لم يكن فقيرًا مُعدمًا ، ولا سفيهًا لا يؤبه له، بل كان ثريًّا واسع الثراء، وجيهًا يُشار إليه بالبنان، ويحتل الصدارة من قومه، كان حريًّا إذا خطب أن يُنكَح، وإذا قال أن يُسمَع له، وإذا دخل مجلسًا أن يوسَّع له في المجلس.
ولم تكن ثروته نتيجة جهدٍ جهيد، ولا ثمرة كدٍّ شديد، ولكنه ورثها كابرًا عن كابر، فوُلِد مُنَعَّمًا وعاش مُترفًا.
ولم يكن من هؤلاء المترفين التافهين الذين لا مَزِيَّةَ لهم إلا أنهم أثرياء، ولم يكن من هؤلاء الجهلاء السطحيين، الذين تجعلهم الثروات الطائلة كالأنعام أوهم أضلُّ سبيلا.
ولكنه كان من القلائل الذين أسبغ الله عليهم فضله فجمع لهم بين العقل والمال، ورزقهم الحُسنَ في الخَلقِ والخُلُقِ، فكان وسيمًا قسيمًا بهي الطلعة مشرق الجبين، لا يملك من يراه إلا أن يجد داخل نفسه إكبارًا له وعطفًا عليه.
كان هادئ الطبع، سخي النفس، صادق الحديث، سليم القلب، تدل بسمته المشرقة ووجهه الوضيء على نقاء سريرته وسلامة صدره.
ولم يكن، على وقاره وهدوء طبعه، شيخًا فانيًا ولا كهلًا فارقته ترَّات الشباب ونزقه، ولكنه كان شابًّا فتيًّا جلدًا قويّ الجسم مفتول العضلات، طويل القامة حلو القسمات، ذاك هو الفتى المصري من أصلٍ يونانيّ... كيمون بن أركيناس.
كان والده "أركيناس" تاجرًا يونانيًّا جاء إلى مصر في مطلع شبابه فاحتضنته وأفاضت عليه من خيرها، شأنه في ذلك شأن الكثيرين الذين جاءوا إليها واتخذوها وطنًا، وبادلها "أركيناس" حبًّا بحب، ووفاءً بوفاء، فأحبها كما أحبته ، واتخذها وطنًا بعد أن كانت بلدًا لتصريف بضاعته مثلها مثل بقية البلاد.
اتخذ "أركيناس" مصر وطنًا ومركزًا لتجارته، يُصرِّف منها بضاعته إلى سائر أقطار الأرض، وأحبَّ أركيناس المصريين وأحبُّوه، صار واحدًا منهم، يحب مصر ويُفَضِّلُها على سائر الأقطار.
أفاضت مصر على "أركيناس" من خيرها فامتلك الضياع والقصور، والأموال، ولم يجد من المصريين حقدًا أو حسدًا، ولم ينله منهم كيدًا أو عنتًا، فكان صديقًا لأثريائهم وفقرائهم على السواء، وكان لا يبخل بماله على الفقراء والمعدومين وذوي الحاجة، كما كان سبَّاقًا إلى كل أوجه البر والخير والمعروف، فازداد حب المصريين له على اختلاف طبقاتهم وأحوالهم، وأصبح بلا شكٍّ مصريًا مثلهم، يحب ما يحبون ويبغض ما يبغضون، يفرحه ما يفرحهم، ويحزنه ما يحزنهم.
مرت السنوات على "أركيناس" وهو يزداد ثراءً إلى ثراء، وكلما مرَّ الزمن ازدادت أواصر المحبة والوداد بينه وبين المصريين ، حتى إنه وهو في خريف عمره قرَّر أن يتزوج منهم.
تزوج "أركيناس" فتاةً مصرية كانت ابنة لأحد التجار ذوي النعمة والثراء، وأنجبت له ولده الوحيد "كيمون بن أركيناس"
لم يمكث "أركيناس" مع ولده "كيمون" زمنًا طويلًا، فمات عنه وله من العمر ثمان سنوات، وتركه في رعاية أمه التي أحسنت القيام بأمره ، فحافظت له على الثروة التي تركها أبوه، ونشَّأته تنشئةً حسنةً تقوم على إفاضة الحب والعطف على سائر التاس، فنشأ سَوِيَّ التكوين حسن الخلق هادئ الطباع.
وأحبَّ المصريون الفتى "كيمون" وفاءً لأبيه من جهةٍ، ووفاءً لحسن خلقه وجميل سيرته فيهم من جهةٍ أخرى.
ولمَّا اشتد عود "كيمون" وبلغ أشده كان فتًى لا كالفتيان، في خلقه الحسن وطبعه الجميل وسيرته الطيبة، فقام على ثروة أبيه خير قيام فنمَّاها وأضاف إليها، كما سار في الناس سيرة أبيه نفسها من بذل البر واصطناع المعروف.
وسارت الحياة به في لينٍ ودعةٍ وثروةٍ ويسار، ولكن الأقدار دائمًا ما يكون لها رأيٌ آخر في سيرة الإنسان، فهي لا تكفُّ عن اصطناع المفاجآت في حياة كثيرٍ من البشر، تلك المفاجآت التي تقلب حيواتهم رأسًا على عقب، وتجعلهم يسلكون دروبًا ما كانوا يتوقعون ولا يُتَوَقَّع لهم أن يسلكوها، ويواجهون أهوالًا جسامًا كانت مواجهتها أمرًا بعيدًا كل البُعد عن تفكيرهم أو تفكير من يعرفهم.
وقد كان "كيمون" واحدًا من هؤلاء الذين فاجأتهم الأقدار وانحرفت بمسار حياتهم إلى طريقٍ لم يدر بخلده يومًا أنه سيسلكها، فانقلبت حياته رأسًا على عقب، وواجه أهوالًا جسامًا كتبت لقصته نهايةً مأساوية، ولكن تلك النهاية حملت له في الوقت ذاته المجد والخلود.
ولم يكن "كيمون" يعلم أن هذا المجد الذي سيحققه وذاك الخلود الذي سيناله، لن يكون مقصورًا على كتابات المؤرخين، وأحاديث الرواة، ولكنه سيظل مسطورًا في خير كتب الله، قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.