كانت دموع أمي قريبة كلما استمعت إلى متاعب الآخرين، ولكنى كنت ألاحظ أنها حين تتمكن من الجلوس وحدها تبدو ساهمة وكأنها تناجى طيفا، وعندما أدخل عليها تجفف دموعها وتبدو كعادتها هادئة ومبتسمة، ولم أعرف سر هذه الحالة إلا بعد أن كبرت قليلا، عرفت طرفا من القصة من أمى وعرفت بعض التفاصيل من أخى السيد.
والسبب فى نوبات الوحدة والدموع أنه كانت لى أخت لم أرها اسمها «علية» ماتت قبل أن أولد وهى زهرة متفتحة فى سن الرابعة عشرة، بالغوا فى وصف جمالها، وهدوئها، وابتساماتها الدائمة وتفوقها فى الدراسة وكانت قد أتمت المرحلة الابتدائية والتحقت بالمدرسة الثانوية وتحلم بأن تكون طبيبة لأنها كانت معجبة بالدكتورة ألفت، التى كانت الطبيبة الوحيدة فى دمنهور، لكنها بدأت تعانى من آلام استمرت وازدادت حتى أنها كانت تتمرغ على الأرض وهى تصرخ من الألم، وكتب لها الطبيب أدوية لم تحقق لها الشفاء، وكالعادة تطوعت عمتى محبوبة بأخذ (أثر) من ملابسها وذهبت به إلى (الشيخ)، الذى تتعامل معه، وأعطاها (حجابا) وبخورا، وكان أخى السيد يحبها جدا وظل ملازما لها؛ لينفذ تعليمات الطبيب ويعطيها الأدوية فى مواعيدها، وفى النهاية شعرت بتحسن وفرح الجميع بشفائها وسعدوا بضحكاتها، ثم ماتت بعد عدة أيام وكانت هذه – كما قالوا – هى (صحوة الموت).
كانت أمى قد أنجبت اثنى عشر مولودا عاش منهم تسع، ومع ذلك ظلت تذكر (علية) وكأنها كانت وحيدتها، وتذكر أيضا أنها أجهضت مرة، ومات الجنين فى بطنها مرة وكادت تموت لولا أن أنقذها أول جراح متخصص جاء دمنهور هو الدكتور (ظافر)، أما أخى السيد فكانت ذكرى (علية) لا تفارقه، وكان يحتفظ بكل متعلقاتها حتى المشط وتوكة الشعر والملابس والكتب والكراسات والأقلام كل شىء يخص (علية) كانت له مكانة كبيرة عنده، وكان يحكى عنها كثيرا ويحتفظ بصورة وحيدة لها وضعها فى برواز علّقه على حائط غرفة النوم.
ورأيت دموع أمى غزيرة وهى تحكى عما حدث لأختى سعدية.. كانت حاملا ولم تلاحظ أن الجنين لم يتقلب فى بطنها، ومرت أيام على ذلك حتى أصيبت بتسمم الحمل، وفى يوم الجمعة، وفى وقت صلاة الجمعة بالضبط وقعت على الأرض وبدأت تظهر عليها علامات الموت ولم يكن فى البيت إلا أمى وإخوتى البنات، بينما أبى وإخوتى فى المسجد لصلاة الجمعة، وأمكن نقلها إلى عيادة طبيب أمراض النساء الوحيد فى دمنهور (الدكتور فايز) كشف عليها وأخطر أمى بأن الحالة خطيرة ولا تحتمل التأخير ولابد من إجراء عملية فورًا وإلا فهو غير مسئول عما يحدث لها، وتوسلت أمى إليه أن يجرى الجراحة مادامت بهذه الخطورة إلا أنه رفض إجراءها إلا إذا دفعت (الأتعاب) مقدما وفورا، ولم يشفع له قولها إن كل رجال العائلة فى المسجد ولن يعودوا إلا بعد ساعة، لكن الدكتور أصر على موقفه وهددها بأن هذه الساعة هى الفرصة الوحيدة لنجاتها، ولم تجد أمى إلا أن تخلع (الأساور) الذهب من يديها وتعطيها للدكتور رهنًا إلى أن يصل أبوها وزوجها، عندئذ بدأ الدكتور فى إجراء العملية، وكان يجرى العمليات فى عيادته.
هذه القصة أثرت فى أمى تأثيرًا شديدًا، ولم يتمكن الزمن من محو مشاعر الخوف والألم التى عانت منها.
وكانت هناك قصص سعيدة لم أشاهدها وسمعت عنها كثيرًا.. فلم أحضر زفاف أخى محمد أو أخى السيد؛ لأن ذلك حدث قبل أن أولد، ولكنى سمعت عن الاحتفال الكبير بالمناسبتين والولائم والطباخ والذبائح، وحين وعيت ما حولى كان أخى محمد قد أنجب التوأم مسعد ومصطفى وهما فى مثل سنى، وأنجب أيضا (فايزة) وبعد ذلك حضرت (سبوع) بناته الثلاث وشاهدت طقوس هذه الأيام وأنا، وأطفال الجيران، نحمل الشموع ونردد الكلمات المعروفة فى هذه المناسبات والداية تدق (الهون) وأخى يهمس فى أذن المولودة بالأذان الشرعى، وتكررت هذه الطقوس فى كل (سبوع) فى العائلة مع توزيع أكياس الحلويات والمكسرات على كل من يحضر هذه المناسبة.
كان أخى محمد يعمل مع والدى فى تجارة الأخشاب ومعه عبد الوهاب، وبعد سنوات اشترى (شادر) خاص به وبقى معنا فى البيت، وبعد سنوات قام ببناء بيت وانتقل إليه وظل محافظا على زيارتنا كل يوم تقريبا، وكذلك كانت زوجته (أبله فتحية البنا) وهى من العائلة، تداوم على زيارتنا وزيارة أخواتى، وكنت أحب أمها وهى طيبة وكريمة وعندها سيدة سوداء اسمها (عطامنه) من عصر العبيد، اشتراها والدها وبعد سنوات ألغى الرق، لكن عطا فضلت البقاء معهم حتى ماتت، وكان الحديث دائما عن المجهود، الذى تبذله زوجة أخى فى تحمل مسئولية البيت والأولاد كاملة بينما أخى محمد مشغول طول اليوم، يستيقظ مبكرا، ولا يعود إلا فى المساء، وينام مبكرا ولا يشغل نفسه بما يحدث فى البيت وهو مطمئن إلى أن زوجته تقوم بكل شىء ولا تشغله بشىء حتى أنها كانت تجهز كل بنت بكل ما تحتاجه قبل أن يتقدم إليها العريس، ولا يتبقى إلا تكلفة الأثاث، وهكذا كانت تجهز البنات وتساعدهن بعد الزواج إلى أن أصيبت بالسكر والضغط، ولم تكن حريصة على العلاج، وبعد سنوات ماتت، ولم تترك إلا البنت الصغرى فى المدرسة.. وعاش أخى محمد أكثر من سنتين وحده مع ابنته يرفض عروض الزواج، ويكتفى بتبادل بناته الإشراف على البيت، ولكنهن لم يستطعن الاستمرار لانشغال كل واحدة ببيتها وأولادها، وظلت كل واحدة تلح عليه أن يتزوج وعرضوا عليه الزواج من أرملة من أسرة معروفة، وتردد طويلا خشية أن يقع فى دوامة خلافات الأبناء مع زوجة الأب ثم استسلم أخيرًا بعد أن اضطربت حياته وهو لم يتعود على متابعة ما يلزم البيت، وكانت هذه الزوجة هى هدية الله إليه وإلى أولاده وإلى العائلة كلها، لأنها اندمجت فى العائلة، وأحبت أبناء أخى وأحبوها لطيبة قلبها وحنانها عليهم حتى أنهم كانوا يحتفظون عندها بمدخراتهم ومصوغاتهم ويلجأون إليها لاستشارتها فى أمورهم، وكنت أندهش عندما أراها تخرج مع كل واحدة منهن لشراء ملابس أو احتياجات لبيتها وتساعد فى تربية أبنائهن، وكانت أمًّا حقيقية، ترعى أحفاد أخى إلى أن تزوجوا وقامت بتجهيزهن.. ولأنها لم تنجب تحولت مشاعر الأمومة إلى أبناء وبنات أخى، وبعد أن فرغت من هذه المسئوليات قامت بأداء فريضة الحج مع أخى محمد وكان البيت مفتوحا لكل الأبناء ولنا، وهى تود الجميع وتساعد المحتاج إلى المساعدة، وقبل أن تموت تنازلت لأبنائه عن نصيبها فى الميراث، وأهدت لبناته مصوغاتها ومدخراتها.
ولهذا بقيت ذكرى (الحاجة محاسن) فى أحاديثنا.
كان أخى محمد مختلفا فى كل شىء، كان هادئا لم أره منفعلا أبدا، ولم أسمعه نادما أو حزينا لأن صفقة ضاعت عليه أو خسارة لحقته (وكله عنده خير خير) وكان بسيطا ويرضى بالقليل ولذلك كان يبيع منتجات الأخشاب أرخص من نظرائه ويقول (ربنا يبارك فى القليل)، ولكثرة سفرياته إلى الإسكندرية اشترى سيارة واستعان بسائق ولكنه كان قليلا ما يركبها، فيذهب إلى المحل ويعود منه سيرا على قدميه أو راكبا دراجة (يقول إنها تفيد ساقيه) بينما السيارة والسائق على باب المحل طول اليوم، وكان ذلك من حظ ابن أخى أحمد فكان يأخذ مفتاح السيارة ويسافر بها مع أصحابه إلى الإسكندرية ويعود فى الليل، ولم ينتبه أخى محمد إلى أن ترك السيارة بدون رقابة شجّع السائق على أن يدعى أن السيارة فى حاجة للإصلاح أو تحتاج إلى السير حتى (لا تنام البطارية) ويحمّلها بالركاب ويسافر إلى بلاد قريبة ويعود وأخى مشغولا لا يدرى شيئا، وعندما عرف ذلك من أولاد الحلال طرد السائق وباع السيارة واكتفى بالعجلة والسير على الأقدام والعودة إلى القطار للسفر إلى الإسكندرية.
كانت نوادر أخى محمد فى طفولته كثيرة، منها أن والدى اشترى له ساعة غالية بمناسبة بلوغه عشر سنوات وهو أول الأبناء، وفوجئ أبى بأنه فك الساعة وحوّلها إلى كومة من المسامير والتروس يستحيل إعادتها كما كانت.. وعندما سأله أبى لماذا فعلت هذا؟ أجابه: علشان أركبها تانى!
وكما كان أخى محمد محظوظا فى زواجه الأول ومحظوظا أيضا فى زواجه الثانى، فقد كان أخى السيد كذلك محظوظا فى زواجه من (أبله فتحية الكاتب) فقد كان والدها يحمل رتبة البكوية رسميا، ولكنها كانت بسيطة ومتواضعة وعاشت فى الريف دون أن يسمع أحد منها شكوى أو تذمر، بل كانت تبدو سعيدة وتحيط أخى باهتمام كبير، خصوصا أن أخى السيد كان مهتما بالملابس والطعام ورعاية الأبناء، ووفرت له ذلك كله، وكانت ترحب بنا وتبالغ فى الإكرام كلما زرناهم ونقضى عندها أسابيع فكان بيتها هو بيتنا الثانى.
ولكنى حضرت زفاف أخى عبد الوهاب، ثم شقيقتى سعدية وبعدها شقيقتى رتيبة ورأيت ما كنت أسمع عنه عن الذبائح والطباخ وفى كل مرة كانت تحيى الفرح فرقة (الشيخة حجر) الكفيفة، وكان المطرب الأساسى فى الفرقة هو كارم محمود، الذى صار بعد ذلك من أشهر المطربين.
وفى ليالى الشتاء كنا نجتمع معا وتعد لنا أمى البطاطا المشوية و(سد الحنك) وهو عبارة عن دقيق وسمن وسكر أو عسل وتضيف إليه المكسرات والتمر بعد تقطيعه ونقضى ليلنا فى أحاديث عما فعله كل واحد منا فى يومه أو ما قرأه فى «الأهرام»
وهى الصحيفة، التى كنا نحرص كلنا على قراءتها.
وكانت أمى تصحبنى معها ومع واحدة من خالاتى؛ لزيارة سيدى إبراهيم الدسوقى فى مدينة دسوق القريبة من دمنهور، فنركب القطار ونقضى ساعات فى الزيارة وقراءة الفاتحة ومشاهدة حلقات الذكر ونعود ومعنا الفسيخ والسردين المملح والحمص والحلاوة مما تشتهر به دسوق.
ومن حكايات العائلة، ما حدث لجدى الحاج إسماعيل يوم وفاة أمه – جدة أمى – فقد أعد ترتيبات الجنازة ولوازم الميتة، وأطلق المنادى فى المدينة ينادى: توفيت اليوم الحاجة (...) زوجة المرحوم (...) وأم كل من فلان وفلان وفلان وقريبة ونسيبة عائلات كذا وكذا وكل عائلات دمنهور، هكذا كانت الصيغة التقليدية للإعلام عن الوفاة، وحضر المعزون وجلسوا أمام البيت وتم إقامة خيمة لعزاء المساء، ثم فوجئ جدى بأن أمه تفيق وتجلس وهى بكامل وعيها وتطلب أمى وتقول لجدى: هات لى هانم، وكان موقفا مذهلا لكل الحاضرين فى الداخل، أما المتراصين فى الخارج فلم يصل إليهم هذا الخبر القريب، وشعر جدى بالإحراج كما كان يقول لنا، ولم يعرف كيف يتصرف وماذا يقول للناس وستكون هذه هى القصة التى يتناقلها الناس فى البلد، واقتربت أمى من جدتها فهمست لها بالمكان الذى كانت تخبئ فيه الذهب والمصوغات، وبعد ذلك رقدت وماتت فعلا، وخرجت الجنازة.
وكانت فى بيتنا (قدرية) من قبل أن أولد، ولذلك أصبحت واحدة من أهل البيت، تساعد أمى وأخوتى، وتتولى رعايتى، وتحكي لى حكايات قبل النوم، وكان هذا أسوأ ما فيها، لأن كل حكاياتها عن الجن، الذى يختفى تحت السلم، ويظهر فى شكل قطة، و(أبورجل مسلوخة)، الذى يخطف العيال الصغيرين ويأخذهم معه تحت الأرض و«البعبع»، الذى يأكل الطفل الذى لا يسمع كلام الكبار.. وغير ذلك من الحكايات التى كانت تبعث فى نفسى الخوف وتجعلنى أرتعد وأخفى رأسى تحت الغطاء وأكتم النفس.. وكان هذا يريحها طبعا، ولكنى كنت أعانى من الكوابيس فى منامى، وأحيانا كانت أمى تستيقظ على صراخى وبكائى وأنا نائم، وأقول لها: أبو رجل مسلوخة حيخطفنى.. وكنت أخاف فى هذه الفترة من أن أكون وحدى فى أى مكان أو أن أدخل حجرة مظلمة أو أواجه كلبا كبيرا فى الطريق.
قدرية بنت حلال، ووجودها فى البيت ضرورى، وكلنا نحبها لأنها أمينة ومخلصة وحريصة على كل شىء فى البيت، ولكنها كنت تمثل لى الرعب، الذى ينتظرنى كل ليلة إلى أن كبرت وأصبحت أرفض حكاياتها ولكن بقيت لدى ذكريات ساعات الرعب، التى أفسدت على حياتى لفترة.. ولهذا أكره أن يحكى الكبار لأطفالهم مثل هذه الحكايات وهم لا يعرفون مدى تأثيرها السيئ فى نفوسهم، وربما تكون هذه الحكايات هى التى جعلتنى لا أحب قصص ألف ليلة وليلة مع أنى أعرف قيمتها ومكانتها فى الأدب والثقافة العالمية.. وحتى اليوم لا أحب أن أقرأ فى كتب التراث، التى تشمل روايات عن عالم الجن والشياطين وأنا بحكم عملى أرجع كثيرا إلى كتب التراث ولا أستغنى عنها، وما أكثر هذه الإشارات فى الكتب القديمة وكأن المؤلفين عايشوا هذه المخلوقات وهى فى عالم الغيب، ولذلك أدعو دائما إلى تنقية التراث.
ومثل ذلك مما كان الكبار يرددونه من أقوال تتعارض مع العقل بل وكثيرا ما تتعارض مع صحيح الدين، مثل ما كانت عمتى محبوبة تفعله لنا من حين لآخر فتصنع عروسة من الورق تغرس فيها الإبرة وتستمر فى غرسها وهى تذكر أسماء كل من نعرفهم من العائلة (حتى أمى وأبى وإخوتى وتقول: ما يحسد المال إلا أصحابه) وأيضا أسماء الأقارب والجيران، وتقول باسم الله.. الله يحفظك من عين فلان وفلان وفلان ونحن نستسلم لها ولا نملك فكاكا.. حتى أم أنجيل كانت ترسل إلينا أنجيل لكى ترقيها عمتى.
وبقيت فترة طويلة أعانى من الخوف من الموت بعد أن حضرت لحظة احتضار خالى محمد وكنت أشعر بالخوف من أن أموت أو يموت أبى أو أمى أو أخوتى، وكلما رقدت مريضا أعتقد أنى (خلاص) سأموت، وفى فترة الطفولة كنت أرهق الكبار بأسئلتى عن كل شىء.. ما هذا.. ولماذا نشتريه أو نستعمله.. ولحسن حظى أن أحدا لم يكن يضيق بكثرة الأسئلة ويرون فى ذلك تفتحا ورغبة فى المعرفة.
وكان يوما سعيدا بالنسبة لى عندما خرجت قدرية من البيت إلى بيت زوج تقدم لها وسأل عنه عبد الوهاب ورأى أنه (ابن حلال) وتولت أمى وإخوتى تجهيزها بكل ما يلزمها، وأقامت أمى لها (فرحا) على سطح البيت، وبخروجها تخلصت من المخاوف، وظلت قدرية تزورنا وتعود وهى محملة بالملابس والطعام وكل واحد من الكبار يعطيها (اللى فيه النصيب).. وجاءت بعدها (عزيزة) وكانت مختلفة وعلاقتها معى ليس فيها حكايات ولا رعب ولم يكن من اختصاصها أن تحكى لى حكايات، وكنت أنا أيضا قد كبرت بدرجة تعطينى قدرا من الاستقلال.
لم أكن أشعر بالخوف من أبى؛ لأنه لم يكن شديدا فى تعامله معنا، وكان يخصنى بالقرب منه والاستماع إلى ويتحدث معى وكأنى كبير، وكان يسمح لى بأن أجلس معه مع الكبار فتعودت على أن أتعامل مع الكبار بثقة، وأعتقد أن هذا أفادنى ووسع دائرة اهتماماتى، لأنى لم أعامل أبدا كطفل (لا يفهم) ربما لأن كل إخوتى كانوا أكبر منى بعشرات السنين فكانوا يستعجلون انضاجى لأكون معهم.. والحقيقة أنى تعلمت من أبى الكثير.. تعلمت متى أتكلم ومتى أستمع ومتى أصمت ولا أتدخل فى موضوع لا أفهم فيه.. وعلمنى كيف أتعامل مع الكبار بثقة وأدب وأتحدث معهم دون تردد، ونفعنى ذلك فيما بعد حين أصبح من طبيعة عملى الصحفى أن أتعامل مع شخصيات سياسية ودينية وصحفية كبيرة وأقابل وزراء وأتحدث مع رئيس الجمهورية دون أن أشعر بالتوتر أو التردد.
وكان أبى يفصل تماما بين أمور العمل وبين أمورنا الخاصة، وكان يقول لزواره إنه ينسى (الشغل) بمجرد أن يدخل البيت، ولهذا لم نكن نعرف الكثير عن حالة أبى هل هو غنى أو لا، فهو يستجيب لمطالبنا ويؤجل بعضها، ولكن البيت مفتوح وفيه دائما ضيوف والطعام أكثر من احتياجاتنا، وباب الشقة مفتوح لا يغلق إلا عند النوم، ويدخل كل زائر بمجرد أن يقول: سلام عليكم، أو ينادى: يا حاجة.. فتخرج أمى للترحيب به.. كانت تحب الضيوف وترى أنهم (عمار) البيت، وتحب (الغلابة) وتعطيهم وترى أن ذلك (زكاة عن أولادى) وترى أن عليها أن تفعل الخير مع الناس جميعا دون أن تنتظر منهم الجزاء، فكل ما تفعله هو لله، والجزاء ليس من الناس ولكن من الله.. وتعلمنا منها ذلك وعلمناه لأولادنا.