يعد الزواج من أهم النظم الاجتماعية في البناء الاجتماعي، فهو أساس بناء الأسرة التي تشكل النواة الأولى للمجتمع، ويسهم في بنائه وتطوره، ويمثل جوهر استمرار الحياة البشرية، ويتسم بالاستمرار والثبات النسبي، فقد شهدت مراسمه في العقود الأخيرة بعض التغيرات نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع المصرى، حيث غلبت التصورات المادية على الأبعاد الاجتماعية والنفسية المرتبطة بالزواج، الذي يمثل بالأساس رباطا نفسيا واجتماعيا وعاطفيا بين الزوجين وعائلتيهما بالدرجة الأولى، فقد أصبح التركيز على المظاهر المادية، فنجد العائلات على اختلاف مستوياتها الاجتماعية والاقتصادية تنفق يبذخ على مراسم الزواج، والذي يبدأ بشراء الحلى الذهبية المهداة للعروس "الشبكة" والتي كانت رمزية في أول أمرها، والصداق "الهصر". ومنقولات العروس "الجهاز" متضمنا الملابس ومستلزمات المطبخ والتجهيزات الأدنى تكلفة والأدوات المنزلية، ثم كتابة قائمة المنقولات الزوجية وتنتهى ب مراسم الزفاف والمغالاة فيها، وبين هذه الأساسيات تفاصيل كثيرة تستنزف الأموال وهو ما يزيد من تكاليف الزواج ويصعب من عملية الارتباط المشروع بين الشباب في سياق مجتمع يعاني من زيادة معدلات البطالة والتضخم وارتفاع الأسعار.
وفى الأيام القليلة السابقة ، أعلن بنك مصر أنه سيقدم قرضا لتمويل حفلات الزواج يصل إلى 300 ألف جنيه والسداد على ٥ سنوات، ضمن القروض التجارية التي يقدمها، وفق المنشور على موقعه الإلكتروني، ويتيح البنك قرض تمويل مصروفات حفلات الزواج للموظفين في القطاعين العام والخاص وأصحاب المهن الحرة، بعد تقديم بعض الأوراق المطلوبة.. وهذا ما جعلنا نفتح موضوع الاستهلاك الترفى و تكاليف الزواج فى مصر ..
وعن ملامح الإنفاق البذخى على مراسم الزواج، والتي ترتبط بصورة كبيرة بالعادات والتقاليد أكثر من ارتباطها بالشرع والدين، وتداعياتها السلبية على الشباب والأسرة والمجتمع، تقول دكتورة منى بدير، أستاذ الاجتماع المساعد بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، لقد أوضحت العديد من الدراسات أن تكلفة الزواج فى مصر تعد من أعلى التكاليف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تتجاوز أجر العريس التراكمي لمدة ثماني سنوات من العمل المتواصل، كما يشير المسح التتبعي لسوق العمل في مصر لعامي ۲۰۱۲۰۲۰۰٦ ، هذا وقد بلغت تكلفة الزواج فى المتوسط ٦٠,٥٠ ألف جنيه فى عام ٢٠٠٦ ، وصعد هذا الرقم إلى200,61 ألف جنيه فى ۲۰۱۲، واليوم يتراوح إجمالي تكاليف الزواج من ٣٠٠ إلى ٥٠٠ ألف جنيه ،لذا فإن الزواج بهذه الصورة يصبح عبنا يتجاوز القدرات المادية للشباب، مما يضطرهم للانتظار لسنوات طويلة حتى يتسنى لهم تدبير مبالغ مالية كبيرة تمكنهم من الإنفاق على مراسم الزواج المبالغ فيها، أو العزوف عن الزواج.
وفي هذا السياق أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن نسبة "العنوسة" في مصر في تزايد مستمر كل عام .. ولا شك أن بهذا التزايد المستمر أصبحت العنوسة معه تشكل مخاطر كبيرة على البنية السكانية للمجتمع المصري.

وتتابع دكتورة منى ، أن مصطلح الاستهلاك الترفى وضعه "ثورشتين فيبلن" في نظريته عن الطبقة المترفة فقد أشار إلى أن هناك فئة أسماها الأعيان تتسم بالاستهلاك المظهري والطفيلية، ظهرت في الولايات المتحدة ويمثلها الصفوة من رجال الأعمال وكانت بحاجة إلى التأكيد الدائم على مكانتهم للعامة، وعرفه على أنه "الاستهلاك المفرط للسلع الترفيهية والكمالية التي تعد دليلاً على عضوية المستهلك للطبقة المترفة في المجتمع الرأسمالي"، واستخدام هذا المصطلح تم للإشارة إلى التباهي باستهلاك السلع بهدف اكتساب الهيبة وحب الظهور ومن ثم فالاستهلاك الترفى يعنى المبالغة في تأكيد الجوانب الجمالية والذوقية للسلع والمواد التجارية التي تقتنى من قبل الناس لغرض الظفر بإعجاب الآخرين ولدعم المكانة الاجتماعية لهم .
ولقد أكد فيبلين" على أهمية الدور الذي تقوم به التكنولوجيا ووسائل الاتصال الجماهيري في الاستهلاك المظهري والنهم
الاستهلاكي، حيث يزين الإعلام الفضائي بإعلاناته ورموزه وبرامجه ونماذجه إغراءات الاستهلاك عند جميع
الشرائح الاجتماعية، إلا أن القلة هي التي تمتلك وسائل الانغماس فيه، واستعراض مظاهره، ففى عقد الثمانينيات لم يكن هناك سوى محطات راديو وتلفاز محلية، أما في بداية العقد الثانى من القرن الحادي والعشرين فقد بلغ عدد المحطات الفضائية التي تبث بالعربية ما يزيد على ١٥٠ محطة فضائية، ووصل عدد المحطات الأجنبية ۹۰۰ محطة أجنبية، وفي العقد الأخير تجلى بوضوح الأثر السلبي للإعلام الفضائي، الذي شجع على زيادة النزعة الاستهلاكية لدى الناس بوجه عام والشباب المقبل على الزواج بوجه خاص، وأضافت أستاذ المركز القومى، لقد تحول كل ما يتعلق بالزفاف وتأسيس الحياة الزوجية من كونه نشاطًا يهم المجتمع المحلى والجوار ليصبح نشاطا اقتصاديًا ذا نزعة تجارية بحتة، وولد ما أسماه بـ "صناعة الزفاف" التي ولدت دوافع ومبررات الاستهلاك البذخي من ناحية، وفرضت أوجه إنفاق لم تكن في الحسبان في الماضي القريب من ناحية أخرى، وكل ذلك خلق ما يمكن تسميته بإيديولوجية الاستهلاك التي قوامها النظر إلى Ideology of Consumption الاستهلاك بوصفة هدفا في حد ذاته، وربطه بأسلوب الحياة وبأشكال التميز الاجتماعي، الأمر الذي جعل الناس يتدافعون نحو الاستهلاك بصرف النظر عن حاجاتهم الفعلية، مما يعنى أن تحقيق الإشباع من السلع الاستهلاكية يرتبط بالمكنات أو التمايزات الاجتماعية في المقام الأول.
وأشارت دكتورة منى إلى أن يكتشف المتأمل لواقع الحياة الاجتماعية المعاصرة الزيادة المضطردة في تكاليف ونفقات مراسم الزواج وهي في معظمها نابعة من عادات وتقاليد وأعراف اجتماعية، تثقل كاهل الزوج، وتجعله يفكر مليا قبل الإقدام على الزواج، بل تجعله أحيانا يعزف عن الزواج الذي شرعه الله سبحانه، أو ينتظر سنين طويلة حتى تذلل العقبات، ومن أهم مظاهر الاستهلاك الترفى في الزواج المغالاة في المهور، الخطبة وتكلفتها المادية، إعداد مسكن الزوجية، قائمة المنقولات الزوجية، المغالاة في حفل الزفاف.
وعن مظاهر الاستهلاك الترفي فى الزواج تقول دكتورة منى بدير، فنبدأ بالمغالاة في المهور، المهر حكم من أحكام الزواج، وهو بذل الزوج لزوجته المال ما يعد تقديرًا لها، ورمزا لتكريمها وإسعادها والاعتزاز بها، لتأسيس حياة مشتركة في باطنها ومظهرها، وتقديم المال دلالة على عزم الزوج على تحمل الأعباء، وأداء الحقوق التي عليه قبل طلب حقوقه الخاصة، والمهر ليس له مقدار محدد أو سقف أعلى أو أدنى، ويقدر أكثره أو أقله بالاتفاق بين الزوجين، وفي الفترة الراهنة تعتبر المغالاة بالمهور من أهم المشكلات الاقتصادية التي تواجه الشباب المقبل على الزواج، وقد تكون العقبة الأولى أمامهم عند بداية التفكير فيالزواج وتتابع، وغلاء المهور في حالته الطبيعية الفردية لا يأخذ صبغة المشكلة أو الأزمة، ولكن عندما تزداد ضخامته ويصبح على المستوى الجمعي له صفة العمومية، يتحول إلى ظاهرة مؤثرة ومعيقة لأي فرد من أفراد المجتمع.
وتشير بعض الدراسات إلى أن قيمة المهر المقدم للعروس تترواح ما بين خمسين إلى سبعين ألف جنيه، ويقسم المهر إلى "معجل " يدفع عند عقد القرآن و "مؤجل" يستحق بأحد الأجلين الطلاق أو الوفاة وبالتالي فإن بعض العائلات تقوم بدفع المؤجل على حساب المقدم على اعتبار أنه ضمانة للزوجة في حال حصول الطلاق أو الوفاة، وبعض العائلات تخصص المهر المعجل لشراء بعض أغراض المنزل أو تطالب به كمبلغ نقدی وبعضها تسجله في العقد تحت بند غير مقبوض أي يظل في عهدة الزوج (دينا عليه ويستطيع الولى المطالبة به ومقاضاة الزوج حتى لو كانت معه زوجته في منزل الزوجية.
ثم يأتى بعد المهور ، الخطبة والتى تعتبر الخطوة الأولى في عملية الزواج، وتأتى مباشرة بعد اختيار الشريك، وتمثل مرحلة التعارف بالنسبة للخطيبين أو فترة تمهيدية للزواج، وتأتى هذه المرحلة بعد الاتفاق على قيمة المهر وقراءة الفاتحة وتحديد موعد الزفاف وغيرها من الطقوس، والخطبة من المتغيرات الأولى للاستهلاك الترفى للزواج، وتعد من الخطوات المهمة التي يفكر فيها الشباب كثيرا قبل الإقدام عليها، لما يترتب عليها من تكاليف والتزامات مادية كثيرة، يعقبها كذلك الكثير من المراسم التي تتطلب قدرات مادية كالهدايا ومراسم الخطبة وتوابعها من شراء المصوغات الذهبية "الشبكة" وفستان وحفلات ومظاهر اجتماعية أخرى.
وتشير إحدى الدارسات إلى أن التكلفة المادية للمصوغات الذهبية "الشبكة" تتراوح ما بين خمسة وعشرين ألفا إلىخمسين ألف جنيه، كما تتكلف حفل إقامة الخطبة ما بين أربعة آلاف إلى عشرة آلاف جنيه ، ويتراوح متوسط سعر فستان الخطبة ما بين ألف إلى خمسة آلاف جنيه . وثمة إشكالية تواجه الشباب المقبلين على الزواج تتعلق بتدبير التكلفة المادية لإتمام مراسم الخطبة وتتباين طرق تدبير تلك التكاليف ما بين الادخار والاقتراض وشراء شبكة الخطبة بالأجل أو السفر إلى الخارج من أجل تدبير هذه التكلفة، وحقيقة الأمر أن الزواج ومتطلباته المادية الباهظة لم يكن مشكلة في المجتمع المصري في السابق، خاصة في ظل انخفاض الطموحات والتطلعات، غير أنه في الآونة الراهنة وفي ظل الانفتاح المعرفي عبر الإنترنت والفضائيات تزايدت رغبات الشراء الاستهلاكية المبالغ فيها، مما جعل كماليات الزواج أساسيات، كما كثرت متطلبات الأسرة العصرية بسبب تطور نمط الحياة من جهة والتأثير الإعلام الفضائي من جهة ثانية.

وتتابع دكتورة منى ، في مراحل الزواج المختلفة تتداخل الأولويات في الإنفاق فيأخذ الإنفاق على المهر والمصاغ وهدايا الخطبة الأولوية في المراحل الأولى من الزواج، ويتبع ذلك تأسيس مسكن الزوجية المنفصل والذى أصبح الشكل العام للأسر المصرية، حيث غاب شكل الأسرة الممتدة، وباتت الفتيات ترغبن بالاستقلالية فى منزلها الخاص على الرغم من الارتفاع الحاد لأسعار المساكن، ثم جهاز مسكن الزوجية، و ما يعد به من أثاث وفراش وأدوات منزلية عند زفاف الزوجة إلى زوجها، وفي هذا السياق تشير إحدى الدراسات إلى أن الأسر تقوم بتجهيز بناتهم بجهاز يفتخرون به ويدل على قدرهم المالي ومستواهم الطبقى ويسهم في إظهار إمكانياتهم المادية، وهنا يظهر البذخ في الإنفاق على تجهيز العروس، والعريس أيضًا من ملابس وأدوات منزلية وأجهزة كهربائية.
وتشير الكثير من الدراسات الأنثربولوجية إلى أن العادات والتقاليد في الريف المصرى تحتم على أسرة العروس ضرورة شراء ثلاثة غسالات ثلاجتين، وأربعين ملاءة سرير وعشرات المفروشات والستائر، إضافة إلى شراء الأثاث الذي يتكون من غرفة النوم، والصالون، حجرة الطعام وحجرة الأطفال ، ويبلغ متوسط سعر الغرفة الواحدة من عشرين إلى أربعين ألف جنيه ، مما يجعل الأسر والآباء والأمهات يلجئون للاقتراض رغم صعوبة ظروفهم المالية، حرصًا على العادات والتقاليد من جهة وبسبب تطور نمط الحياة والتأثير الإعلامي الفضائي من جهة أخرى، حيث تنامت المتطلبات والمقتنيات التي كان ينظر إليها على أنها من كماليات الزواج، فأصبحت الآن من المستلزمات الأساسية فى تكوين مسكن الزوجية الحديث.
وفى ذات السياق تقول " بدير" ، تعد قائمة المنقولات الزوجية المنتشرة في الحضر والريف ذات تأثير اجتماعي واضح فى طرفي الزواج (الشاب والفتاة)، بل على أسرتيهما أيضا بما تضيفه على كاهل طرفيه والأسرتين من أعباء مادية ومسئوليات اجتماعية وما يترتب عليها من جوانب قانونية، بل إن قائمة المنقولات قد تكون سببا في عدم إتمام الزواج، وقد تتسبب في فشله إذا بالغ فى شروطها أحد الطرفين وتتضمن قائمة المنقولات الزوجية جهاز العروس وأية منقولات تجلبها الزوجة معها من منزل أسرتها الى منزل الزوجية، ويوقع عليها العريس بالاستلام بصفتها أمانة يجب عليه أن يردها متى طلب منه هذا، وهناك قائمة افتراضية تتضمن النمط المثالي الذي تضعه الجماعة لجهاز العروس، وفيها ما يفترض أن يجلب، وليس ما جلب بالفعل، وأيضًا يوقع على استلامها العريس انصياعا لمعايير الجماعة وإثباتا لحسن النية،
وتشير بعض الدراسات إلى أن الزوج يحرر قائمة بمنقولات تتراوح ما بين مائتين وخمسين ألفا إلى خمسمائة ألف جنيه مصري، سواء كان هو الذي أعد منزل الزوجية، أو الزوجة هي التي أعدته، أو تم إعداده بالاشتراك بينهما، ويوقع الزوج على هذه القائمة بعد أن يقر بأنه ملتزم برد هذه المنقولات عند الطلب، أو يرد قيمتها عند الفقد دون تحديد لمدة زمنية، ودون مراعاة عنصر الزمن وما يعترى طبيعة الأشياء من الاستهلاك التدريجي لها.
وتضيف، وتكتسب قائمة الزواج قيمتها من خلال أنها وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي الشعبى ذات أبعاد اقتصادية قدمها العرف في المجتمع المصري كأحد ميكانزيمات الدفاع ضد مضاعفات إنهاء الزواج - على الأقل المضاعفات المادية وهي وسيلة استطاعت أن تجبر القوانين الوضعية على التعامل معها كواقع وحقيقة، كما أنها وسيلة حماية وضمان لحقوق المرأة المادية يبرر وجودها أفراد المجتمع، ويمكن تفسيرها في إطار ما أطلقت عليه الدراسات الأنثروبولوجية في القرن الماضي "ثمن العروس"، فإذا كانت تلك الدراسات تشير إلى هذا الثمن على أنه المهر الذي يدفعه العريس، فإن هذه القوائم تمثل "اجل" هذا الثمن، يوفي إذا ما انتهت العلاقة الزوجية بالطلاق فيحمي الجماعة من "الخسارة" التي يمكن أن تلحق بها جراء إنهاء العلاقة الزوجية التي يكون الأفراد - غالبا قد حشدوا أقصى ما يمكن أن يقدموه من إمكانيات لإنشاء أسرة جديدة.
وعن حفلة الزفاف فهي الإشهار الاجتماعي الرئيس والأخير الزواج الشاب والفتاة، وتمتلك حفلة الزفاف خصوصية نفسية واجتماعية في المجتمعات العربية لأنها بمثابة الانتقال الاحتفالي للفتاة إلى بيت زوجها، وقديما كانت حفلات الزفاف في المجتمع تمتاز بالبساطة والعفوية، حيث كانت التقاليد المتوارثة بسيطة وغير مكلفة وتحمل بعدًا كبيرًا من أبعاد التكافل الاجتماعي وتتمثل في اللباس الخاص بالعروس، وأهل العروسين إلى الوليمة الخاصة بالزفاف حتى بتفاصيل الحفلة، ونتيجة للانفتاح الإعلامي ودخول عادات وتقاليد جديدة فرضت نفسها وبقوة على المجتمع أصبحت حفلات الزفاف مجالاً خصبا للتفاخر والاستهلاك الترفى، والتمايز الطبقى مما يترتب عليه إلحاح أسرة العروس على أن تكون مواصفات حفل الزفاف ومكان انعقاده لا تقل عن حفل زفاف شقيق العروس أو حفل زفاف ابنة عمها أو خالها، أو حتى صديقتها أو جارتها، فالفتاة تريد حفل عرس يحكى عنه الناس، وفستانا يتكلف الكثير ، وتشير الدراسات إلى أن تكلفة حفل الزفاف وما تشتمله من فستان العرس، وتجميل العروس من كوافير وماكياج، ومأكولات وزهور والموسيقى المصاحبة للحفلة، والزفة والكوشا ما بين ٢٠ ألفا إلى ١٠٠ ألف جنيه ، وأن التكلفة الضخمة المرتبطة بمراسم حفلة الزفاف من أكبر معيقات الزواج لكل من الرجل والمرأة... فالرجل يؤخر زواجه ليكمل متطلبات الزواج الترفيهية والمرأة قد تتزوج في سن مبكرة من رجل يكبرها سنا ليحقق لها متطلباتها.
و عن مخاطر الاستهلاك الترفى في مراسم الزواج توضح دكتورة منى أن المبالغة في تكاليف الزواج تعد حجر عثرة في طريق الشباب والتي يترتب عليها في معظم الأحيان مزيد من الاستدانة التي تتراكم على الزوجين، كما تسبب إعراض كثير من الشباب عن الزواج، وربما تكون سببا للمشكلات الزوجية والطلاق وما يصاحبه من تفكك وانهيار اجتماعي وأخلاقي. وعن أهم هذه المخاطر :
(1) تأخر سن الزواج أو العزوف عنه، إن ارتفاع تكاليف الزواج والمغالاة في المهور من المخاطر التي يتعرض لها المجتمع بشكل كبير، وهو الدافع لعزوف الكثير من الشباب عن الزواج، وهذه المخاطر تهدد المجتمع وتؤدى إلى انهيار سلامة المنظومة الأخلاقية، لأن الطريقة التي يتبعها الآباء في سياسة وضع المهور ونفقات الزواج تتناسب طرديا مع
تفاقم مشكلات المجتمع على اختلافها، وفي مقدمتها الطلاق، حيث تؤدى كثرة الإنفاق الترفى على مراسم الزواج وكثرة متطلبات الآباء إلى ابتعاد الرجال عن بناتهم وزواجهم من جنسيات أخرى أجنبيات ، وقد كشفت دراسة لوزارة العدل أن هناك اتجاها يسود بين الشباب المصري للارتباط بزوجات من روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الشرقية، مما يزيد نسبة العنوسة بين الفتيات في المجتمع وينذر بالخطر، لأن ارتفاع سن الزواج يشكل ويؤثر في إنجاب الذرية مع ما يصاحبها من انتشار الرذائل والموبقات.
(۲) القروض الاستهلاكية، مع كثرة إغراءات الاستهلاك في مصر خلال السنوات الأخيرة لم يعد الأمر قاصرًا على التهام نسبة كبيرة من دخل الأسرة في الإنفاق على تلك الإغراءات، بل تجاوزت النزعة الاستهلاكية حدود الموارد المتاحة إلى مستوى الاعتماد على الديون لإشباع الاستهلاكيات المتعددة ذلك لأن الاستهلاك المتصاعد يتطلب دائما توفر سيولة نقدية لدى الناس، وبما أن مستوى الدخل محدود لدى شرائح كبيرة من الناس، فلا سبيل إلى توفير النقود إلا بالقروض من البنوك التي يلجئون إليها لمواجهة تكاليف الزواج والترتيبات والتجهيزات الباهظة للتعبير عن مظهر اجتماعي رفيع، ومن ثم يقعون في فخ القروض الاستهلاكية التي تغرقهم بالديون وفوائدها إلى أجل طويل، وهكذا تتحقق المكانة بالاستدانة ، كما يزيد من وطأة الأمر ما يحدث في الأحياء الشعبية والأرياف من استدانة الأسر من تجار وسماسرة القروض والتوقيع على إيصالات أمانة أو شيكات لشراء مستلزمات الزواج لبناتهم بالتقسيط بفائدة ربح كبيرة أو ما شابه ذلك، ونظرًا لعدم قدرتهم الاقتصادية، ومن ثم فإنهم يتعثرون في السداد، ويؤدى ذلك إلى أن يصبحوا مهددين بالسجن.
(۳) فقدان الاستقرار النفسي والاجتماعي للشاب والفتاة، يعاني الشباب والفتيات المتأخرون في سن الزواج من العديد من الآلام النفسية والاجتماعية، حيث تشعر الفتاة بالحزن والاكتئاب والنفور من الناس خشية السخرية والتلميح الجارح، وهذا يترتب عليه العديد من الآلام النفسية والعضوية، ففى المجتمعات العربية تحديدا يعد الزواج سترة للفتاة وحفظا لكرامة أسرتها، ومن ثم فإن تقدمها في السن دون زواج قد يثير العديد من الأقاويل التي تمس سمعة الفتاة وسمعة أسرتها، فتشعر بالدونية، وبأنها أقل من الأخريات، وبخاصة عندما تصرخ بداخلها الأنوثة والأمومة، كما يعاني العازف عن الزواج من الإصابة بالتوتر النفسى والقلق الدائم، وعدم المبالاة، ناهيك عن الأمراض العضوية الكثيرة التي تصيب هذا النوع من الشباب، أما الزواج فيؤدي بالإنسان إلى السمو الأخلاقي والسلوكي في علاقته بالجنس الآخر.
(4)الانحدار الأخلاقي، قد يؤدى ارتفاع سن الزواج للفتيات والشباب إلى انفتاح الأبواب أمام ثقافة سرية في ظل توغل القيم الغربية في مجتمعاتنا من خلال الفضائيات، حيث نجد الشاب منذ خروجه إلى الحياة العملية قد ترسخ لديه أن الزواج تكاليفه باهظة، وأنه صعب المنال، ولهذا يلجأ الشاب إلى الحصول على متعته عن طريق غير مشروع، وقد يؤدى به على المدى الطويل إلى رفض الزواج حتى لو توافرت له الإمكانيات المادية. كما تلجأ الفتاة إلى الابتذال والسفور في ملابسها بطريقة تثير غرائز الشباب رغبة في إثبات الذات، والشعور بأنها مرغوبة مثل باقى أقرانها، بل وربما سعت في الوقت ذاته إلى كثرة الاختلاط بالشباب في الأماكن العامة وفي العمل والأسواق تحت زعم ما يسمى بالصداقة، وشيئا فشيئا قد يتحول هذا الابتذال والسفور إلى انحلال أخلاقي فتندفع الفتاة إلى الانحراف وإقامة علاقات جنسية سرية وعابرة لإشباع رغباتها خارج مؤسسة الزواج، أو ما يسمى بالزواج العرفي أو السرى، بيد أنها رغم ذلك تظل في كلتا الحالتين محرومة من مشاعر الأمومة ومن الإحساس بالأمان.
وتقول دكتورة منى أنه يجب التأكيد على أهمية تفعيل دور مختلف المؤسسات المعنية بالتوجيه الرسمية أو الأهلية المعنية بالأسرة وقضاياها، لمواجهة ظاهرة الإنفاق الترفى على مراسم الزواج، بتوعية أفراد المجتمع بمخاطر هذه الظاهرة، وحثهم على الاقتصاد وتقليل النفقات لتسهيل عملية الزواج، هذا إلى جانب تدشين مبادرات مجتمعية تحث الأسر في الريف والحضر على تخفيض المهور بالتراضى بين العائلات للتغلب على أزمة غلاء المهور...
وعن ارتفاع تكاليف الزواج توضح مرڤت رجب، استشارى أسرى وتربوى..
في السنوات الأخيرة، أصبحت تكاليف الزواج في مصر والوطن العربي تتصاعد بشكل ملحوظ، مما جعل الزواج عبئًا كبيرًا على الكثير من الشباب والشابات الراغبين في بدء حياة جديدة مع شريك الحياة، وتعتبر مصر من بين الدول الأعلى تكلفة فيما يتعلق بتكاليف الزواج، مما يعكس ظاهرة مجتمعية تتطلب وقفة وتأملًا لتقييم آثارها وتداعياتها.
ومن اهم المخاطر الناتجة عن ارتفاع تكاليف الزواج
تأخر سن الزواج و ارتفاع معدلات العنوسة،
وزيادة القروض والديون، يلجأ بعض الشباب إلى الاقتراض لتحمل تكاليف الزواج، سواء من البنوك أو من أفراد الأسرة. ومع ذلك، فإن القروض والديون تشكل عبئًا ماليًا طويل الأمد وتؤدي إلى ضغوط مالية تؤثر على استقرار الحياة الزوجية في المستقبل، الضغوط النفسية والاجتماعية ، يتعرض العروسان وعائلتاهما لضغوط نفسية واجتماعية لتحقيق توقعات المجتمع بشأن الزفاف وتأثيث المنزل،
هذا التوتر قد ينجم عنه تدهور في العلاقات الأسرية ويؤدي إلى مشكلات نفسية تؤثر على العروسين حتى بعد الزواج
فقط للتقليد الاعمي وإرضاءات للمجتمع حتي لو علي حساب انفسهم .
زيادة حالات الطلاق المبكر، فالزواج المبني على ديون وضغوط مالية يؤدي غالبًا إلى مشكلات مادية تؤثر على استقرار الأسرة،
وقد تؤدي هذه المشكلات إلى خلافات زوجية حادة تصل في بعض الأحيان إلى الطلاق.
وتتابع الاستشارى الأسرى، ولذلك نحاول نجد مقترحات لتخفيف العبء المالي على الزواج منها:
1. التركيز على البساطة والواقعية: من المهم أن يتبنى المجتمع ثقافة البساطة في الزواج وأن يتخلى عن المظاهر الباهظة غير الضرورية، والتخلي عن ماهو ليس ضروري والرضا بالقليل يأتي بالكثير ،
ويمكن ذلك بتشجيع إقامة حفلات زفاف بسيطة والتقليل من المغالاة في الشبكة والمهر.
2. تشجيع التعاون الأسري: يمكن للعائلات أن تتعاون فيما بينها لتقليل التكاليف، مثل إقامة حفلات زفاف مشتركة للأقارب، أو تجميع الهدايا لدعم العروسين بدلًا من تبذير الأموال على حفلات فاخرة.
3. تقديم دعم مالي من المؤسسات الاجتماعية: تستطيع الدولة والمنظمات غير الحكومية توفير قروض صغيرة بدون فوائد للشباب المقبلين على الزواج، بهدف التخفيف من أعباء الزواج المالية وتشجيع الشباب على تكوين أسرة.
4. تغيير العادات الاجتماعية: هناك حاجة إلى حملة توعية واسعة لتشجيع الشباب وأسرهم على الابتعاد عن المبالغات في المهور والتجهيزات، وتشجيع الزواج المبني على الحب والتفاهم بدلًا من التفاخر بالمظاهر.
5. استثمار الأموال في مستقبل الأسرة: بدلًا من إنفاق الأموال على مظاهر الزواج الباهظة، يمكن للعروسين توجيه هذه الأموال نحو أمور أكثر فائدة مثل استثمارها في مشروع صغير يعود عليهما بالدخل أو شراء عقار يوفر لهما استقرارًا ماديًا على المدى البعيد.
ولذلك مهم جدا أن ندرك أن ما ليس أساسي يمكن الاستغناء عنه..
تقول دكتورة أسماء محمد ، أستاذ مساعد علم الاجتماع والانثروبولوجيا بكليه التربيه جامعه عين شمس
أصبحت المبالغة في تكاليف الزواج نوعا من الوجاهة الاجتماعية فكلما كانت الأسر أكثر ثراء أدى ذلك إلى مزيد من المغالاة والبذخ في التكاليف فقد أصبحت قائمة المنقولات لدواعى التباهى والمقارنة وغيرها من سلوكيات اجتماعية خاطئة وبالتالي لم يجد الشباب في ظل ارتفاع نفقات هذا الارتباط حيلة سوى تأخير زواجهم حتى يتمكنوا من ادخار كل التكاليف اللازمة وبالتالي ازدادت ظاهرة تأخر سن الزواج كما ظهرت بعض الظواهر غير المقبولة اجتماعياً ودينياً مثل ظواهر الزواج العرفى بين الشباب والاصابة بأمراض نفسية وبالنسبة للرجال أعراض الإدمان.كذلك نجد آباء تقصم ظهورهم وأمهات يحكم عليهن بأعوام من السجن لتحريرهن إيصالات أمانة يتعهدن فيها بسداد مبالغ مالية يقترضوها أو نظير أجهزة يشترونها لغرض زواج الابنة ومن ثم يعجزن عن سدادها فيتم حبسهن.
فقد أصبح هناك ارتفاعاً لوزن بعض القيم كالقيم المادية وتراجع القيم الأخلاقية وقد لعب الاعلام دور محورى في تكوين العقلية الاستهلاكية لدى طبقات المجتمع المختلفة .
لابد من رفع الوعى للتيسير على الشباب بمشاركة مجتمعية وتوجيه الاهتمام من قبل الهيئات الحكومية والمؤسسات الأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدنى ورجال الأعمال من اجل العمل على تشجيع وتعزيز المبادرات المجتمعية وادراجها ضمن خطط التنمية المستدامة .