الذين يهتمون بالخريطة الزراعية لمصر يعرفون أن مساحة الرقعة الخضراء فيها لا تزيد عن 5,7 مليون فدان ويعرفون أيصُا أن هذا الرقم لا يتناسب مع الزيادة المستمرة في تعداد السكان وهذا يعني أن العشرين سنة القادمة ستشهد صراعا عنيفا بين الصحراء والإنسان، هذا الصراع تفرضه حاجاتنا إلي تحقيق سياسة الأمن الغذائي ففي خلال السبعين سنة الأخيرة زاد عددنا 300% في الوقت الذي لم تزد فيه المساحة الزراعية علي 25% فالذي حدث أن عمليات استصلاح الأراضي قد توقفت تمامًا منذ عام 1967 حتي الآن وتوقفت معها أي إضافة لأرضنا الخضراء بالرغم من أن الزيادة في تعداد السكان في هذه الفترة فقط بلغت 8 ملايين نسمة.
وعلي الرغم من أن المسئولين عن استصلاح الأراضي عام 1960 أكدوا أننا نستطيع أن نضيف إلي أرضنا الزراعية 14 مليون فدان جديدة ثم عادوا فاتفقوا علي تخفيض هذا الرقم إلي مليون فدان فقط فإن شيئا من هذا لم يحدث، فكل ما أمكن استصلاحه من أراض جديدة في الفترة من قيام الثورة حتي الآن لا يزيد عن 912 ألف فدان بالتمام والكمال، ولكن الغريب أن حتي هذه الـ 912 ألف فدان التي تم استصلاحها لا يمكن أن نعتبرها إضافة جديدة لرقعتنا الزراعية المحددة.. لأن معظم هذه الأرض كما جاء في تقرير للمجلس القومي للإنتاج والشئون الاقتصادية قد سلمت إلي مؤسسات وهيئات الاستزراع دون أن نستكمل بها مشروعات الري والصرف والطرق والإنارة كما أن بعض هذه الأراضي التي تم البدء في زراعتها قد عادت أراض ملحية من جديد كما هو الحال في بعض مناطق قطاع شمال التحرير.. إن هذا كله في النهاية أدي إلي عدم مساهمة هذه الأراضي الجديدة في الإنتاج الزراعي بالدرجة المطلوبة وصحيح أن هذه المشروعات تعتبر بمثابة التجربة الأولي للدولة في مجال استصلاح الأراضي حيث كان القطاع الخاص يتولي هذه المسالة قبل ذلك ولكن هل يعني هذا أن يكون العائد من المشروعات أقل مما أنفق عليها؟
المهندس الأحمدي عبد الرؤوف رئيس الهيئة العامة ل استصلاح الأراضي يري أنه بالرغم من أن العائد من هذه الأراضي أقل مما أنفق عليها إلا أنه لا يعتبر خسارة لأنه يؤكد أن ما أنفق علي هذه المشروعات كان يشمل في نفس الوقت تكاليف المرافق كالطرق والمباني والمدارس والمستشفيات.. حتي نقطة البوليس.. أي أن مشروعات الإصلاح الزراعي كانت محملة بكافة مصاريف المرافق كما أنه يؤكد أن مشروع استصلاح الأراضي مختلف عن أي مشروع استثماري آخر فهو في النهاية مشروع مستمر لا ينتهي أبدأ.. فأي أرض صحراوية تم استصلاحها مهما بلغت التكاليف هي في النهاية أرض زراعية تعطينا بلا انقطاع والدليل علي هذا أن سعر الفدان الواحد من أراضي مديرية التحرير قد وصل إلي 11 ألف جنيه في الوقت الذي يبلغ فيه سعر الفدان في أخصب أراضي الدلتا 10 آلاف جنيه.
ويضيف أن الخطأ الذي وقع فيه المسئولون في الماضي هو أن الدولة كانت هي التي تستصلح الأراضي ثم تقوم بعد ذلك باستغلالها وإدارتها بنفسها والمفروض أن نترك عملية إدارة الأراضي المستصلحة للأفراد أو الشركات دون تدخل الدولة وهو الاتجاه الذي تسير فيه الدولة الآن.
أما المهندس عبد المجيد الطودي رئيس الشركة العربية ل استصلاح الأراضي والمشرف علي جميع شركات الاستصلاح فيؤكد أن مشروع مديرية التحرير الذي يعتبر أول مشاريع ل استصلاح الأراضي تقوم بتفيذه الدولة هو المدرسة التي أخذنا منها نحن العاملين في هذا المجال دروسا خصوصية في استصلاح الأراضي فطبيعي أن تكون هناك أخطاء.. هذا الأخطاء يجب أن نتجنب الوقوع فيها ونحن مقبلون علي إعادة عمليات استصلاح الأراضي.. إننا مثلًا قمنا باستصلاح منطقة بمشال مديرية التحرير دون أن نهتم بأن نوفر لها نظام صرف مناسب لأن هذه المنطقة كانت من المناطق المرتفعة ولأن مياه الصرف لم يكن أمامها إلا الهبوط علي المناطق المحيطة بها والنتجة ضرر كبير لهذه المناطق فكأننا أصلحنا منطقة مقابل إفساد منطقة أخري.
وأيضًا قمنا باستيراد وحدة كهربائية كبيرة لتشغيل أجهزة الري وبالرغم من أن هذه الوحدة كلفتنا الكثير فأنها كانت تعطل في كثير من الأحيان وبالتالي كانت أجهزة الري تتعطل هي الأخري والمعروف أن النباتات المزروعة في الأراضي المستعملة لا تتحمل انقطاع الري عنها فترة طويلة، إن هذا الدرس جعلنا نتعلم أنه يجب أن يكون هناك مصدر ثابت للتيار الكهربي يسمح بتجنب فترات الانقطاع.
ويضيف أن تحديد الهدف من أي مشروع ل استصلاح الأراضي أمر مهم وضروري.. ولكن ما حدث في مديرية التحرير كان عكس ذلك تماما.. ففي البداية كان هدف المشروع أن يكون مجمعا زراعيا صناعيا كبيرا ثم اقترح البعض إلغاءه لكثرة نفقاته ثم تحويله إلي شركة وأخيرا تم الاتفاق علي توزيعه علي الأفراد.. إن هذه الأهداف غير المحددة وهذه السياسات المثقلة مسئولة بلا شك عن أخطاء الماضي ويكفي أن نعرف أن وزارة استصلاح الأراضي قد تعاقب علي رئاستها 15 وزيرًا، إن الدرس الذي يجب أن نتعلمه جيدًا أن عملية استصلاح الأراضي لاتتوقف فقط علي كفاءة العلماء والمهندسين وإنما لا بد من معرفة كيفية إدارة المشروع بنجاح.. وفي النهاية لا بد أن نضع في اعتبارنا العنصر البشري.
إن استصلاح أرض في الصحراء يعني إقامة حياة جديدة، يجب أن نعتني باختيار العناصر الصالحة لها ثم أنه يجب الاهتمام بتوفير كافة الخدمات اللازمة لمعيشة هذه العناصر الصالحة.. عملية استصلاح أرض في الصحراء من أصعب وأعقد المشاريع التي يمكن لإنسان ممارستها، إنها باختصار تحتاج إلي صبر أيوب وعمر نوح ومال قارون.
نشر بمجلة أكتوبر في ديسمبر 1978م – 1399هـ