من ذاكرة الزمن.. باخوم 10 /10

من ذاكرة الزمن.. باخوم  10 /10الكعبة

ثقافة28-11-2024 | 10:55

اعتادت القرية على غياب "باخوم" وقد طالت غيبته في هذه المرة الأخيرة حتى تجاوزت السنوات العشر.

وكان أهل القرية قد اعتادوا على أن يسافر باخوم ثم يمكث ما بين العام والعامين ثم يعود إلى قريته وينعم أهله ببره المادي ما بين أموال يقوم بتوزيعها على الفقراء، أو هدايا يتحف بها الأثرياء، أو حكايا شيقة عمَّا صادف في سفره من عجائب البلدان وغرائب الطباع.

فلمَّا طالت غيبته هذه المرة لم يخامر الشك أهل القرية في أنَّه قد أتت عليه عاتيات الزمن فهلك ولم يبقى لعودته من سبيل.

واستمر أهل القرية حينًا من الدهر يذكرون "باخوم" ويحكون لأبنائهم عنه ، ثم أخذ ذكره يقل شيئًا فشيئًا، حتى لم يعد يبقى له وجود إلا في ذلك الجزء العزيز من قلوب الأوفياء وحفظة المعروف والذي يُعْرَف بـ الذكرى.

وذلك شأن الناس في كل زمان ومكان، إذ لابد للحياة أن تستمر، ولا مفرَّ من أن تمارس آفة النسيان دورها المرسوم لها بعناية، حتى تستمر الحياة ولا تتعطل حركة الكون.

إذن فقد نسي الناس "باخوم" أو كادوا... وانقطع ذكره من مجالسهم وأسمارهم ، ولم يعد له ذكرٌ على الألسن إلا أن يمر عابرًا في خاطرٍ من خطرات الأفئدة وفلتةٍ من فلتات القلوب.
وجاءت أجيالٌ من شباب القرية لا يذكرون أنهم رأوا "باخوم" ولا يعرفون عنه شيئًا إلا طرفًا من أشتات ذكرياتٍ سمعوها من آبائهم .

إلى أن كان مساء يومٍ من أيام الشتاء الباردة، يشعر المارة من أهل القرية بحركةٍ واضطرابٍ داخل دارٍ كم دورها، تلك الدار المهجورة الكائنة في أقصى ناحيةٍ من نواحي قريتهم، والتي تُعرف بينهم باسم "دار باخوم".

ويعزُّ على رجلٍ من شيوخ القرية كان يعرف "باخوم" جيدًا ، أن تنتهك حُرمةَ داره في غيابه حتى وإن كان هذا الغائب غير مأمول العودة.

ويذهب ذلك الشيخ إلى دار "باخوم" مستطلعًا مستخبرًا فيطرق الباب طرقاتٍ خفيفةً قلقةً مترقِّبة، وبعد برهة من اوقت يُفْتَحُ الباب، وإذا بالشيخ تتسمَّر قدماه... وإذا بالشيخ تجمد عيناه... وإذا بالشيخ ينطق بكلمةٍ واحدةٍ كأنها تأتي من أعماق سنواتٍ بعيدة، ينطق متسائلًا تساؤل من يعرف الإجابة أو يتمناها..... "باخوم"؟!

وينتشر الخبر في القرية ويعلم الناس جميعًا بعودة "باخوم"، ويذهب من عرفه ليهنئه بالعودة ويسأل عن سبب تلك الغيبة الطويلة، ويذهب من سمع عنه ليرى ذلك الرجل الذي طالما تحدَّث الناس عنه.

ويرى أهل القرية "باخوم" بعد أن فرض الزمن سطوته عليه فطوَّق بالشيب رأسه وكسا بالتجاعيد وجهه، وجلس الجميع في ساحة منزله بعد أن طعموا من وليمته التي أعدها لهم كما كان اعتاد في غابر الزمن.

وسأل سائلٌ "باخوم" عن سبب غيبته تلك التي طالت، وأين كانت.

وأطرق "باخوم" ورفع بصره إلى السماء مستجمعًا نفسه ، بينما اشرأبَّت الأعناق، وأصغت الآذان وهفت القلوب منتظرة لحديث "باخوم" الذي قال:
أمَّا عن رحلتي التي طالت فإني قضيتها كلها في بلدٍ واحدٍ هو خير البلاد، وما أظنُّ إلا أن هذا البلد يُعَدُّ لنبأٍ عظيم.

وأمَّا عن طبائع الناس فقد لقيت رجلًا ما أظنُّ أن في الدنيا خيرًا منه، وما أظنُّه إلَّا رجلًا لا كالرجال، وسيكون له شأنٌ خطير.

وسكت "باخوم" بعد أن قال ما قال، وقد تحرَّقت القلوب شوقًا لتكملة الحديث الذي أخذ فيه "باخوم" وقصَّ لقومه ما كان من أمر بناء البيت وتعظيم أهل مكة له، إلى أن قال:

فرغنا من بناء البيت ولم يبق إلا موضع حجرٍ من أحجار البيت يعظمه أهل مكة ويكرمونه ويرونه هبةً من ربهم ، واختلف القوم أيُّهم يضع هذا الحجر في موضعه، وأيُّهم يحظى بهذا الشرف العظيم.

وكلهم حريصٌ على هذا الشرف أشد الحرص، وكلهم راغبٌ فيه أشد الرغبة، وإذا بخلافهم يستحيل إلى خصومة، وإذا بخصومتهم تبلغ من الشر إلى أقصاه، وإذا هم يأذن بعضهم لبعضٍ بالحرب، وقد وقف البناء وفسد الأمر بينهم فسادًا عظيما، ويأتي نفرٌ منهم بجفنةٍ من الدم فيغمسوا أيديهم فيها مقسمين أن ينالوا هذا الشرف أو ليموتن دونه.

وأرى ما أرى ويلهمني الله أن أجمع كبارهم محاولًا دفع الشرِّ عن القوم جميعًا، فأجمعهم داخل البيت وأقترح عليهم أن يُحَكِّموا بينهم أوَّل داخلٍ عليهم من أبواب المسجد.

ويقبلوا ما اقترحت ويميلوا إلى حقن دمائهم، وما هي ساعة أو بعض ساعة وإذا برجلٍ يدخل من بابٍ من أبواب المسجد لم أر أجمل منه طلعةً ولا أعظم منه هيبة.

وإذا هم جميعًا يستبشرون ويقولون: "هذا الأمين قد رضينا... هذا الأمين قد سلمنا".

ويعرضون عليه خصومتهم، فإذا هو بمنتهى الهدوء والوقار ينزع رداءه ويضع الحجر فيه ويضع الحجر في وسطه ثم ينتدب من كل ربعٍ من أرباع قريش رجلًا ليأخذ كلُّ واحدٍ منه بزاويةٍ من زوايا الرداء.

ويرفع الجميع الحجر حتى إذا انتهوا إلى البناء أخذ هو الحجر بيده ووضعه في موضعه.

وقد رضي الجميع بحكم الأمين واطمأنت قلوبهم إلى هذا العدل واستبشروا بما كُفَّ عنهم من الشرِّ.

هنالك علمت أنني أمام رجلٍ لا كالرجال، وتيقنت أنني أمام رجلٍ تعده الأقطار لأمرٍ عظيم.

وسكت "باخوم" بعد أن قال تلك الكلمات والقوم جميعًا كأن على رؤوسهم الطير من وقع حديثه وأثره في نفوسهم.

وجاء صوت الراهب "يوحنا" من بعيدٍ متسائلًا في عمق: ما اسم هذا الرجل الذي ينعته أهل مكة بالأمين؟

قال "باخوم": يمونه محمدًا ويسمونه أحمد، ويكنونه أبا القاسم، ويتحدثون عنه بالأعاجيب.

قال يوحنا: أحمد؟! أحمد؟! إنه بلا شكٍّ النبي الذي بشر به المسيح.
قال باخوم: حقًّا يا أبانا؟

قال يوحنا: لا شك في ذلك، وقد شرَّفك الله بأن تكون أوَّل من يلقاه ويعرفه، وشرَّفك الله بأن تضع يدك في يده فتعاونه على حقن دماء قومه، وتعينه في بناء بيت الله الحرام.
قال "باخوم": لأسافرنَّ إليه وأبشره وأظل بجانبه حتى أنصره.

قال يوحنا: سيحال بينك وبين ذلك لأن الله وحده هو من سيخبره في الوقت الذي يريده.

قال "باخوم": إذن أمكث هنا أنتظره وأعد الناس للإيمان به، فإن أحياني الله إلى زمن بعثته آمنت به وصدَّقته، وإن حان الأجل قبل ذلك فليشهد الله أني مؤمن به متبعٌ لمِلَّتِهِ.

وهنا توقَّف "باخوم" عن حديثه، كما توقَّف التاريخ عن سرد أخباره، فلم يخبرنا هل أدرك "باخوم" دعوة رسول الله أم لم يدركها، ولم ينبئنا ما كان من شأنه بعد ذلك، ولكنه يخبرنا أنه أول مصريٍّ التقى به ودعا له.

وبعد سنواتٍ طوال عندما دخل عمرو بن العاص مصر داعيا للإسلام وعندما وصل الإسلام بعدها إلى صعيد مصر وجد له أرضًا خصبة، ووجد أنَّ هناك من بشَّر به ودعا إليه قبل أن يأتي هو إلى مصر.
وما كان ذلك سوى "باخوم" ذلك البنَّاء المصري الماهر.

فليعلم المصريون ولتعلم الدنيا أنَّهم عرفوا رسول الله قبل أن يؤذن بالرسالة، وناصروه وآمنوا به قبل أن يؤمن به قومه، وأنهم شاركوا في بناء البيت الحرام، كدأبهم على مر الدهور والأزمان.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان