بعد إطلاق أول برنامج متخصص لتقديم الدعم النفسي للسيدات .. أمل جديد لضحايا العنف الأسري

بعد إطلاق أول برنامج متخصص لتقديم الدعم النفسي للسيدات .. أمل جديد لضحايا العنف الأسريبعد إطلاق أول برنامج متخصص لتقديم الدعم النفسي للسيدات .. أمل جديد لضحايا العنف الأسري

منوعات29-12-2023 | 01:29

رغم التطور الحضاري والتكنولوجي الكبير الذي تشهده البشرية في زماننا المعاصر، إلا أن أخلاق المجتمعات تواجه نوعا من التراجع إلى الخلف، ويظهر ذلك في انتشار الظواهر السلبية في المجتمع ومن أخطر وأبرز هذه الظواهر هى ظاهرة العنف الأسري التي اتخذت أشكالا متنوعة وتسببت في حدوث أضرار جسدية ونفسية لأفراد الأسرة، وتركت خلفها ضحايا يحتاجون للدعم النفسي والاجتماعي، ورغم الجهود المبذولة في مواجهتها، لاتزال تحتاج إلى المزيد، وفي السطور أسباب وطرق علاج وجهود جديدة في سبيل ذلك .

المشاكل الأسرية والعائلية مثل العاصفة الهوجاء تبدأ صغيرة ثم تتعاظم وتشتد وتتسبب في حدوث الأضرار، وقد تتحول إلى إعصار طاحن يدك ما كان عامرا جميلا ويتركه محطما قبيحا ويُخلف وراءه المصابين والضحايا، وما العنف الأسري إلا ظاهرة فتاكة تسببها المشكلات الاجتماعية الصغيرة التي يؤدي تراكمها وعدم معالجتها إلى هذه الحوادث البشعة التي انتشرت ليس في مجتمعنا فحسب، بل في مجتمعات العالم كله تقريبا.


وفي إطار مواجهة السلبيات الناتجة عن ظاهرة العنف الأسري واستكمالا لجهود مبذولة على مدار السنوات السابقة أطلق المجلس القومي للمرأة ممثلًا في مكتب شكاوى المرأة أول برنامج متخصص لتقديم الدعم النفسي للسيدات اللاتي يتعرضن للعنف الأسري من خلال مجموعة متخصصة من الأطباء والأخصائيين النفسيين، وذلك بالتعاون مع مشروع الوكالة الأسبانية وبالشراكة مع مبادرة "براح آمن" ، حيث يسعى المجلس دائمًا، لتقديم خدمات الدعم النفسي المتقدمة والكاملة للسيدات عن طريق التوسع في ضم جهات شريكة رائدة بالمجال النفسي، بالإضافة إلي العمل علي زيادة الشراكة المجتمعية وتكوين شبكة من الداعمين النفسيين المتخصصين لتغطية كافة الخدمات النفسية المطلوبة.


وأكدت الأستاذة أمل عبد المنعم مديرة مكتب شكاوي المرأة بالمجلس القومى للمرأة، ان فعاليات البرنامج تضمنت إجراء جلسات فردية مع السيدات للتعرف علي مشاكلهن بشكل خاص وتحديد مصادر الدعم وتقييم الوضع النفسي بشكل فردي لكل سيدة، ومن ثم تقديم الدعم العاطفي لهن والدعم المعلوماتي الذي يمكنهن من التعامل مع مشكلاتهن، ومساعدتهن علي التعافي بشكل أفضل، وأشارت إلى أن فعاليات البرنامج تضمنت تنفيذ برامج متخصصة لأطفال السيدات من خلال تنفيذ مجموعة من الأنشطة عن طريق فريق من المتخصصين من المجلس القومي للمرأة فى التعامل مع الأطفال، كما أن مكتب شكاوى المرأة يتلقى الشكاوى الخاصة بانتهاك حقوق وحريات المرأة ويقوم بإحالتها لجهات الاختصاص والعمل على حلها مع الجهات المعنية وتوفير المساعدة القضائية اللازمة، عن طريق علي الخط المختصر ١٥١١٥ او المقابلة الشخصية أو عبر تطبيق الواتساب على رقم ٠١٠٠٧٥٢٥٦٠٠

وتفسر د.هند فؤاد السيد أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن العنف الأسري فى المجتمع المصرى أصبح ظاهرة أكثر انتشارا ليس على المستوى المحلى فقط بل أيضا على المستوى العالمى، إذ يشير المسح الصحى للاسرة المصرية لعام ٢٠٢٢ ان ثلاثة من بين كل عشر سيدات سبق لهن الزواج فى الفئة العمرية (١٥- ٤٩) انهن تعرضن لبعض صور العنف من قِبل الزوج، وذكرت ٢٦٪؜ أنهن تعرضن للعنف الجسدى و ٢٢٪؜ تعرضن للعنف النفسي و ٦٪؜ تعرضن للعنف الجنسى، وعلى الرغم من جهود الدولة التى تبذلها فى مناهضة العنف الاسري ضد الإناث وخاصة جهود المجلس القومى للمرأة ووزارة التضامن الاجتماعى ودار الإفتاء المصرية وغيرها من المؤسسات إلا أن ذلك لا ينفى تزايد وبروز العنف الأسري من قبل بعض الأزواج ضد زوجاتهم.
وأوضحت فؤاد، أن هذا العنف الاسرى يدور ضمن الشأن العائلى ولا يصرح عنه إلا من قبل القليل من النساء المعنفات او بعدما تحملت فوق طاقتها لمدة زمنية طويلة من أجل الأبناء ولعدم وجود مأوى آخر لها، مشيرة إلى أنه من خلال نتائج العديد من الدراسات والبحوث أثبتت ان النساء بحاجة لاماكن استضافة تكون على علم بها وتوفر لها الدعم النفسى وسبل الحماية القانونية والاجتماعية وهذا موجود بالفعل فى دور الاستضافة التابعة لوزارة التضامن الاجتماعى لكن ما ينقصها هو الإعلام عنها والمتابعة النفسية المستمرة للمعنفات وشمول استضافتها هى وابنائها، هذا بالإضافة إلى البرنامج الذى أطلقه المجلس القومى للمرأة، ويهتم بهذه الجزئية التى تحتاجها المعنفات والتى أقرتها نتائج البحوث والدراسات التى يجريها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فهى مبادرة مهمة واتمنى ان تنتشر على مستوى المحافظات جميعها لان العنف ضد المرأة غير قاصر على المناطق الحضرية فقط بل ارتفعت معدلاته بين المناطق الريفية ايضا ولهذا وجب الاعلان عن هذه المبادرة واماكن الدعم النفسى التابعة لها.
وأكدت فؤاد، أن ما يقدمه هذا البرنامج الأول من نوعه من دعم نفسى وعاطفى للمعنفات ولأبنائها يعد جزء مهم فى علاج أعراض الظاهرة ولكن يحتاج العلاج ايضا للبحث فى أسباب تزايد العنف الاسرى من خلال الدعم القانونى والتشريعى للنساء وسرعة البت فى رد حقوقهن لانهن فى الغالب يكن ضحية من ضحايا التفكك الاسري وأولادهن ايضا وتقع مسئولية تنشئة الابناء عليهن بمفردهن مما يشكل عبء مادى ونفسي واجتماعي عليهن يحتاج لدعم وجهود من الدولة بشكل كبير.

وتنتقل بنا د.عزة زيان استشاري العلاقات الاسرية، إلى نقطة فى غاية الأهمية، قائله: مما لا شك فيه أن جميع أشكال العنف تولد الكراهية بين جميع أفراد الأسرة، وللأسف الشديد قضية العنف الأسري ظاهرة مستمرة ولا تنتهى وهناك نوعان من العنف الأسري الأول العنف المعنوى، أما النوع الثاني العنف المادي وهناك عنف متبادل بين الأزواج ضد الزوجات والعكس، وأسباب العنف الأسري جزء منها معلن بينما الآخر خفى ولا يقوله الزوجات والازواج علناً ولكن يقال فى الخفاء ولعل أهمها توتر العلاقة الحميمة بين الزوجين، تدخل الأهل وخصوصاً الحموات واخوات الازواج فهم يدمرون الحياة الأسرية دون أن يدروا، وبالنظر إلى أسباب معظم المشاكل الأسرية نجد أن سببها تدخل الأهل، أما بالنسبة للأسباب المعلنة أهمها الضغوط الاقتصادية بالتزامن مع عدم الرضا يولد عنف أسري.
أما عن أسباب العنف المعنوى فهى لا تعد ولا تحصى واشكاله كثيرة جداً ولعل اهمها الاستهتار والاهمال وعدم المشاركة المتعمدة عنف أيضاً التهديد المستمر بالانفصال، تهميش الزوجة، السباب والشتم، الزواج بأخرى، أما بالنسبة لأسباب العنف المادي فهو له اشكال مختلفة أيضاً وتتمثل فى الزق، الحرق، الكوى، استخدام آلة يد، حتى محاولات القتل المتعمد، عنف الزوجات ضد الأزواج، عنف الأطفال ضد الامهات والاباء.
وأوضحت زيان، أن الشك والغيرة القاتلة وتدخل الاهل بين الزوجين من أهم أسباب العنف الأسري. كما أن عدم الاتفاق على أسلوب واحد لتربية الأطفال يولد مشاكل وخلافات بين الزوجين ومن هنا ينشأ العنف الأسرى، وكذلك الإهمال بين الزوجين بعد انجاب الاطفال والانشغال بالمسؤوليات يجعل الزوج يشعر انه "درجة ثانية" وبالتالي يتذمر ويُصبح عنيفا ويسلُك سلوكيات صعبة مع زوجته، ويقوم بعلاقات مع أخريات وهذا يمثل عنف معنوى للزوجة، كما أن عدم التقدير بين الزوجين يعد أحد أهم هذه الأسباب، فحينما يشعر الزوج او الزوجة بعدم التقدير يكون عنيف مع الآخر كرد فعل لهذا التهميش، كذلك اصدقاء السوء من الطرفين لأنهم ينصحوا نصائح ضد الاستقرار الأسرى للأسف الشديد، فضلا عن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي التي تسببت في مشاكل كبيرة أدت إلى العنف الأسري، كما أن شاشات التلفزيون والدراما والسينما والميديا نفسها احيانا تصدر لنا مشاهد عنف ضد الأزواج وصور مشوة مغايرة عن الواقع، وصور أخرى تبالغ كثيرا في تصوير الرومانسية بين الازواج والزوجات مما يؤدى إلى ان الكثير من الزوجات تطالب أزواجهن بالتعامل معهن بنفس الصورة وطبعا يصطدمن بالواقع وبالتالى تواجهن الاحباط ونوعا من عدم الرضا مما يسبب أنواع متعددة من المشاكل مع الزوج ومن ثم يتولد العنف الأسري.

وأشارت زيان، إلى أن ظاهرة العنف الأسري موجودة وستظل إلا إذا حدث تغير جذرى فى المعتقدات والأفكار وطريق التعامل والسلوكيات والتصرفات مع الشريك، وعلاج هذه الظاهرة يتطلب الرجوع إلى الشريعة الإسلامية التى نظمت طريقة التعامل الصحيحة مع الشريك و الأسرة ككل وما هى الحقوق والواجبات التى يجب مراعاتها وحدود كل منهما، كما نحتاج إلى الرجوع إلى أصول التربية الصحيحة للأبناء وكيفية تنشئة أبنائنا تنشئة سليمة بحيث يكونوا زوجات وازواج صالحين فى المجتمع،
ومن أهم طرق العلاج الرجوع للحوار الهادىء القائم على الاحترام المتبادل بين الطرفين، وتوافر الرغبة من الشريكين فى الحفاظ على استقرار الأسرة وعدم اثارة المشاكل الأسرية، إضافة إلى مراعاة عدم تدخل الآخرين فى حياة الزوجين، وعدم إفشاء الأسرار، حيث أن تراكم المشاكل بين الزوجين من أخطر أنواع العنف الأسري، لذا ينصح عند وجود مشكلة ما أن يتم مناقشة المشكلة الحالية فقط دون النقاش فى مشاكل ماضية.
وأكدت زيان، ان أى مقترح أو برنامج جديد لابد أن يكون له إدارة حكيمة قادرة على تنفيذه بشكل متوازن مع الواقع الفعلى وليس منفصلاً عنه، خصوصا ان هناك البعض يقدم العديد من المشاريع والمقترحات غير الواقعية وبالتالى يصعب تنفيذها على أرض الواقع، اما إذا كان المقترح جيد والادارة حكيمة والتنفيذ سليم بالتأكيد تكون النتيجة مثمرة.


وتقول صفاء على حسن المحامية المتخصصة بشئون المرأة ورئيس أمناء مؤسسة سيداو، ان العنف الاسري ظاهرة جديدة وغريبة علي المجتمع المصري ليس في ظهورها فقط ولكن في أساليب العنف في الأسرة، ولها اشكال واساليب مختلفة واشد قسوة وفظاعة، بداية من ارتفاع الصوت مرورا بالتعنيف والضرب نهاية بالقتل واحيانا التمثيل بالجثث مثل "الام التي قتلت ابنها وسلقته وأكلت جزءا منه"، وأصبحت حوادث العنف الأسري متكررة نطالعها في الصحف وعلى السوشيال ميديا وفي وسائل الإعلام المختلفة كل فترة، وبمتابعة هذه الحوادث نتبين أن كل فرد في الأسرة تقع عليه ضغوطات ما في حياته ولا يستطيع مجابهتها أو الرد عليها وتتراكم داخله بشكل كبير فيقوم بالتنفيس عنها علي الطرف الأقل والأضعف منه في الأسرة أي الزوج على الزوجة، الأم على أبنائها، الاخ الاكبر علي الاصغر، والاصغر علي الذي يليه وهكذا، وبالتالي وجدنا أنفسنا في دائرة عنف اسري لا تنتهي غرابة العنف في فظاعته ان تجد اب يعذب ابنه او ابنته بغرض التربية وذلك بالضرب أو الكي بالنار او الحبس والحرمان من الطعام. ففى الماضى كان الأب يربت علي كتف ابنه وابنته بهدوء والأبناء يستمعون إلى نصائح ابائهم في ادب جم وحتي لو ردوا عليهم يكون الصوت الهادئ والعيون تنظر في الأرض لا ترتفع احتراماً للكبير، نحن الآن نجد الإبن يتجرأ علي والده او والدته بل ويرفع ايديه عليهم، فهناك عنف متبادل على الرغم من التقدم العلمي المذهل الذي وصلت له البشرية إلا أنها أصبحت ظاهرة منتشرة كأنها وباء، وبالتالي المصابين بالعنف أو المعنفات لابد من علاجهم لانهم نتيجة للعنف أصبحوا مرضى نفسيين ويُخرجوا هذا العنف على الأضعف منهم عند تكوين أسرة لذا يجب علاجهم اولا.
جريمة مجتمعية
وأشارت إلى أن الأمر الثاني لعلاج هذا العنف، استخدام التكنولوجيا والعلوم المتقدمة التي انتشرت في كافة المنازل وبث برامج تعليمية وتوعوية عن نتيجة العنف الأسري وأثره على الأسرة التي هي اللبنة الأولى في المجتمع، ثالثا عمل دورات تدريبية للمقبلين على الزواج لتهيئتهم نفسيا واجتماعيا لبناء أسرة سوية ومفيدة للمجتمع، هذا بالإضافة إلى قيام خبراء علم الاجتماع وعلم النفس بعملهم المنوط بهم تجاه هذه الظواهر وتفعيل دورهم من جانب الدولة والاعتراف بالمرض النفسي لأنه أشد الأمراض فتكًا على الإنسان من الأمراض العضوية.
واضافت، من أغرب القضايا التى واجهتني وتواجهني يوميا خلال عملي كمحامية متخصصة فى شئون المرأة والطفل هو تجارة الاباء بابنائهم، يبدو ان الاسم غريب اليس كذلك، بمعنى أنه يحدث خلافات بين الزوجين يقوم الأب بطرد الزوجة والأبناء أو هي تغضب وتترك منزل الزوجية باولادها ويصل الامر إلى المحاكم، وهنا تبدأ المتاجرة بالأبناء، كل طرف من الزوجين يفعل ما يغضب الطرف الآخر ويستخدم الأبناء فى ذلك، فهم ضحية للاسف الشديد، وأشرس قضية عنف أسري تابعتها وأعرف أبطالها جيداً أب وأم دائما ما كانت بينهم خلافات والأم تتحمل لأجل الأبناء واهلها يردوها إلى الزوج الذي لم يراع الله فيها ولا في أبنائها حتى رفعت خلع وقبل النطق كان هو رافع دعوى رؤية وفي ظل الخلافات تتحمل الأم ( كما قيل) وقتلت ابنائها الثلاثة بحبة الغلة في الآيس كريم، هذه الجريمة تحديدا انا ارى ان الكل شارك فيها وليست الأم القاتلة فقط، الأب الذي كان يذل الأم، ووصل بها إلي درجة الجنون والأهل الذين رفضوا الوقوف بجانبها حتى الجيران بسكوتهم وسلبيتهم وخوفهم على أنفسهم فالعنف الأسري جريمة مجتمعية في المقام الأول ويقياس عليها كثير من الجرائم، لذلك، مما لا شك فيه أن البرنامج الذى اطلقه المجلس القومي للمرأة لدعم ضحايا العنف الأسري يعد مبادرة رائعة إذا تم استخدامها بشكل صحيح، وتقديم الخدمات النفسية والاجتماعية التي تحدثت عنها فى السابق، كما أنه يفيد المرأة وسوف يرفع عن كاهلها أعباء كثيرة، بل ويساهم هذا البرنامج الأول من نوعه فى إنقاذ أسر كثيرة في المجتمع تعاني من هذه الظاهرة.

أضف تعليق