشرين المصرى والعرب، عادل المصرى، ثم فى انتخابات لاحقة استطاع عضو تنظيم الإخوان محمد السقا الفوز بمقعد أمين عام اتحاد الناشرين المصرى، وهو شريك فى دار «ابن الجوزي» المتحفظ عليها من الدولة المصرية عام 2018 بتهمة تمويل حسم ولواء الثورة، وأيضًا هو فى منصبه حتى وقت كتابة تلك السطور!


مساعى الإخوان لاختراق الثقافة المصرية والعربية على اعتبار أنها النقطة الأضعف التى تغيب دائمًا عن عين الحكومات فى أى مواجهات مع التنظيم ليست مساعى وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها التاريخية إلى أيام حسن البنا الإرهابى الأول، وسيد قطب منظر التكفير، وهو ما أستطيع تسميته بمصطلح، «أسلمة القضايا العربية»، وهناك مصطلح آخر شهير لدى التنظيم الدولى للإخوان يعرفوه بـ «أسلمة المعرفة».


أسلمة القضايا العربية


أسلمة القضايا عمومًا وجدتْ صداها لدى الشباب فى القاهرة فى السنوات التى أعقبت أحداث الربيع العربي، مخترقة تصوراتهم عن تفضيلاتهم الحياتية أو تناولهم لأى قضية؛ أيا كانت فحواها علميةً أو أدبيةً أو اجتماعيةً أو سياسية، فأصبح الدّفاع عن القدس، لأنها مدينة مقدسة لدى المسلمين، وليس لأنها قضية عربية. ومناصرة ثورات سوريا وليبيا وتونس لأنها فى مجتمعات إسلامية وليست لأنها قضايا عربية أو حتى مجرد حق إنسانى فى الحرية والكرامة.
أسلمة الحياة المعاصرة ليستْ حديثة المنشأ؛ فقد بدأت جذورها مع صعود تيار الإسلام السياسى مع المؤسس الأول لجماعة الإخوان فى القاهرة حسن البنا، حين دعا لمناصرة فلسطين تحت ذريعة الجهاد فى سبيل الله. وقام على إثر ذلك بفتح المركز العام للإخوان المسلمين لاستقبال متطوعين يذهبون للجهاد فى الأراضى الفلسطينية، وهى القضية ذاتها التى كتب عنها سيد قطب عدة مقالات مختلفة وصفَتها جميعًا بالقضية العربية فى النّصف الأول من القرن العشرين قبل سيطرة جماعات الإسلام السياسى على المشهد.


على أنّ ثمة تحوّلاً فى طرح قطب ظهر بعد عودته من بعثته لأمريكا تبدّلتْ على إثره تسميتُهُ للمصطلحات فوضعَ كلمةَ «إسلامي» مكان عربى فى جميع أطروحاته، فقد كتب قطب فى مجلة «الرسالة» مقالات عن القضية الفلسطينية فى الأعداد، 711، و 672، و 659، وأعداد أخرى قبل عام 1950 أشار فيها إلى أن المسألة صراع بين الغرب والعرب، إذ يقول قطب: «قصة العرب مع الاستعمار والإنجليز فى فلسطين هى بعينها قصتهم معه فى كل بلد عربى آخر». ولم يأتِ قطب على ذكر مصطلح الكتلة الإسلامية أو القضية الإسلامية إلا فى العام 1951، وذلك بعد عقدين قضاهما كاتبًا فى المجلات المصرية فى الأدب والنقد والفنون.


إسلام الأفندية


منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين، رصد أحمد عبد الله رزة، الأكاديمى المصرى أحد أقطاب الحركة الشيوعية فى السبعينات، ضمن كتابه «الطلبة والسياسة فى مصر» ظاهرة «إسلام الأفندية».. وصف خلالها الطالب الجامعى الذى تقمص شخصية المعمم الأزهرى تاركًا العلوم الاجتماعية والتطبيقية التى يدرسها، منشغلاً بالدعوة إلى الاسلام، ورصد رزة هذه الظاهرة فى إطار حديثه عن جماعة الإخوان ودورها فى الحركة الطلابية فى رسالته للدكتوراه التى ترجمتها للعربية إكرام يوسف بعنوان «الطلبة والسياسة فى مصر».


حديث رزة، ليس بمعزل عن انشغالات تلك المرحلة الخاصة بالصراع القائم بين الفكرة الدينية والأفكار القومية والوطنية والتى كانت الشاغل الأكبر فى تاريخ مصر المعاصر، خاصة مع ظهور مصطلح مصر للمصريين الذى اعتبره مؤيدو الخلافة العثمانية تمردًا على مصطلح الخلافة الإسلامية، من هنا بدأت خيوط الأزمة التى امتدّتْ آثارُها حتى اليوم والتى تلمّسنا خيوطَها مع ظهور تنظيمات القاعدة وداعش وذوبان مفهوم الوطنية والدفاع عن الأرض فى صالح الأممية الدينية ومصطلح الجهاد فى سبيل الله الذى يجتمع تحت لوائه رجال من وطنيات مختلفة فى سبيل السيطرة على أرض ليست أرضهم.


سعتْ أدبيات جماعات الإسلام السياسى لتقديم جميع القضايا والانشغالات العربية بشكل يوحى أنهم فقط من دافعوا عنها أو ناصروها؛ فى أدبياتهم هم فقط من ناصروا القضية الفلسطينية، فى حين غدر بها الملوك والرؤساء العرب حين رفضوا الانصياع لتصورات البنّا عن الصّراع الدائر فى الأراضى الفلسطينية. وثورة يوليو 1952 كما تذكُر أدبياتهم أيضًا قامتْ بها وحشدت لها الجماعة باعتبارها قوة شعبية داعمة لحركة الضباط الأحرار، لكن عندما بدأت فى المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية وقف لها عبد الناصر وأعدم قياداتها وسجن بقيتهم. ووصلت حالة أسلمة القضايا إلى قمتها منتصف السبعينيات مع دعم كامل من الحكومات العربية والأمريكية التى استخدمت الإسلام السياسى لضرب روسيا الشيوعية عن طريق دعم المقاومة الأفغانية، تلك المقاومة التى بدأت ثورة شعبية ضد الملكية والظلم ثم استحالت إلى جهاد إسلامى يستقطب المسلمين من كل حدب وصوب. لترزح أفغانستان تحت نيران صراعات الجماعات المتطرفة حتى اليوم.


الأدب الإسلامى


مع ظهور ما عرف إعلاميًا بظاهرة الدعاة الجدد؛ حليقى اللحى أصحاب الياقات البيضاء، والذين سعوا لتقديم صورة أكثر حداثة وليبرالية للإسلام؛ فخرج الداعية عمرو خالد كنموذج بمحاضرات عن الحب الإسلامى والمصيف الإسلامي، وقدم الداعية راغب السرجانى محاضرة عن القراءة بعنوان «القراءة منهج حياة» قسم فيها مراتب القراءة عند الفرد المسلم إلى عشر درجات، بدأها بقراءة القرآن فى المرتبة الأولى، وختمها بقراءة الأدب فى المرتبة الأخيرة، مع مطالبة الشباب بالحرص فى القراءات الأدبية حتى لا تؤثر على بقية القراءات الأهم من حديث وفقه وعقيدة.


نتج عن صورة الإسلام الليبرالى الذى قدمه الدعاة الجدد جيل من القراء والكتاب تربى على يد هؤلاء الدعاة، جيل يضع قيودًا حول إبداعه حين يكتب أو يقرأ، جيل قد تصدمه كلمة بذيئة فى رواية «من وجهة نظره» أو وصف لعلاقة جنسية بين بطلى رواية، أو رؤية شاطحة عن الله والأديان.


تلك الميول التى سيطرت على القراء والأدباء الشباب بعد أحداث الربيع العربى فى تفضيل الأدب ذى البعد الإسلامي، انتبهت لها دور نشر الشباب التى تأسست بكثرة فى القاهرة بداية من عام 2012، بعد فتح المجال لدور النشر التابعة لتيار الإسلام السياسي، لتلتحق عشرات الدور التابعة لجماعات الإسلام السياسى باتحاد الناشرين المصريين، حيث ارتفع عدد دور النشر صاحبة العضوية فى الاتحاد من 260 دار نشر عام 2012 إلى 560 دار نشر عام 2017، ووصلت إلى 1300 دار نشر وقت كتابة هذه السطور، وكانت تلك الدور سببًا فى نجاح عضو جماعة الإخوان فى القاهرة عاصم شلبى فى انتخابات رئاسة الاتحاد عام 2012، وسعت تلك الدور للتحكم فى ضوابط ومعايير نشر وعرض وبيع الكتابات الأدبية للشباب، حيث أشار كتاب مصريون من الأجيال الأكبر إلى منع مكتبات بيع الكتب عرض أعمالهم المنشورة بسبب تضمنها تداخلات مع الجنس والدين أو السياسة بشكل لا يستهويه القرّاء الشباب الآن، وسعى بعض الناشرين إلى توجيه الأدباء الشباب قبل نشر أعمالهم ومطالباتهم بحذف الفقرات التى تنتهك تلك التابوهات.

أضف تعليق