من آداب ديننا الحنيف أن يحرص كل ناصح مسلم علي أن تكون نصيحته للمنصوح في الخفاء، وأن يحرص الناصح علي أن تكون نصيحته لنهي المنصوح عن فعل امر أو إبلاغه بخطأ يقع فيه او غير ذلك من صور النصح الرشيد.. هكذا صدق القول الدارج: " النصيحة علي الملأ فضيحة".
هذا وقد جاء في كتابات السابقين أن السَّلفُ كانوا إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ ، وعظوه سراً ، حتّى قال بعضهم : مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبخه. وقال الفضيل: المؤمن يَسْتُرُ ويَنْصَحُ ، والفاجرُ يهتك ويُعيِّرُ".
نعم، النصيحة التي يريد بها صاحبها ارشاد آخر إلي فعل شئ بالطريقة المثلي أو نهيه عن الاتيان بفعل تبين له خطاه، لكي تؤتي الثمار المرجوة منها يجب أن تأتي في صيغة لا يواجهها ممانعة.
ويمكن أن تكون الممانعة من الشخص المتلقي أو المنصوح نتيجة كبر يجعله يشعر بأن ما يصدر عنه صواب ولا غبار عليه، وربما يكون نتيجة استصغاره للشخص الناصح أو ربما قلة ثقة في رأيه، وهنا يقول لنفسه: "من هذا الذي ينصحني ويرغب في التقليل مني ومن رأيي أو منهجي وسلوكي".
ويتعاظم كبر المتلقي للنصيحة عندما توجه إليه النصيحة بشكل غير لائق أو بطريقة تنطوي علي غرور الناصح، فيكون البعد عن النصيحة علي الملأ في سبيل افساح المجال لإقامة الحوار البناء، الذي يسعي كل طرف فيه إلي إثبات صحة موقفه، فيكون حوارا بناء لا معركة، وشتان بين الاثنين، بين حوار يتقارب فيه المتحاوران للوصول إلي كلمة سواء أما المعركة؛ فيكون فيها غالب وآخر مغلوب، وهذا يجب أن يكون في ميدان الحرب لا في مجال العلاقات بين الزملاء في العمل.
يخاطب الله تعالي نبيه الكريم وهو اكمل الخلق بقوله تعالي: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" . الآية ١٥٩ سورة إل عمران.
نصيحتي علي الملأ للكافة وهي مطلوبة حتي يعم النعم احرصوا علي اللين في النصيحة حتي يسمح المنصوح لنصائحكم وحتي يشعر المنصوح أن في نصائحكم خير له، فتكون الاستجابة فيتحقق النفع ويعم، واذكر الجميع ونفسي أن نترك الجدال ولو كان علي حق، وأن نغلب الصالح العام علي الخاص.
علينا جميعا أن نتذكر دوما قول الله تعالي مخاطبا المتكبرين: " ولا تمشي في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا". الأية (٣٧) سورة الإسراء.