وسط تصاعد دخان الحرائق والتفجيرات، وتواصل المعارك فى الشوارع، والساحات، بينما يتابع العالم مأساة عائلات الضحايا والنازحين، ويسمع عن التحركات الدبلوماسية بعيدا عن الأضواء، لا يمكن لأحد أن يجزم بما ستأول إليه الأمور فى أوكرانيا، حسب تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطلنية "بى بى سى" طرحت فيه السؤال الأكثر انتشارا حاليا والمتعلق بالتوقعات الأكثر واقعية للطريقة التى ستنتهى بها الحرب، والسيناريوهات التى يراها السياسيون والعسكريون.
وبالرغم من صعوبة توقع المستقبل بدقة، إلا أن مراسل الشئون الدبلوماسية بـ "بى بى سى" جيمس لاندال، وضع أربعة سيناريوهات يراها الأكثر احتمالا لمسار الحرب الروسية الدائرة فى أوكرانيا:
حرب قصيرة
يفترض فى هذا السيناريو أن تصعّد روسيا عملياتها العسكرية. فى هذه الحالة قد يزداد القصف العشوائى المدفعى والصاروخى فى مختلف المناطق بأوكرانيا. ويرجح حينها أن تشن القوات الجوية الروسية، التى لم يكن لها دور كبير حتى الآن، غارات مدمرة، وأن تتعرض المؤسسات الأوكرانية الرئيسية إلى هجمات الكترونية واسعة. وعلى الرغم من المقاومة الشرسة، إلا أنه بهذه الطريقة يرجح أن تسقط كييف خلال أيام. وبعدها يتم عزل الحكومة وتستبدل بحكومة موالية للنظام فى موسكو. والرئيس زيلينسكى إما أن يغتال أو يهرب لتشكيل حكومة فى المنفى. وعندئذ يعلن الرئيس بوتين النصر ويسحب بعض قواته، تاركاً ما يكفى منها للسيطرة على الأوضاع. ويواصل آلاف اللاجئين الهروب غرباً.
ويقول "لاندال" إن هذا التصوّر ليس مستحيلاً، ولكنه مرتبط بعدد من العوامل، من بينها أن يتحسن أداء القوات الروسية، وأن تفتر عزيمة القتال والمقاومة المذهلة التى أظهرها الأوكرانيون. قد ينجح الرئيس بوتين في تغيير النظام فى أوكرانيا بعد حملته العسكرية على جارته الغربية. ولكن أى حكومة موالية لروسيا ستكون هزيلة ومعرّضة للتمرّد الشعبى عليها. وسيؤدى هذا الوضع إلى حالة من عدم الاستقرار تنذر باحتمال تجدد النزاع مرة أخرى.
حرب طويلة
من المحتمل أن يتطور هذا النزاع إلى حرب طويلة الأمد. فقد تجد القوات الروسية نفسها غارقة فى الوحل بسبب تحطم معنوياتها أو ضعف معداتها أو فشل قياداتها. وقد تستغرق القوات الروسية وقتاً أطول فى السيطرة على المدن مثل كييف، التى يقاتل المدافعون عنها من شارع لشارع، فيؤدى ذلك إلى حصار طويل الأمد. ويعيد القتال إلى الأذهان الصراع الوحشى الطويل الذى خاضته روسيا فى التسعينيات للسيطرةعلى جروزنى عاصمة الشيشان.
وحتى إن تمكنت القوات الروسية من دخول المدن الأوكرانية، فإنها قد تجد صعوبة فى إحكام السيطرة عليها. وقد لا تستطيع روسيا توفير العدد الكافى من القوات لفرض وجودها فى بلاد بهذه المساحة الشاسعة، مع تحول الدفاعات الأوكرانية إلى فرق تمرد فاعلة، مسلحة بالعزيمة ودعم السكان، ومواصلة الغرب إمداد الأوكرانيين بالأسلحة والذخيرة. وربما تتغير القيادة السياسية فى موسكو بعد سنوات فتغادر القوات الروسية أوكرانيا، منهكة ومدحورة مثلما حدث لها فى 1989 فى أفغانستان بعد عشرية كاملة من القتال ضد المتمردين الإسلاميين.
حرب أوروبية
هل هناك احتمال بأن تتمدد هذه الحرب إلى ما وراء الحدود الأوكرانية؟
قد يسعى الرئيس بوتين إلى استعادة أجزاء من الإمبراطورية الروسية السابقة، فيرسل قواته إلى جمهوريات الاتحاد السوفيتى سابقاً، مثل مولدوفا وجورجيا وهما ليستا فى حلف الناتو. وقد يكون الأمر مجرد تصعيد وحسابات خاطئة. وقد يعلن الرئيس بوتين أن إمداد الغرب أوكرانيا بالأسلحة عدوان يتطلب الردّ. وقد يهدد بإرسال قواته إلى دول البلطيق، التى هى فى حلف الناتو، مثل لتوانيا، وفتح ممر أرضى إلى الجيب الروسى الخارجى الساحلى كالينينجراد. وسيكون هذا الأمر بالغ الخطورة وقد ينذر بحرب مع حلف الناتو.
وتنصّ المادة الخامسة من ميثاق التكتل العسكرى على أن أى اعتداء على عضو واحد في الحلف، هو اعتداء على جميع الأعضاء. لكن الرئيس بوتين قد يجازف بذلك إذا رأى أنه السبيل الوحيد الذى يضمن له البقاء فى السلطة. فإذا شعر بأنه يتجه نحو الهزيمة فى أوكرانيا فإنه سيحاول التصعيد أكثر.
الحل الدبلوماسى
على الرغم من كل هذا، هل هناك احتمال لحل دبلوماسى؟
قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، إن "السلاح نطق الآن، ولكن لابد أن يبقى طريق الحوار مفتوحاً". والحوار متواصل فعلاً، إذ تحدث الرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون إلى الرئيس بوتين هاتفياً. ويقول دبلوماسيون إن الغرب يواصل استشعار مواقف موسكو. كما أن المسئولين الروس والأوكرانيين أحدثوا مفاجأة عندما التقوا لإجراء محادثات على الحدود مع بيلاروسيا. وإن كانت المحادثات لم تحقق أى تقدم، فإن بوتين على الأقل قبل باحتمال التفاوض على وقف إطلاق النار.
ويقول "لاندال" إن السؤال الأساسى المطروح هو إذا كان الغرب على استعداد لتقديم ما يسميه الدبلوماسيون "مخرجاً من الطريق السريع". ويقول الدبلوماسيون إنه على بوتين أن يعى متطلبات رفع العقوبات الغربية من أجل التوصل إلى اتفاق يحفظ ماء الوجه.
فلنتخيل هذا السيناريو: الحرب تنقلب على روسيا. والعقوبات يزيد وقعها على موسكو. والمعارضة تتعزز مع وصول المزيد من جثامين الضحايا إلى البلاد. والرئيس بوتين يتساءل ما إذا كان وضع نفسه فى ورطة. ويرى أن مواصلة الحرب تحمل تهديداً لسلطته أكبر مما تحمله مذلة إنهائها. الصين تتدخل وتضغط على موسكو من أجل قبولها بتنازلات، مهددة بأنها لن تشترى الغاز والنفط من روسيا ما لم تخفف من حدة التوتر. وهذا يدفع بوتين إلى البحث عن مخرج.
فى الوقت نفسه يشاهد المسئولون الأوكرانيون التدمير المتواصل لبلادهم، ويقتنعون بأن التنازلات السياسية أفضل من الدمار وزهق الأرواح. فيتدخل الدبلوماسيون ويتوصلون إلى اتفاق. يقبل الأوكرانيون مثلاً بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم، وعلى أجزاء من إقليم دونباس. وفى المقابل يقبل بوتين باستقلال أوكرانيا وتعميق روابطها بأوروبا. هذا لا يبدو مرجحاً، ولكن ليس من المستبعد أن يخرج مثل هذا الاتفاق من رحم الأنقاض التى تركها النزاع الدموى.
الإطاحة ببوتين
ولكن ماذا عن فلاديمير بوتين نفسه؟ صرح الرئيس الروسى عندما أطلق العملية العسكرية: "نحن مستعدون لأى نتيجة كانت".
ولكن ماذا لو كانت النتيجة أن يفقد السلطة؟ يبدو الأمر بعيداً عن التصور. ولكن العالم تغير فى الأيام الأخيرة، ومثل هذه الأمور يجرى التفكير فيها فعلاً. فقد كتب البروفيسور السير لورنس فريدمن، أستاذ الدراسات الحربية فى كينجز كوليدج فى لندن: "تغير النظام محتمل اليوم فى موسكو مثلما هو محتمل فى كييف".
لماذا يقول مثل هذا الكلام؟ ربما لأن بوتين يخوض حرباً كارثية. فآلاف الجنود الروس يموتون. ربما هناك مخاطر باندلاع ثورة شعبية. ويلجأ بوتين إلى قوات الأمن الداخلى لقمع هذه الثورة. ولكن الأمور قد تنفلت من يديه، فينقلب عليه عدد كاف من السياسيين والعسكريين والنخبة.
يقول الغرب إذا رحل بوتين وحل محله قائد معتدل فإن العقوبات ستخفف عن روسيا وتعود العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها مع موسكو. وقد يحدث انقلاب عسكرى دموى فيترك بويتن السلطة. ولا يبدو هذا الأمر أيضاً مرجحاً الآن. ولكنه ليس مستبعداً إذا شعر الأشخاص المستفيدون من بوتين بأنه لم يعد قادراً على حماية مصالحهم.
خلاصة
يخلص "لاندال" إلى أن السيناريوهات المطروحة لا تتناقض مع بعضها، ويمكن أن تتقاطع وتؤدى إلى نتيجة مختلفة. ولكن مهما كانت الطريقة التى تنتهى بها هذه الحرب فإن العالم تغير بعدها، ولن يعود إلى ما كان عليه من قبل. فعلاقة روسيا بالخارج ستكون مختلفة. وسيكون تعامل الأوروبيين مع القضايا الأمنية مختلفاً. فقد اكتشف النظام الدولى المبنى على القوانين حقيقة الوظيفة التى أنشىء من أجلها فى بادىء الأمر.