كتبت: أمل إبراهيم
من بين ما تشتهر به مصر دون غيرها من سائر البلاد هو إقامة الموالد الشعبية، وهي مناسبات للاحتفال الديني بيوم مولد أو وفاة ولي من الأولياء الصالحين، والغرض من هذه الاحتفالات تكريم صاحبها وليس البكاء عليه.
وفقا لكل الدراسات المتخصصة بالفنون الشعبية والتراثية لايوجد عدد محدد للموالد في مصر، بينما تذهب "الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية" إلى أن عدد الموالد الإسلامية والمسيحية حوالي 2850 مولدا، يحضرها حوالي 40 مليون شخصا.
وتنتشر هذه الموالد في كل المحافظات من الدلتا إلى الصعيد والقاهرة والإسكندرية، وما يتشابه في هالموالد الإسلامية والمسيحية، إذ تنتشر هذه الموالد في مدن ومراكز وقرى مصر من جميع المحافظات بلا استثناء.
وعلى الرغم من أن مصطلح "المولد" يُقصد به الاحتفال بيوم ميلاد شخص كما يتضح من لفظه معجميا، إلا أن الغاية الرئيسية منه تمثلت - ولا تزال - في تمجيد شخصية دينية وإحياء ذكراها، بغض النظر عن مراعاة تقويم بعينه يحدد ميلاده بدقة.
كما يهدف إلى ترويج الاعتقاد في شخص الولي أو القديس، استمرارا للترابط بين المعتقد الشعبي والشعائر الدينية المقدسة.
الأولياء
أصبحت المعتقدات الخاصة بالأولياء جزءا من الثقافة الشعبية المصرية، الشفهية والمكتوبة، التي تجسد عالما ماديا وروحيا لشخص تحول إلى رمز ديني لدى جماعة محلية، اعتمادا على إيمان هذه الجماعة بقدراته الخاصة في تحقيق "خوارق" في بيئتها.
وتنظر الثقافة الشعبية للولي على أنه حلقة وصل بين حياة وموت، لأنه حي في الفكر الجمعي، على الرغم من موته في عالم الواقع، يتصلون به من خلال زيارة قبره أو رؤيته في الأحلام، كما يعتقدون في أن خوارقه، التي يطلقون عليها "كرامات"، تمنحهم الغلبة على العجز والمرض، أو تأمينهم من مصير مجهول في المستقبل. لذا، يحرصون على إحياء سيرته ومناقبه بالاحتفال بمولده و"التبرك" بزيارته.
ويصعبتقسيم "الموالد" في مصر، إلا أنه يمكن تصنيفها بحسب أهميتها الدينية وحجم الاحتفال بها، كموالد أولياء "كبرى"، مثل موالد الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة في مدينة القاهرة، وموالد بعض أولياء رجال الصوفية، مثل مولد المرسي أبو العباس في مدينة الإسكندرية، ومولد السيد أحمد البدوي في مدينة طنطا، ومولد السيد إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، وهي موالد عامة لا يقتصر الاحتفال فيها على أتباع بعينهم، بل يشارك فيها الجميع، ومنهم من يأتي من مدن أخرى للاحتفال، وذلك مقارنة بموالد "صغرى" يُحتفل بها على نطاق ضيق في قرى متفرقة في شتى أرجاء مصر.
نذور
ويحرص المحتفلون على تقديم أطعمة معينة في هيئة "نذور" يقدمونها لبعض الأولياء، ترتبط عند الناس بحوادث معينة، مثل تقديمهم "الفول النابت" خلال الاحتفال بمولد السيدة زينب، و"العدس" في الاحتفال بمولد الحسين، و"الخبز" في الاحتفال بمولد السيد أحمد البدوي.
وتستوعب الموالد عناصر دينية وغير دينية، تلبي اهتمام المحتفلين بمختلف أعمارهم، وتتميز بمظاهر شعبية خاصة مثل "الزفّة"، أو ما يعرف بموكب الخليفة، إلى جانب حلقات ذكر القرآن، وخدمة المولد، والسوق، والألعاب، وسهرة المولد الكبرى التي يُطلق عليها "الليلة الكبيرة".
سرداقات
وتقام سرادقات كبيرة، كما يحدث في احتفالات مولد السيدة زينب في مدينة القاهرة على سبيل المثال، يجتمع فيها زوار المولد و"المريدون" لكراماتها، فضلا عن إقامة سرادقات تحمل لافتات طرق صوفية دينية تشارك في الاحتفال، مثل الطريقة "الأحمدية"، و"الشاذلية"، و"البراهمية"، و"الرفاعية"، إذ تجتمع كل طريقة بأتباعها في حلقات ذكر القرآن، مع الوقوف في صفوف متقابلة أو دائرية، مرددين عبارات دينية وأدعية.
الحكام والموالد
استغل غالبية من حكموا مصر هذه الموالد لتأسيس قاعدة شعبية لهم، وكذلك اهتم قائد الحملة الفرنسية على مصر نابليون بونابرت بعد احتلال مصر (1789) بالموالد وخاصة الاحتفال بالمولد النبوي، وأرسل لنقيب الأشراف في مصر نفقات الاحتفال.
وفى عهد الملك فؤاد، توسعت الاحتفالات، وكان يتم إقامة ساحات الاحتفال بالمولد النبوي في العباسية، وكذلك بقية الموالد الأخرى.
وأيضا أبدى روؤساء مصر منذ ثورة 23 يوليو اهتماما بالموالد بشكل عام، وخاصة المولد النبوي، بداية العام الهجري، إذ يحرصون على حضور هذه الاحتفالات وإلقاء الخطب بها. واعتبروا أن التنسيق مع الطرق الصوفية أحد أهم أسلحة محاربة الفكر المتطرف منذ السبعينيات.
وبعيدا عن المظاهر الدينية، يعتبر المولد مناسبة تجارية هامة لبيع شتى البضائع من خلال سرادقات بيع الحلوى، واللعب، والأطعمة الشعبية، والحلي المصنوعة من المعادن الرخيصة، والتذكارات، والملابس، فضلا عن افتراش الفقراء من الباعة أرض الاحتفال بالمولد لبيع مالديهم في هذه المناسبة.
الشعبوية
وتعرضت الممارسات الشعبية حول أضرحة الأولياء خلال الموالد إلى معارضة شديدة بين الحين والآخر، من بعض الجماعات الأصولية، استنادا منهم إلى بعض الأحاديث النبوية، ووصفها بأنها "بدع" لا تمت للدين الإسلامي بصلة. لذا، جنح المعتقد الشعبي إلى اختصار بعض الطقوس تجنبا لمعارضة التيارات الإسلامية، فانتخب نوعا من الممارسات اقتصرت في بعض الأحيان على ذكر القرآن، وتحريم الطواف حول الأضرحة لكونها من طقوس الحرم المكي وحده.
كما دمجت بعض القرى الاحتفال بعدد من الأولياء في محيط القرية والقرى المجاورة في مولد واحد كبير، تجنبا لمعارضة أصحاب الآراء المعارضة لإقامة الموالد، بل ربطوا أحيانا الاحتفال بمولد معين باحتفالات العيد القومي للمدينة.
