«يا جوليا يا مزبلة يا زوجة الكل».. هذه العبارة التي قالها فنان الشعب يوسف وهبي لزوجته الراقصة الفرنسية، حين اكتشف خيانتها له مع رجل آخر في أول فيلم مصري ناطق وهو «أولاد الذوات» عام 1932، هي نفسها القاعدة التي مازالت تحكم نظرتنا إلي الغرب ورجاله ونسائه في أعمالنا الفنية سواء للمسرح أو السينما أو التليفزيون.
ونظرة سريعة إلي صورة الآخر أو «الخواجة» في السينما المصرية سوف تؤكد لنا هذا الاستنتاج.. فالأجنبي في أفلامنا لص خطير يرتدي القبعة ويمسك بالسيجار ويتكلم بلكنة عربية «مكسرة» ويسعي إلي سرقة ثروات بلادنا أو هدم موروثاتنا وثقافتنا وأخلاقياتنا من خلال تصدير وتهريب المخدرات، مستغلا في ذلك سلاح المال أو الجنس.
وهذه هي «التيمة» الثابتة تقريبا التي تلعب عليها معظم الأفلام، فالغربيون لصوص ومرتزقة وقوادون وتجار مخدرات وسلاح، والغربيات أو «الخواجات» من النساء، هن في الغالب ساقطات وعاهرات أو علي الأقل جاسوسات وعميلات للموساد أو المخابرات الأمريكية.
والغريب أن الصورة لم تكن هكذا في بدايات السينما المصرية حين كان يعيش في مصر كثير من الأجانب من جنسيات مختلفة وينصهرون داخل نسيج المجتمع دون إثارة أية مشكلة دينية أو عرقية، وخصوصاً من الأرمن واليونانيين الذين كانوا يتحدثون بعربية محببة ويختلطون بالطبقات الشعبية من المصريين، لكن هذه النظرة تغيرت كثيراً بعد العدوان الثلاثي علي مصر في عام 1956 وخروج معظم الأجانب من مصر، وبدأت السينما تصور الشخصيات الغربية باعتبارها أذنابا للاستعمار وأعوانه، وطابورا خامسا يريد القضاء علي مكتسبات الثورة.
وبعد حرب أكتوبر، انحصر تناول الشخصية الأجنبية إلي حد كبير في بعض أعمال الجاسوسية، بداية بفيلم «الصعود إلي الهاوية»، وتلاه أفلام أخري مثل «إعدام ميت» من إخراج علي عبد الخالق، و«بئر الخيانة» بطولة نورالشريف وإخراج سمير سيف، و«فخ الجواسيس» بطولة هالة صدقي وإخراج أشرف فهمي، وكلها تدور حول بطولات وجهود المخابرات المصرية في الإيقاع بجواسيس العدو سواء أثناء عملهم في مصر أو في عواصم غربية.
وعلي عكس هذا المفهوم السائد، حاول قلة من كبار الكُتاب والروائيين والمفكرين المصريين الذين تلقوا تعليمهم في الغرب، تقديم صورة أكثر موضوعية وتوازناً، مثلما فعل د.طه حسين في تصويره للغربيين الذين ساعدوه خلال إقامته في فرنسا وعلي رأسهم زوجته السيدة «سوزان».
والحقيقة أن الصورة السائدة في أعمالنا الأدبية والفنية عن الآخر، لا تقل ظلماً عن الصورة التي يقدم بها الغرب و السينما الأمريكية علي وجه الخصوص شخصية العربي والمسلم، وكأن التشويه متعمد والمبالغة مقصودة كنوع من الانتقام، وهذه النظرة المغلوطة من الجانبين زادت سوءاً بعد أحداث 11 سبتمبر وظهور «الإسلاموفوبيا»، وهو وضع يزيد باستمرار مع تنامي مشاعر الكراهية للآخر، رغم كل الكلام عن الدعوة للتآخي والتسامح وحوار الحضارات.