ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول "ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند البيع والشراء؟ وهل ذلك يُعد من البدعة؟
قالت دار الإفتاء، إن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند البيع والشراء أمر مشروع، يثاب عليه فاعله؛ ما دام أن نيته هي ابتغاء رضوان الله تعالى وتحصيل أجر فضل الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وزيادة الرزق والبركة، والقول بأن ذلك بدعة هو ابتداعٌ في الدين بتضييق ما وسَّعه الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
أما إن كان البائع يفعل ذلك عبثًا أو بغرض شهرة المبيع، وجذب الأنظار، وبيع الأشياء الرديئة؛ فهو مكروه كراهة تحريمية؛ لكونه يُشعِر بعدم التوقير والاحترام للجناب النبوي العظيم.
أكدت أنه من المعلوم أنَّ الصلاة على النبي المختار سيد الأنام، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات والطاعات، أمر بها المولى عزَّ وجلَّ؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وحضَّ عليها رسوله الكريم فقال عليه أفضل الصلاة والتسليم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا» رواه أصحاب "السنن" الأربعة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «البَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» رواه الإمام الترمذي في "سننه".
ذكرت، أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرضٌ في العمر مرة، وسنة مؤكدة في كل حين، لا يسعُ المسلم تركها، ولا يَغفُلُهَا إلا مَن لا خير فيه. ينظر: "تفسير القرطبي" (14 /232-233).
أوضحت، أن الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم عند البيع والشراء أمر مشروع حسن؛ داخل في عموم الأمر المطلق بالصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم؛ ومن المقرر أنَّ "المطلق يقتضي عموم الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال"، فلا يجوز تقييد هذا الإطلاق إلا بدليل، وإلا كان ذلك ابتداعًا في الدين بتضييق ما وسَّعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبالإضافة إلى ما نص عليه الفقهاء من مشروعية الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع مخصوصة، منها البيع والشراء؛ قال العلامة المغربي (ت: 1119هـ) في "البدر التمام شرح بلوغ المرام" (10/ 394-403، ط. هجر): [تشرع الصَّلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم في أمور مخصوصة، وهي ستة وأربعون.. الخامس عشر: عند عقد البيع؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلّ أَمرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبدَأ فِيهِ بِحَمْدِ الله والصلاة عَلَيّ فَهُوَ أَقْطَعُ مَمْحُوقٌ مِن كُلّ بَرَكَةٍ»].
وأضافت، أن هذه المشروعية مقيدة بأن يكون ذلك بقصد العبادة واحتساب الأجر وجزيل الثواب، أما إن كان ذلك يُفعل عبثًا أو بغرض شهرة المبيع، وجذب الأنظار، وبيع الأشياء الرديئة؛ فهو مكروه كراهة تحريمية؛ لكونه يُشعِر بعدم التوقير والاحترام للجناب النبوي العظيم.
ويظهر من هذه النصوص أن مناط المنع الذي قرره الفقهاء في خصوص الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند البيع والشراء دائر مع القصد؛ فيمنع إذا صحبه ما يُشعِر بضد توقير الجناب النبوي الشريف وإجلال مقامه المنيف، من جعل الصلاة على النبي تكأةً للترويج والتدليل على جودة السلع، أما إن جرى اللسان ب الصلاة على النبي عند البيع أو الشراء بقصد الذكر والتفاؤل ورجاء البركة واحتساب الأجر الجزيل فلا محل حينئذٍ للقول بالكراهة، بل يتوجه القول بالاستحباب؛ لما تقرر أن "الأمور بمقاصدها".
فإذا انضاف إلى ذلك قصد البائع أو المشتري إحداث حالة يلفت فيها نظر المستمعين له إلى أن تلهج ألسنتهم أيضًا بالصلاة على النبي؛ فيؤجر على ذلك من حيث فضيلة الذكر في السوق ومواضعِ الازدحام بين الغافلين؛ ولا يخفى ما في ذلك من تحصيل الأجر وكسب الثواب، وإن لم يحصل بيع أو شراء.
وقد جرى فعل المصريين منذ أمدٍ بعيدٍ على ذكر الله تعالى و الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند بيعهم وشرائهم، مبتغين في ذلك رضوان الله سبحانه وفضل الصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يتمّ البيع والشراء؛ قال إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي في "الخواطر" (17/ 10281، ط. مطابع أخبار اليوم) عند تفسير قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37]: [وقد كنا في الصِّغَر نسمع في الأسواق بين البائع والمشتري، يقول أحدهما للآخر: وحِّد الله، صَلِّ على النبي، مدَّح النبي، بالصلاة على النبي، كل هذه العبارات انقرضت الآن من الأسواق والتعاملات التجارية وحَلَّ محلَّها قيم وعبارات أخرى تعتمد على العَرْض والإعلان، بل الغش والتدليس. ولم نَعُدْ نسمع هذه العبارات، حتى إذا لم يتم البيع كنت تسمع البائع يقول: كسبنا الصلاة على النبي، فهي في حَدِّ ذاتها مكسب حتى لو لم يتم البيع].