نظرا للحرب الشرسة التي تواجهها مصر، وبسبب تكاثر الأعداء ونتيجة حملات التشويه المتعمدة من الداخل والخارج، زادت شكوك المواطنين حول شبهات الفساد حول كثير من موظفي الدولة، بل وامتد ذلك إلى التشكيك في قدرة وامكانيات وربما نزاهة العديد من مؤسسات الدولة نفسها. وازدادت هذه الشكوك تحديدا خلال الفترة (2011-2014).
هنا ظهر فارس جديد؛ "هيئة الرقابة الادارية"، حمل شعلة الثقة في وجود مؤسسة نزيهة أولا، وتستطيع ثانيا أن تراقب وتفتش وتحافظ على المال العام وتضمن نزاهة موظفي الدولة.
الواقع يؤكد أن هيئة الرقابة الإدارية أنجزت ثلاث مهام جديدة:
أولا: نجحت في فرض حالة من الخوف والردع الشديد للجرائم التي تقع من العاملين بأجهزة الدولة ووحداتها الاقتصادية أو المتعاملين معها، وهي جرائم الاعتداء على المال العام والرشوة واستغلال النفوذ والغش والتربح والتزوير والكسب غير المشروع.
ثانيا: نجحت في الخروج وبسط سيطرتها على جرائم تتعلق في الحقيقة بجهات أخرى، مثل التهرب الضريبي والجمركي وغسيل الأموال والغش التجاري وجرائم الصحة العامة.
والسؤال الذي يثير نفسه: أين ولماذا تختفي الجهات التي تختص بتلك الجرائم؟
ثالثا: بدأت هيئة الرقابة الادارية تفرض حضورها ونموذجها للثقة من خلال الضبطيات الشهيرة لكبار المسئولين في الدولة، بشكل أعطى إشارات لعدم وجود سقف لاختصاصاتها وحدود ما يمكن ان تتبعه من أخطاء أو جرائم.
ما كان يتوقع أحدنا أن يتم القبض على وزير أو وكيل وزارة أو مستشار وزير أو حتى نائب أو سكرتير محافظ أو أمين مجلس قضائي كبير بالدولة أو قاضي، ولكن استطاعت الرقابة الإدارية تحقيق المعادلة الصعبة.
كثير من التقارير العالمية استدلت في تقييمها للاقتصاد المصري بجهود الرقابة الإدارية كعنصر أمان وضمان للنزاهة الحكومية. لدينا بمصر طرفين يمثلا الأهمية الكبرى : المستثمر والسائح ، وكلاهما يحتاج لضمانات نزاهة في تعاملاته ونزاهة في إقامته ومسكنه ومشربه، وهذا لن يتحقق سوى بالثقة في مؤسسات الدولة التي تنتج أو تراقب ما ينتج.
الرقابة الإدارية الآن تلعب الدور الأكبر في نشر التفاؤل والأمل في تحسن الاقتصاد المصري، من خلال الثقة في عناصر الرقابة الإدارية، وخاصة في ظل ضرباتهم المتتالية على الفساد.
فخلال العامين الأخيرين أتوقع أن تصل قيمة الضبطيات والوفر في المال العام التي احرزتها الرقابة الإدارية إلى 1.5 مليار جنيه، ويصل عدد الجرائم التي تم ضبطها إلى ما يزيد عن 3000 جريمة (تقدير شخصي)، جميعها بقيم تزيد عن 200 ألف جنيه تقريبا، وبعضها يصل إلى 100 مليون جنيه.
إلا أن مكاسب الردع تفوق ذلك بكثير، ففي اعتقادي أن الهيئة ردعت فساد يزيد عن 50 مليار جنيه نتيجة حالة الخوف والتصحيح التي فرضتها على واقع المؤسسات الحكومية.
ما أتمناه أن تقوم الرقابة الإدارية بفرض رقابة صارمة على الجهات التي تقوم بالرقابة والتفتيش بالجهات الحكومية الأخرى، فالصحة والتربية والتعليم والتعليم العالي والتضامن والجمارك والضرائب والموانئ والتموين والمالية وغيرها، جميعها جهات لديها لوائح وأنظمة للتفتيش والرقابة، نحن نحتاج أولا لضمان نزاهة هذه الأنظمة والقائمين عليها لكي نضمن أنهم سيؤدون دورهم كما ينبغي بنزاهة.
وأرى أن الرقابة المشددة للهيئة على موظفي التفتيش في هذه الجهات سيحقق نزاهة مصر مستقبلا وقريبا وسريعا.
ولكن لا يسعني أن اقول سوى: ألف تحية لرجال الرقابة الإدارية وشكرا على نشرهم لنموذج الثقة في مصر.
* الكاتب
خبير اقتصادي و وكيل كلية التجارة بأسوان
[email protected]