الحقيقة «العارية».. أصحاب ولا أعز

ربما تُوحى كلمات العنوان أنى سأدلف إلى حلبة الحديث الدائر خلال الأيام القليلة الماضية على السوشيال ميديا، ومنذ قدم النائب مصطفى بكرى طلب إحاطة فى البرلمان حول الفيلم، المعروض على منصة المشاهدة المدفوعة مقدمًا.

وفى ظل حالة الزخم الشديد التى اشتعلت بها صفحات التواصل الاجتماعى وما زالت.. فاستفاد البعض من تلك الحالة، وعاد الانتعاش إلى صفحات اليوتيوبر وبعض المنتفعين من صفحات التواصل ماليًا على التيك توك، وقنوات اليوتيوب والفيس بوك وتويتر.

لكنى فى الحقيقة لن أهتم بتلك المعركة كثيرًا لأن كل أطرافها لن يفوز بها.. فجميعنا خسر فيها، فمن انتقد استطاع أن يصنع موجة تعاطف غير عادية مع الجانب الآخر، والعكس، وتسرب من بين أيدينا الهدف الحقيقى لتلك الأعمال أو الموجة المستهدفة للمنطقة.

كما غاب عنا تدارك التقصير الذى وقعت فيه بعض مؤسساتنا المسؤولة عن الثقافة والدراما والسينما (مؤسسات الإنتاج).

يبدو أن ما حدث ليس سوى باكورة موجة سنواجهها خلال الفترة القادمة تستوجب منا جميعًا التكاتف ليس بهدف الرقابة، أو استخدامها سوطًا مسلطًا على حرية الإبداع التى يحاول البعض أن يحولها إلى حرية غير مسؤولة؟ وإن كانت فى الحقيقة أن حرية الإبداع ليست عشوائية ولا تتعارض مع قيم وأخلاقيات المجتمعات، ولا تستهدف هدم تلك الثوابت الأخلاقية.

فهى مثل الحرية الشخصية، لها حدود، أهمها المسؤولية المجتمعية.

ما يجرى الآن ومن قبله ذلك الفيلم الذى عُرض خلال مهرجان الجونة ليقدم صورة زائفة عن الواقع الذى أصبحت عليه مصر، بل وجاء ليقدم صورة انتهت بإعلان مصر نهاية العام الماضى خالية من المناطق العشوائية الخطرة.

(1)

فى العدد 2355 الصادر بتاريخ 12 يسمر 2021 تحت عنوان «مراحل تمزيق الدول»، استعرضت فى تلك المساحة كيف يتم العمل على تغيير المفاهيم والقيم وتقديم المفردات الجديدة والمستهدف إدخالها للمجتمعات المستهدفة على عدة مراحل.

إنها استراتيجية طويلة المدى لا تستهدف الحصول على نتائج على المدى القصير، بل تظل لعشرات السنوات، بل قد تستهدف جنى جزء من ثمار تلك المشروعات بعد نصف قرن تقريبًا، وهو ما ذكرناه واستشهدنا به من حديث للعميل السرى السوفييتى «يورى بيرمينوف»، قائلًا: «إنّ زمن الحروب العسكرية لإخضاع الدول قد انتهى كأولوية، فالانتصار الآن يتم تحقيقه من خلال أربع مراحل لتمزيق أى بلدٍ، تبدأ بأهم مرحلة، وهى «إسقاط الأخلاق»، وهى مرحلة تحتاج من 15 إلى 20 سنة، لتدمير منظومة الأخلاق والقيم لدى المجتمع المستهدَف؛ لماذا هذه المدة الزمنية تحديدًا؟، لأنها المدة الكافية لتنشئة وتعليم جيل واحد من الصغار على «القيم» البديلة، والأخلاقيات المبتذلة التى يراد ترسيخها فى المجتمع، وتفصيل الرؤية والعقيدة والشخصية المطلوبة، والتى من شأنها نسف المجتمع ومحو هويته بمرور الأيام».

يتحقق هذا الهدف من خلال تدمير الهوية الدينية بالإضافة إلى استبدال المؤسسات الدينية المحترمة بمنظمات وهمية تسهم فى صرف انتباه الناس عن الإيمان الحقيقي، وجذبهم لأنواع العقائد الدخيلة.

عندما يتناسى المجتمع مفرداته وثوابته ويطلق بديلًا عنها مفردات أخرى، فيصبح الحديث عن الحرام والحلال هو حديث قديم لا يمت للحداثة بصلة، وتتحول الكلمات الخادشة للحياء إلى كلمات عادية بل تصبح جزءً من تطور المجتمع، وأمارة من أمارات الحداثة.

يتبارى البعض منا فى الدفاع عن كل ذلك بدعوى أن هذا الجيل عليه أن يعيش مرحل عمره، متدثرين بما قاله الإمام على كرم الله وجهه «لا تربوا أبناءكم كما رباكم آباءكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم» وهو استدلال فى غير موضعه.. فلم يقصد الإمام على كرم الله وجهه ترك الأمر لهدم الثوابت فيصبح الحرام مرضًا مجتمعيًا أو حرية شخصية، ويصبح الحديث عن القيم والأخلاق رقابة مرفوضة من جانب أولئك من حاملى مشاعل الحرية الزائفة.

فى الوقت الذى يتحدثون فيه عن حرية العلاقات الجنسية معتبرين أنها جزء من الحرية الشخصية.. تجدهم ينكرون على الطرف الآخر حريه حديثه عن الحرام والحلال.

(2)

لكن هل تلك الحالة التى تستهدف المجتمعات العربية خلال الفترة الحالية جاءت صدفة، أم أن كل ما يدور على أرض منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية، جاء لهدف محدد؟ هنا ستجد البعض من دعاة الحرية المطلقة يرد قائلًا: لقد ضقنا ذرعًا بنظرية المؤامرة.

ويرد عليه الطرف الآخر ما يحدث فى العالم كله وليس فى الشرق الأوسط أو المنطقة العربية، لا يعرف الصدفة.

ونظل ندور فى فلك هل كل ما يحدث حولنا مؤامرة أم هو أمر عادى ومتغير طبيعي؟

وتبقى الحقيقة الغائبة عن أذهاننا جميعًا «أين دور المؤسسات المسؤولة عن تشكيل الوعى لدى المجتمعات والحفاظ على الهوية الوطنية، وأين الاستراتيجية الثقافية والمؤسسات الوطنية المسؤولة عن تقديم محتوى فنى يرسخ ثوابت المجتمع ويحافظ على قيم المجتمعات وهويتها؟.. لكن تجدنا دائمًا نبحث عن شماعة يعلق كل طرف منا عليها الأزمة.

ترى المتحدث عن المؤامرة يطلب من الرقيب التدخل لوقف المتغير الجديد على المجتمع الذى يستهدف تغيير قيم المجتمع وضرب هويته وسلوكه.

وترى المتحدث عن الحرية يواصل معركته بضرورة أن يتنحى الرقيب جانبًا ويترك للمجتمع حرية الاختيار وهو يدرك أن المجتمعات العربية فقدت جزء كبير من هويتها؛ بل أن الأزمات التى ضربت المنطقة منذ ستينيات القرن الماضى ما زالت آثارها واضحة.

هنا نعود إلى ما قاله العميل الروسى «يورى بيزمينوف» «إن أقوى علاج لهذا السيناريو، يبدأ بإيقاف أخطر خطوة، وهى الأولى «إفساد الأخلاق»، وذلك لا يتم بطرد العملاء الأجانب، أو إضاعة الجهد والوقت والمال للبحث عمّن يحرك خيوط اللعبة، ولكن أنجح حل لإفشال الخطوة الأولى، هو «إعادة المجتمع لقيمه وأخلاقياته وصحيح الدين».

(3)

بعيدًا عن حالة السجال الدائرة حول ذلك العمل الفنى الذى قدم مجموعة من المفاهيم وحاول تمريرها للمجتمع منها المثلية الجنسية والاهتراء الأخلاقى فى المجتمع، والذى لا يُعتبر الأول من نوعه فى تقديم تلك المفاهيم ومحاولة تمريرها، فقد سبقته أعمالًا فنية أخرى قدمت نموذجًا لمجتمع مهترئ أخلاقيًا؛ وتحت دعوى مناقشة قضايا مجتمعية وضرورة حماية حرية الإبداع ظهر مدافعون عن تلك الأعمال.

لكن الحقيقة والواقع، إن هذه الأعمال لم تستطع تغيير ثوابت وأخلاقيات وقيم المجتمع بدليل موجة النقد الموجهة لها.

وحجم المشاهدة الضخمة للأعمال الدرامية والسينمائية التى تقدم واقع المجتمع وتستعرض نماذج حقيقية من الواقع، تحمل بين طياتها الخير والشر، وترسم صورة لواقع نعيشه يوميًا فى أحيائنا وشوارعنا وريفنا وحضرنا.

تستطيع أن ترصد حجم نجاح الأعمال الدرامية عندما تسير فى الشوارع، فخلال عرض مسلسل «الاختيار2» تجد الشوارع شبه خالية من المارة والناس تتابع الحلقات، وكذلك الحال مع «الاختيار1»، لاحظ أيضًا نسب مشاهدة مسلسل «إلا أنا» و«أبو العروسة».

ذلك لأن تلك الأعمال قدمت نماذج تعيش معنا ونعايشها فى حياتنا اليومية؛ لذا كانت الأقرب إلينا، بل وأعادت إلينا مشهد الالتفاف حول التليفزيون داخل الأسرة، والإقبال غير المسبوق من الأسرة على دور السينما.

أما القصص المعلبة المقدمة للمجتمع لخلق أو ترسيخ مفاهيم أو تغيير مفردات مجتمعية، فتلقى استهجان المجتمع؛ لكن ليس معنى ذلك ألا نحصل على المصل المضاد للحماية، وإلا وجدنا المجتمع بعد فترة بلا ثوابت وأصبح مجتمعًا لا يؤمن بأهم قوة يمتلكها «الأخلاق».

صحيح أننا وقعنا فى الفخ عندما تحول الانتقاد إلى أكبر عملية دعاية غير مدفوعة لتلك المنصة، وذلك العمل الذى قُدَّم باللغة العربية رغم أن القصة غير عربية وتحمل قيمًا وأخلاقًا مجتمعية تتنافى مع قيم مجتمعاتنا وهو الخطأ الذى وقع فيه منتجو العمل، إن كانوا لا يعلمون خطورة ما قدموا، على حد زعمهم.

أما إن كان عكس ذلك وهو ما تتحدث عنه الوقائع من تكرار تقديم مثل تلك الأعمال، لنفس المنتجين، فإننا أمام خطر يستوجب على صناع السينما والدراما والثقافة تقديم استراتيجية واضحة لملىء هذا الفراغ المتروك لمثل تلك الأعمال.

إن ما يمتلكه الأدب والتراث الثقافى المصرى والعربى لديه الكثير من النماذج، التى تصلح لتصبح أعمالًا فنية ناجحة، كما أن مصر بها قامات ثقافية قادرة على تقديم الكثير من الأعمال والنصوص التى ترصد واقع المجتمع بشكل حقيقى وتصلح أن تكون أعمالًا درامية أو سنيمائية، كما قدم الكاتب الكبير نجيب محفوظ للمجتمع المصرى الحارة المصرية فى الثلاثية.

من الواجب على وزارة الثقافة أن يكون لها دورًا وعلى قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتليفزيون أن يعود مرة أخرى للعمل، وكذلك شركات الإنتاج الوطنية، وذلك وفق استراتيجية تستهدف الحفاظ على الهوية الوطنية وترسيخ قيم وثوابت المجتمع المصري.

وداعا صاحب الورقة والقلم

كان خبرًا مفجعًا عندما اتصل بى زميلى يوسف رفعت مسؤول شيفت المبيت ببوابة دار المعارف ورئيس القسم الرياضى ليبلغنى بوفاة الزميل والأستاذ ياسر رزق .. لم أصدق الخبر حينها، فقال لى أن الزميل جمال حسين نشر الخبر على صفحته، ظننت وقتها أن الصفحة مخترَقة، فاتصلت بالزميل جمال حسين، كان هاتفه مشغولًا، وكنت أنا فى كل محاولة أدعو الله أن يكون الخبر كاذبًا.. لأُصدَّم بالحقيقة التى لا يمكن تغييرها .. رد جمال حسين .. أيوه البقاء لله .

ألجمت الصدمةُ لسانى ولم أدر ما أقول، أغلقت هاتفى دون أن استأذن زميلى جمال حسين رئيس تحرير الأخبار المسائى الأسبق.

لقد كان ياسر رزق صحافيًا من طراز رفيع وطني، عاشقًا لتراب هذا الوطن، مخلصًا لمهنته، عونًا لزملائه.

لقد ذهب جسده وبقيت سيرته وستظل أعماله التى كان أخرها «سنوات الخماسين»، والتى نفذت طبعتها الأولى والثانية خلال اليوم الأول من معرض الكتاب فكانت بمثابة تأبين من جمهوره ومحبيه.

وداعًا ياسر رزق، وأسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته ويلهم أهلك وذويك الصبر والسلوان.

أضف تعليق