الإحساس الديني لَبِنَةٌ من اللبنات الأساسية التي تشكل بناء الإنسان، فمهما بلغت درجة الانحلال الخلقي، ومهما غرق الإنسان في مشاغل الحياة وهمومها ومصالحها وأطماعها وشهواتها وملذاتها، فهو دائما وأبدا يشعر أنه يبحث عن شيءٍ مفقودٍ في أقصى أعماق ذاته.
إن الإنسان هو أكرم مخلوقات الله، خلقه الله سبحانه وتعالى بيده ونفخ فيه من روحه، وسوَّاه سبحانه على الفطرة النقية الخالية من أي شرٍّ أو فساد، يقول سبحانه في الحديث القدسي: "خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين وأحلت لهم ما حرَّمت عليهم".
ومنذ فجر التاريخ سار الإنسان باحثًا عن ذلك الكنز المفقود الذي يمنح روحه السلام وقلبه الطمأنينة، ذلك الكنز الذي يشعر أمامه بالعجز والضعف والانقياد دون أن يخجل من ذلك أو يعتبره نقصًا في تكوينه. حتى عندما انحدر هذا الإنسان إلى أقصى درجات الانحطاط الفكري والخلقي وعجزت فطرته السوية في إزالة ما يجثم عليها من ضلالات ليصل إلى معرفة الإله الواحد الحق، سعى هذا الإنسان إلى اختراع إلهٍ من وحي خياله ، يعبده ويعظمه ويلجأ إليه ويستغيث به، ويكبره ويحتكم إليه، فرأينا الإنسان الذي يعبد الأصنام ورأينا الإنسان الذي يعبد الأوثان، ورأينا الإنسان الذي يعبد النجوم، ورأينا من يعبد الشجر والحجر والبقر والفئران، وغيرها من مظاهر الضلالات التي وإن كنا نتفق بشكلٍ كليٍّ على بطلانها وزيفها ، إلا أنها تكشف لنا عن جزءٍ أصيلٍ من مكنون هذا الإنسان... ألا وهو تغلغل ضرورة وحتمية وجود الإله في أقصى أعماق ذاته.
وإذا انتقلنا إلى حياتنا المعاصرة، فإننا نجد الإنسان مهما كانت درجة انحطاطه وبعده عن ربه، فإن حبه لربه وإيمانه به يتجلى في مواقف عديدة من حياته، فتجده عندما يذكر اسم الله أو يتعرض مقدس من المقدسات لتدنيس أو اعتداء، تثور ثائرته ويغضب له معبرًا عن غضبه له وانتمائه إليه ومحبته له بطريقته الخاصة.
إن الإنسان مهما ابتعد عن ربه ومهما اكتنفته الحياة بزيفها وضلالها يظل دائمًا وأبدًا يبحث في أعماقه عن ربه، ويحن له كما يحن الغريب إلى وطنه، إن الله تعالى هو بالنسبة لكل إنسان هو الوطن ، الوطن بمعناه الكبير المقدس وبما يحمل في طياته من أصدق دلالات الحب والحنان والاحتواء. وبما يتطلبه هذا الشعور النبيل من دواعي الرهبة والانتماء والفداء.
ومما لا شك فيه أن الله تبارك وتعالى غنيٌّ عن عباده، لا حاجة له بعبادتهم ولا فائدة تعود عليه سبحانه من صلاحهم، ولكنه شرَّع الشرائع وأرسل الرسل وأنزل الكتب ليجد الإنسان فيها ضالته التي يبتغيها ولبنته التي يفتقدها لاستكمال أعلى درجات إنسانيته.
فإذا ما استطاع الإنسان أن يُظهِر استجابته لمراد الله منه في أرضه فإنه بذلك ينال رضاه سبحانه ويظفر بمغفرته ورضوانه.
وفي آثارٍ عديدة يحكي لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أناسٍ كثيرين من بنيِّ آدم غفر الله لهم وتجاوز عن سيئاتهم لمجرد أنهم قدموا عملا واحدًا صالحًا للإنسانية، فهذا رجلٌ لم يكن شيخًا أو داعية، فهذا رجلٌ سقى كلبًا فغفر الله له ذنوبه، وتلك بغيٌّ سقت كلبًا فتجاوز الله عن خطاياها، وذاك رجل قطع غصنًا يعيق طريق الناس ففاز بمحبة الله ورضوانه.
وغير ذلك الكثير والكثير من المواقف التي يجد المتأمل فيها التفسير الأسمى والأصوب لمراد الله من خلقه والذي اختصره سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في قوله إن أحب الناس إلى الله هم أنفعهم للناس.
ولعل هذا هو الرد الأبلغ على الذين يظنون أن الدين حكرٌ عليهم وحدهم، وأنهم هم حاملو لواء الدين يدخلون من شاءوا الجنة ويحكمون على من أرادوا بالنار.
وإذا كان الأب يحب جميع أبنائه مهما كانت درجة اختلافهم وتفاوتهم، وإذا كان الوطن يتسع لجميع أبنائه دون إقصاءٍ أو تفريق، فإن الله تعالى ربٌّ لجميع خلقه مهما اختلفت أشكالهم وألوانهم ومهما تفاوتت طاعاتهم ومعاصيهم.