الاكتئاب .. المسمار الأخير فى نعش «المنتحرين»

الاكتئاب .. المسمار الأخير فى نعش «المنتحرين»الاكتئاب .. المسمار الأخير فى نعش «المنتحرين»

* عاجل24-9-2018 | 22:51

تحقيق: مروة علاء الدين
تشعر وكأنك تشاهد فيلما سينمائيا، أو تقرأ رواية رعب، أو تحلم حلما كابوسيًّا، لكنها للأسف أحداث واقعية جدا، عن شباب قرروا فى لحظة (اوصفها كما شئت) أن يغادروا الحياة بالانتحار، وهى كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فكيف يجرؤ شاب فى عمر الزهور على إنهاء حياته بيده.
لقد شهد شهرا يوليو وأغسطس لعام ٢٠١٨ أربع حالات انتحار تحت عجلات مترو الأنفاق، والسؤال هل عدد الحالات يمثل ظاهرة، أم هو النشر على وسائل التواصل الاجتماعى الذى لفت النظر للظاهرة، أم تصريحات المتحدث الرسمى لمترو الأنفاق؟!
فى كل الأحوال، ولو حتى كانت حالة واحدة، لابد أن نسأل ما الدافع وراء ذلك الحادث، ولماذا يفكر الضحايا بمترو الأنفاق - تحديدا - كوسيلة للانتحار؟!.
4  حالات انتحار مع سبق الإصرار والترصد، هذا ماتم كشفه بعد تفريغ كاميرات محطات المترو التى حدثت بها  الوقائع .
الأولى.. حينما ألقت إحدى الفتيات أول شهر يوليو الماضى  "أميرة يحيى"، في العشرينيات من عمرها مقيمة بشارع مجمع الأديان، وكانت تمر بأزمة نفسية حادة،  بسبب خلافات أُسرية مع أشقائها ومعايرتها بأنهم مسؤولون عن مصاريفها منذ وفاة والدتها من خمس سنوات فى حادث سير، ما دفعها للتخلص من حياتها أمام  القطار رقم ١٢٤بمحطة مار جرجس ، فصدمها القطار ولقت مصرعها على الفور.
الثانية .. والضحية فيها يدعى أشرف محمد سيد اللاهوني، 22 عامًا، من قرية فيديمين التابعة لمركز سنورس بمحافظة الفيوم ألقى بنفسه أسفل عربات مترو المرج رقم ١١٩، نهاية شهر يوليو الماضى، حيث كان يبحث عن فرصة عمل بعد تكريمه من أوائل كلية التربية قسم الكيمياء لهذا العام.
الثالثة.. المنتحر فيها يدعى محمد إبراهيم من محافظة المنيا ويبلغ من العمر 18 سنة، انتحر أسفل عجلات مترو الأنفاق بمحطة أحمد عرابي بالقاهرة صباح يوم الاثنين الموافق نهاية شهر يوليو، حيث جاء للقاهرة بهدف الحصول على فرصة عمل.
الرابعة.. سيدة تلقى بنفسها مساء اليوم الاثنين 8/13 تحت مترو الأنفاق بمحطة عين شمس اتجاه حلوان الخط الأول، ولقت مصرعها فى الحال.
وغير ما سبق هناك 6 حالات انتحار أخرى، حدثت خلال يومين، منها انتحار عامل بمصنع ملابس في الإسكندرية بسبب زوجته، وانتحار ربة منزل شنقت نفسها بسبب مرضها، وأخرى ألقت نفسها من الطابق الخامس ، وانتحار "حدث" بشنق نفسه بقرية البربا التابعة لمركز صدفا بأسيوط دون معرفة السبب، وانتحار شاب داخل مسكنه بأوسيم، على أثر دخوله فى أزمة نفسية، حيث شنق نفسه بسقف غرفته ، وانتحار موظف بالقفز من منور عقار بسبب خلاف مع والدته بالإسكندرية.
ما السر الرهيب الذى يقف - فى الغالب - وراء هذا القرار؟! ولماذا اختار البعض الأماكن العامة للتخلص من حياتهم؟!، وهل هناك علامات مسبقة يمكن أن تشير إلى شخص ما تراوده أو تعتمل بداخله فكرة التخلص من حياته؟! ثم ما السبيل لمنع تلك الكارثة من أن تتحول إلى ظاهرة؟!
توجهت "دار المعارف" بالأسئلة السابقة إلى عدد من المتخصصين وكانت إجاباتهم كالتالى:
(1)  أسباب حوادث الانتحار بين الشباب
فى الإجابة عن الأسباب التى تقود إلى النهاية الماساوية، قالت زينب مهدى المعالج النفسى، وخبير التنمية البشرية: إن مرحلة الشباب هي ما بين 21 عامًا وحتي 40 عامًا ، وهي المرحلة العمرية التي كثرت فيها ظاهرة الانتحار فى الآونة الأخيرة، والسؤال هنا لماذا هذه المرحلة بالتحديد التي يحدث فيها الانتحار؟ وهذا  لأنه من الناحية النفسية تلك المرحلة يريد فيها الإنسان الاستقرار المادي والزواج، بمعني آوضح لو أخذنا المراحل النمائية من البداية للنهاية لوجدنا أن كل مرحلة يمر بها الإنسان يكون لها متطلباتها ، مثال مرحلة الطفولة تتطلب العطف والاحتواء وشعور الطفل بالأمان،  المراهقة تتطلب احترام شخصية المراهق وأنه لم يعد طفلا وله شخصية ورأي.
أما مرحلة الشباب وهي مرحلة الاستقرار فيها يريد الشاب أن يتزوج ويعمل حتي يستقر نفسيا وماديا،  ولكن للأسف كثير من الشباب لم يحصلوا علي العمل وبالتالي لا يأتي الزواج ومن هنا يبدأ الشعور بالإحباط يتسع ويتسع حتي نصل للذروة وهي  نقطة اليأس التي تكون بوابة للإصابة بمرض الاكتئاب الذي من أهم علاماته الأفكار الانتحارية والنظرة السوداوية للمجتمع.
 وأضافت "مهدى" أنه لابد أن نؤكد علي أعراض الاكتئاب و نأخذها بعين الاعتبار وهى مثل:  الشره أو فقدان الشهية ، النظرة السوداوية للمجتمع ، هبوط الهمة وكره الحياة ، الإهمال في الذات وعدم التفكير في المستقبل، إنهاء الحياة والتفكير في الانتحار ثم تنفيذه, وهذا ما حدث مع كثير من الحالات التي رأيناها في الآونة الأخيرة.
أما عن علاج انتشار مشكلة الانتحار فأضافت  زينب مهدى أنه علي الوالدين أن يغرسوا في نفوس أطفالهم مبدأ المرونة وهو يعني أنه ( لا تقف الحياة علي شئ وإذا فقدت شئ سوف تكسب أشياء أخري )، والإيمان بالله وبأن الحياة اختبار ولابد أن ننجح فيه.
مع عدم الاستهزاز بما يقوله الشخص المكتئب مثلا ( أنا هنتحر ) تلك الكلمة لو قالها فلابد أن نضع ذلك في عين الاعتبار بأنه قادر علي تنفيذ القرار في أي لحظة دون تردد أو خوف، مع إمداده بالاحتواء والحب لأن شخصية المكتئب هي شخصية حساسة للغاية.
 (2)تعريف الانتحار وأسباب انتشاره
" الانتحار سلوك يقوم به أحد الأشخاص نتيحة التعرض للصدمات والفقد والتعرض للأمراض النفسية نتيجة عدم التحلي بالمرونة مع ظروف الحياة وتقلباتها وعدم زرع الإيمان الحقيقي في القلب منذ الصغر والتعود علي الصبر، وهي ظاهره  موجوده منذ وجود الخلق ولكنها تزداد بكثره تلك الأيام وخاصة في مجتمعنا العربي المسلم.." هذا ما بدأت به "مرفت رجب" استشاري صحة نفسية وأسري وتربوي .
الانتحار له أسباب عديدة وتبدأ بالشعور باليأس والإحباط ويبدأ العقل في التفكير وتزداد الأفكار والتذبذب ويبدأ الشخص يقنع نفسه أن الموت راحة له من الألم النفسي الذي  يعاني منه،  ورغم أن الموت يخافه الجميع وهو أيضا إلا أنه يفضله علي حسب أفكاره عن مايشعر به من ألم علي اعتقاد منه أنه سيريحه من الألم والأحزان.
وأضافت: أن من أسبابه أيضا الإصابة بالأمراض النفسية مثل الاكتئاب والفصام واضطراب ثنائي القطب حيث تبدأ المنطقة الرمادية في الدماغ بإرسال إشارات غير صحيحة علي الدوام وتبدأ الأفكار الانتحارية تراود الشخص المصاب ..
ويبدأ الشخص قبلها يذكر أنه غير راغب في الحياة والموت أفضل، ويمتلئ قلبه بالحزن واليأس ويجب الانتباه لهذا اإاحساس والتوجه فورا للاستشاري أو الطبيب النفسي المختص قبل فوات الأوان، ويجب أن يقتنع تماما أو من حوله أنه الحل الوحيد وانه يوجد علاج وسيكون بخير ..
أما عن انتشار هذه الظاهرة فقالت :  هى بسبب قلة الإيمان والوعي بقدرة الله علي تخطي كل الصعاب، وعدم التدريب علي التكيف والمرونة في حياتنا العملية والاجتماعية، والتعامل العاطفي وكيفيه التعامل مع الفقد والخسارة،  وايضا التأثر بالغرب وأفكارهم وثورة انتقال الأفكار المدمرة لحياتنا كمسلمين وعرب، وايضا تسليط الاعلام علي المسلسللات الكئيبة والتي تدعوا إلي الأحباط والتشائم فنحن نحتاج إلي نشر الفرحه والتفاؤل والدعم النفسي الجيد فالاعلام له دور كبير في حياه كل فرد ..
وعن سر اختيار الاماكن العامة للانتحار فتقول:
هي تدل عن الصراع الداخلي الرهيب داخل الشخص المنتحر ويختار مكان عام للإعلان عن ما بداخله وهذا علي حسب فكره واعتقاده هو  فيقوم  بتفجير ما بداخله أمام الناس حتي يفيق من تسببه في احباطه واتخاذه قرار الانتحار ..
وللوقايه من ذلك ندعوا الاسر علي بث الروحانيات في المنزل ورفع الايمان في قلوب الابناء والحث علي التفاؤل وزرع القيم والمبادئ ، وعلينا أن نبدا بأنفسنا حتي نستطيع تعليمه لابناءنا ، والبعد عن القسوه والعنف الاسري والزوجي علي الازواج والزوجات والابناء .. والتفاهم وانشاء حوار بناء بين أفراد الأسرة والتحلي بالصبر والرحمة في التعامل، وحينما يشعر احد أفراد الأسره بأي أعراض نفسية حتي لو لم يصرح بالانتحار عليه بالتوجه فورا للاستشاري النفسي حتي لا تقع الكارثه ويقوم بالانتحار..
 (3)تعريف الانتحار وأسباب انتشاره
وقالت سارة ممدوح مدرب تنمية بشرية واستشارى علاقات أسرية وتربوية واستشارى الصحة النفسية لـ "دار المعارف" إن الله حرم على عباده قتل انفسهم، ونهى عنه نهيا واضحا وصريحا، ولكن بعض الشباب  ينساق فى لحظة إلى ارتكاب جريمة فى حق نفسه ومخالفة كبيرة لشرع الله.
إن الانتحار جريمة لا شعورية فلا يفكر المنتحر فى الذنب الذى يرتكبه ولا فى حق الله عليه ،إنه يفكر فقط فى كل الطرق المسدودة أمامه الذى لا يجد لها حلًّا من وجهة نظره.
وأشارت "ممدوح" لقد سمعنا ورأينا كثير من حالات الانتحار، حيث بدأ ينتشر أكثر واكثر ونسمع عنه بشدة منذ عام 2011 .
وأوضحت أنه من وجهة نظرالمنتحر أمام الاماكن العامة أنه يرسل رسالة لمن يريد أن يعلم  سبب ما حدث له ويرمى كل اللوم عليه ويرتاح من تأنيب ضميره، فهو يريد أن يعرف اشخاص بعينهم أنه انتحر بسببهم فيرمى بنفسه عند أى مكان يوجد فيه حركة من البشر كثيرة أو مكان حيوى.
 وأضافت: غالبًا ما تعود أسباب انتحار الشباب إلى الظروف التي يمرون بها، وللضعوط  اشكال كثيرة تجعل الانسان يصل إلى مرحلة من مراحل الاكتئاب وعندها يفكر فى الانتحار.
وأشارت سارة ممدوح أن طريق الانتحار يكون آخر ممر يسلكه المنتحر بعد إغلاق كل الطرق امامه ويعتبر هروب من حياة لا تطاق فالشعور باليأس اقوى شعور يتحول إلى التخلص من الحياة بأى  طريقه بدون تفكير، والأشخاص الذين يتعرضون لصدمات وضغوط عنيفة  يكونوا قريبين جدًا من التفكير فى  الانتحار، والشاب الذى يمر بضغوط اجتماعية أو اقتصادية أو أى ضغط يكون أكثر عرضه للتفكير فى الانتحار فعندما يشعر أنه محاصر من اشخاص مثله يفرضون عليه واجبات أو حقوق هو لا يريدها ولا يستطيع أن يقول لا فيفكر فى التخلص من هذه الحياه التى لا يشعر بأن له قيمه أو حريه فيها, فالطائر الذى تقيد حريته يموت.
ومن أسباب الانتحار أيضا الألعاب التى تؤدى إلى الانتحار وأحيانا يتسارع الشباب عليها ولا يعلم مدى تأثيرها ومن أين أتت لنا، كما أن المعتقدات الدينية الخاطئة لها أثر كبير جدا على انتحار الشباب تحت اى شكل أو أى مسمى مثل العمليات الانتحارية الارهابية..
وأضافت أن الاكتئاب يمثل خطورة على الأشخاص والشخص المنتحر أو المقدم على الانتحار له تصرفات تنذر من حوله بفكرته  مثل أن يتصرف تصرفات كلها إحباط ويأس مثل النوم كثيرا والانعزال عن من حوله تماما، و يتكلم ويقول أنه يريد الموت اليوم قبل الغد .
كما أن من أسباب الانتحار الفشل فالشعور بالفشل والمرور بفشل وراء آخر يجعل الإنسان يشعر بأنه لا قيمة له،  كما أن الفراغ أيضا من أسباب الانتحار بشعور الإنسان بأن أيامه كلها تشبه بعضها ولا فارق بينها..
وذكرت سارة ممدوح أن المجتمع ورجال الدين عليهم دور قوى ومؤثر جدا فى مواجهة مثل هذه الظروف عن طريق وجود أشخاص مؤهلين للتحدث عن مثل هذه الجرائم ، وعقوبتها وتوعية الأشخاص ضد أفكار التطرف والإرهاب تحت مسمى الدين.
 و على جميع البرامج الثقافية التى تتحدث عن مشاكل المجتمع أن تضع حلولًا واقعية لمثل هذه الجرائم بدلا من التحدث فى المشكلة وتركها للجمهور بدون حل، والعمل على نشر القيم وتصحيح مفاهيم التربية الخاطئة والمعتقدات التى ليس لها أى أساس من الصحة ، مع عدم  نشر مشاهد العنف والقتل على الشاشات...
أضف تعليق

الأكاديمية العسكرية ومنظومة بناء الإنسان

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان