«كباتن الزعتري».. صورة من السطح

«كباتن الزعتري»..  صورة من السطحمحمود عبد الشكور

الرأى13-11-2021 | 09:25

محمود عبد الشكور

يظل أصعب ما فى الفيلم التسجيلي تشكيل المادة التي جمعتها وصورتها، وتحويلها إلى بناء، وفقا لتيمة أو لفكرة أو زاوية للرؤية، ويظل ذلك أصعب ما فى الفن عموما، مهما تنوعت مادته، لذلك أكرر فى كل مناسبة أن الفن ليس فى الحجر الذي يُنحت منه التمثال، رغم أنه بدون هذا الحجر لن يكون هناك تمثال، ولكن الفن فى ضربة الإزميل على الحجر، هذا التشكيل هو الذي يخرج الحجر من دائرة الجيولوجيا، إلى عالم الفن، الفن فى الفنان ورؤيته، وليس فى المادة، مهما كانت ضخمة وكبيرة.

وقد جاء الفيلم التسجيلي «كباتن الزعتري» للمخرج على العربي، تسبقه سمعته كعمل هام عرض فى مهرجان صاندانس، وفاز بجائزة هامة فى مهرجان الجونة 2021، وبذل فيه جهد ضخم وكبير خلال عدة سنوات، قرأت مثلا أن فريق الفيلم قام بتصوير نحو 700 ساعة، ليحصل فى النهاية على 72 دقيقة، وموضوع الفيلم عن اثنين من الشبان السوريين اللذين يحبان كرة القدم، ويعيشان فى مخيم الزعتري الأردني على الحدود الأردنية السورية، أي أننا أمام أحد موضوعات هذا الزمان المؤثرة، حيث عالم اللاجئين الهاربين من الحروب، والذين يحاولون ترويض حياتهم وظروفهم، والبحث عن أمل وفرصة لبداية جديدة، فى بلاد غير بلادهم.

لكن ما رأيته فى حصاد تجربة «كباتن الزعتري» كان محبطا ومخيبا للآمال بل وسيئا، حيث يفتقد الفيلم البناء المتسق والمتماسك، ويبدو كما لو كان مجموعة لقطات مرصوصة، نرى فيها أشخاصا تتحرك، من دون أن نعرفهم حقا، كل شيء مسطح، وتم التعامل معه من الخارج، وعندما ينتهي الفيلم، لن نعرف حقا ما وراء هؤلاء الكباتن، ولن نعرف أيضا حكاية مخيم الزعتري.

هناك تصوير جيد، وحركة كاميرا مميزة بالذات فى مباريات الكرة، ولكن ذلك لا يكفي، ولا يمكن أن تكون المادة مجرد شباب يلعبون سواء فى مصر أو فى قطر، حيث تقام دورة رياضية للناشئين، ثم يتبادلان بعض الثرثرة بين محمود داغر وفوزي قطليش، بطلي الحكاية عن قصة حب، أو عن أحلامهما بأن يكونا من لاعبي الكرة المحترفين، أو أن يتواصلا عبر الموبايل مع الأسرة فى الزعتري، بل إن الفيلم يأخذ شكل التقرير التليفزيوني عن دورة رياضية كروية، عندما ينتقل محمود وفوزي إلى قطر، ونسمع صوت المعلق على المباريات، بل ويعلن اسمه للمشاهدين!

مشكلة هذا الفيلم أن المادة لم تصنع شكلا فنيا، أو صنعت شكلا عاديا وسطحيا، أفلام كثيرة تسجيلية تبدأ بدون سيناريو، ولكن خلال العمل تتشكل معالم رؤية أو تيمة، وتظهر أسئلة تحتاج الإجابة عنها، ويظهر طريق تسير فيه الحكاية والشخصيات، ولكن ذلك لم يحدث فى «كباتن الزعتري»، حتى على مستوى مهارة محمود وفوزي، التي يجب أن نعجب بها، قبل أن يسافرا إلى قطر، فإنها تبدو غائبة فى مشاهد ما قبل السفر، المكان نفسه، مخيم الزعتري، أقرب إلى خلفية، وليس حياة كاملة صاخبة ولها حضورها، إنه مجموعة من الأكشاك المتقاربة، وهناك بشر كالأشباح يظهرون أحيانا، ونرى شبابا وأطفالا يلعبون، ويجرون بالحركة البطيئة فى هيئة سلويت، هذا كل ما فى الأمر.

حتى فوزي ومحمود لن نعرف كثيرا عن ظروف انتقالهما للمخيم، وقد كان إنجازا كبيرا أن نرى والد فوزي ووالدته، وأن نعرف الظروف الصحية لبعض الشخصيات، وإن كان الطابع المعلوماتي هو الغالب، وكأننا فى نشرة أخبار، ولسنا فى فيلم يجب أن توظف فيه المعلومة دراميا وبالتدريج، ويجب أن تنقل فيه المشاعر والأحاسيس، لا أن نسمع الأنباء فقط عبر الموبايل.

السذاجة وصلت إلى درجة غناء الأب لأغنية «سواح» لعبد الحيلم حافظ، تعبيرا عن أحوال اللاجئين، وبدا الفيلم كله مثل رحلة سياحية لاثنين من اللاعبين إلى دولة خليجية ثرية، ذهبا ولعبا وأظنهما أحرزا هدفا، ثم عادا، ماذا بعد؟ لا شيء، يعود فوزي ومحمود من جديد إلى مخيم الزعتري، بالتأكيد فنادق قطر أفضل، ولكن ماذا تحقق؟ وكيف سينهي الفيلم حكايته؟ مرة أخرى يتحدث محمود وفوزي عن الحب، يبدو أن فوزي، والحمد لله، لديه حبيبة أخيرا، ويفكر ويحلم بأن يصبح مدربا، هذا هو حصاد الرحلة السطحية المصطنعة، وهذه حكاية الكباتن من الألف إلى الياء، أمر عادي تماما تقطعه حوارات فيها بعض التمثيل، ويزيد من صعوبتها الكلمات التي تتدافع على لسان فوزي فلا نفهم إلا القليل، لا أقصد اللهجة، وإنما طريقة النطق نفسها.

ربما كان فوزي ومحمود شخصيات غير عادية، ولكن المهم أن يظهر ذلك فى الفيلم، وأن يكتشف الفيلم التسجيلي الدراما فى الواقع نفسه، وليس معقولا أن تكون أخطر عقدة فى الفيلم تجاهل سفر فوزي مع الفريق المسافر إلى قطر، لأنه أصغر سنة مما يجب، وبعدها بمشاهد قليلة يسافر إلى قطر، أما تعليمات المدرب، فهي كوميدية، وأما إصابات فوزي فقد كانت تنافس نشاطه، ولم يلفت نظري وسط كل هذا الزحام، إلا هذا الطفل الصغير الذي سافر مع الفريق السوري، بإجابته العفوية، وربما كان هو الأجدر ببطولة الفيلم، بشرط أن يتعب صناع الفيلم فى البحث عما وراء الطفل، لا أن يقدموه من الخارج، ومن السطح مثل شخصيات الفيلم.

حتى كلمات محمود المباشرة فى المؤتمر الصحفي بعد المباريات، لم تكن مؤثرة ، حيث بدت مثل عبارات محفوظة أو ملقنة، أعلن محمود أن اللاجئ لا يريد شفقة، ولكنه يريد فرصة وأملا، ويفترض أن الفيلم بأكمله يقول ذلك، ولكنه فى الحقيقة لم يستطع أن يفعل، فقالها محمود بصوت عال.
الفارق كبير بين صور كالأشباح العابرة، وبين بناء يؤثر ويترك علامة وبصمة، وتصوير أشخاص من الخارج لا يعني أنك عرفتهم، أو أنك صنعت فيلما تسجيليا عنهم، كل ما فى الأمر أنهم يتحركون مثل لاعبي المباريات، مئات منهم نراهم على الشاشات، بدون أن نعرف حكايتهم، ونتذكر أهدافهم، قبل أن نتذكر وجوههم.

أضف تعليق