في مثل هذه الأيام من كل عام كانت تشهد فلسطين بشكلٍ عام، وبيت لحم تحديدًا، أجواء من الاحتفالات والبهجة غير موجودة في أي بلد آخر، احتفالًا بعيد ميلاد السيد المسيح ، فقط كانت تتميز بها هذه الأرض، التي شهدت مهد المسيح، الذي جاء منها حاملًا معه رسالة السلام والمحبة من السماء إلى العالم أجمع، إلى أن شن الاحتلال الإسرائيلي الغاشم الإبادة الجماعية والحصار في قطاع غزة وعمليات الأسر الممنهجة في الضفة الغربية والقدس، مما جعل الحزن والموت والدمار يخيموا على هذا الوطن الذي كان يعج بالزائرين كل عام من مشارق الأرض ومغاربها ليشاهدوا أجواء الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد في مهد المسيح.
فـ للعام الثاني على التوالي تُقرر الكنائس المسيحية في فلسطين إلغاء احتفالات الميلاد المجيد، حيث تقتصر الفعاليات على الشعائر الدينية فقط، حزنًا على الدماء المسفوكة في ميادين وشوارع وأزقة غزة، فالاحتفالات التي كانت محض أنظار العالم كل عام، بهتت، والتحضيرات اختفت، ليستقبل مسيحو فلسطين عيد الميلاد وسط أجواء من الصمت والحزن!
وفي هذا السياق، يقول الأب د. طلعت عواد، راعي كنيسة رقاد العذراء للروم الأرثوذكس ببلدة عابود قضاء رام الله لـ "بوابة دار المعارف": للعام الثاني على التوالي ستقتصر الاحتفالات الدينية لعيد الميلاد المجيد 2025، على إقامة القداس الإلهي داخل الكنائس، بدون جميع المظاهر الإحتفالية، إكرامًا "للدم البريء المسفوك في غزة" وفي كل بقعة بفلسطين، احترامًا للشهداء الأكرم منا جميعًا، وتم الاتفاق بين جميع الكنائس في فلسطين وأصدارنا بيان موحد، يدعو للإقتصار فقط على الشعائر الدينية بدون أي مظاهر للاحتفالات.
بلد السلام يَئن
وأضاف الأب "عواد" بثباتٍ وإيمان: فلسطين هي بلد السيد المسيح الذي منه شع نور السلام، وانطلقت رسالة السماء بالمحبة والأخاء إلى أرجاء المعمورة، لكن اليوم تَئنُ تحت وطأة وهدير أصوات آلات الحرب والقتل والدمار وسفك الدماء البريئة، لذا يجب علينا أن نتحد بالصلاة والدعاء إلى الله؛ ليساعدنا على إيقاف آلة الحرب والقتل، وأن نسعى للسلام ونعمل لأجل تحقيقه؛ لأن السلام هو الذي يبني ويعمر، عكس آلة الحرب الإسرائيلية التي تقتل وتدمر، فنحن بحاجة لتضافر جميع الجهود للعمل من أجل السلام لنبني ونعمر ونحيا كما باقي شعوب الأرض بالحرية والاستقلال والسلام جنبًا إلى جنب مع جيراننا وأخوتنا وكل العالم.
ومن جانبه، يقول حنا حنانيا، نائب رئيس بلدية بيت لحم: وسط العدوان الغاشم على فلسطين من مشارقها لمغاربها، والمجازر وحرب الإبادة والتطهير العرقي الذي يقوم به الاحتلال الإسرائيلي، لا يسعنا إلا أن نكون رافضين لهذا الواقع المرير الذي فُرض علينا، ونؤكد تماسكنا الجغرافي مع قطاع غزة ولا يمكن تقسيم فلسطين لا جغرافيًا ولا دينيًا، فنحن المسلمين والمسيحين نشكل الكل الفلسطيني الذي يحاربه الاحتلال، حيث قصفت آلة الاحتلال الصهيوني المساجد والكنائس بدون إحترام قدسية بيوت الله.
الحزن يطمث فرحة عيد الميلاد
وأضاف بصوتٍ واه، لكنه عميق: بيت لحم مولد السيد المسيح، شأنها شأن أي مدينة فلسطينية حزينة وغاضبة على ما يحدث، فنحن في مدينة بيت لحم مسلمين كنا أو مسيحين لا يمكن لنا أن نفكر بالاحتفال في ظل هذه الظروف، وأيضًا لم نحتفل في العام السابق ولن نحتفل هذا العام والأعوام القادمة، ما دام هذا العدوان مستمر ضد شعبنا المكلوم.
وعن كيفية تأدية الطقوس والشعائر الدينية بالبلدة، قال لـ "دار المعارف": مدينة بيت لحم بجميع كنائسها ورعايا الكنائس ستقوم باستقبال أعياد الميلاد المجيدة بالإقتصار على الشعائر الدينية وبالصلاة داخل الكنائس مع الاحتفاظ بالاستاتسكو المعمول به منذ عقود، ونحن هنا في بيت لحم أرسلنا رسائل عدة للمجتمع الدولي للتدخل لوقف هذا العدوان على شعبنا الفلسطيني، فمن حق هذا الشعب الذي يتكبد الويلات منذ عقود والذي لم يحمل إلا رسالة السلام، أن يعيش بكرامة على أرضه ونيل حقوقه المشروعة باقامة دولته المستقلة.
أشجار الميلاد تخلو من الزينة
أما أريكا زيدان، الصحفية بفصائية معًا الفلسطينية، تقول: من المؤسف أن تشهد الأرض الذي جاء عليها المسيح حاملًا السلام معه، كل هذا الدمار، ف مهد المسيح كان في بيت لحم، والتي هي بداية انطلاقة الدين المسيحي، ورسالة البهجة التي جاءت معه ومنه وانطلقت إلى العالم أجمع، لكن الأفعال الإسرائيلية فرضت علينا هذا العام أيضًا "تغيب شجرة عيد الميلاد"، والزينة والأضواء عن ساحة المهد في بيت لحم؛ بسبب استمرار حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في المحافظات الجنوبية، وعدوانه المتواصل على المحافظات الشمالية.
وزفرت "أريكا" بأسى شديد، وأضافت لـ"دار المعارف": أنظار العالم أجمع كانت تتجه في عيد الميلاد إلى بيت لحم مهد السيد المسيح، لكن الآن تبدو المدينة وشوارعها وأزقتها، شبه خالية من السياح، الذين كانوا يتوافدون من جميع بقاع الأرض ليعشوا أجواء العيد في البلد الذي شهد مولد المسيح، ما كان أحد أن يتخيل أن المدينة التي كانت تعج بالاحتفالات، يقتصر فيها الاحتفال على الشعائر والصلوات الدينية بالكنائس فقط.
ومن جانبها، تقول جوليا كامل، إحدى قاطنات قرية الطور بمدينة القدس المحتلة، بصوتٍ به رنة أسى: في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو القدس، الاحتفال بعيد الميلاد هذا العام أيضًا سيكون مختلفًا بشكلٍ كبيرٍ عن جميع العقود الماضية، فعيد الميلاد في فلسطين كان محض أنظار العالم أجمع؛ لأن فلسطين هي مهد المسيح، لكن الحرب وأفعال الاحتلال الغاشمة قضت كل مظاهر العيد والاحتفالات التي كانت تضيء المدن، فـ"الاحتلال يسعى لتدمير حياتنا بكل ما يملك من أدوات"، ولكن مع ذلك، يبقى الأمل والإيمان هما القوة التي تدفعنا للاستمرار في ممارسة شعائرنا الدينية رغم كل التحديات.
أرض المسيح تتأوه من الألم
وواصلت بحزنٍ شديد: يعز علينا أن الأرض التي شهدت ميلاد السيد المسيح، تشهد من الاحتلال ما تشهده، فشعورنا بالألم والحزن عميق، ويزداد هذا الشعور عندما نجد أن هذا الحدث العظيم يُحتفل به في ظروفٍ قاسية، حيث يفتقد الكثيرون لفرحة العيد؛ بسبب الأحداث الإستثنائية التي نمر بها، لكن في الوقت نفسه، تعكس هذه اللحظات صمود الشعب الفلسطيني وقدرته على الحفاظ على إيمانه وطقوسه في أحلك الظروف، فيبقى الميلاد رمزًا للأمل والعطاء، وذكرياته مصدر إلهام لعيش قيم المحبة والسلام.
واستعادت صمودها، وأضافت: على الرغم من صعوبة الوضع، يظل الاحتفال ب ميلاد السيد المسيح هو مناسبة للتمسك بالقيم الروحية والتضامن، حيث يشهد الفلسطينيون منذ عدة عقود محاولات للتهويد وفرض القيود على الوصول إلى الأماكن المقدسة، ولكن مع ذلك يسعوا للحفاظ على طقوسهم الدينية غير عابئين بما ينتهجة الاحتلال من سياسات قمعية في حق أصحاب الأرض، وأحيانًا يتعين على البعض البقاء في منازلهم؛ بسبب الحواجز والقيود المفروضة على الحركة، خاصةً في غزة والقدس، والتي حالت دون قدرة الكثير على الوصول إلى أماكن العبادة، بجانب استهداف الكنائس في غزة، وحظر دخول المسيحيين من مناطق مختلفة إلى القدس، ولكن العائلات تواصل تجميع أنفاسها لتبادل التهاني والدعوات للصلاة من أجل السلام، وقد تكون الاحتفالات هذا العام أقل وضوحًا من الأعوام السابقة بسبب الحرب الطاحنة، لكن يبقى لدينا رغبة قوية في إحياء الشعائر الدينية داخل منازلنا وفي الكنائس الصغيرة التي ما تزال تقاوم، ربما لن تكون هناك مواكب أو تجمعات كبيرة، ولكننا سنستمر في رفع صلواتنا من أجل السلام، على أمل أن يبتسم العالم لنا بحلول قريبة تضع حدًا للمعاناة وتحقق السلام لشعبنا.
رسالة المسيح هي الأعلى
واختتمت "جوليا" حديثها لـ "دار المعارف" بتوجيه رسالة للعالم، قائلة: في العيد الثاني لميلاد المسيح وسط هذه الحرب القاسية، على العالم أن يعلم أن الأمل لا يموت، وأن الحب والتضامن بين البشر هما أركان الدنيا وأوتادها، ورغم الحروب والدمار، يظل المسيح هو نور العالم، الذي يعلمنا أن السلام يبدأ من القلوب، وأن الحق لا يموت مهما كانت الصعاب، ففي هذه الأيام، نحن بحاجة إلى دعم العالم، من أجل رفع المعاناة عن شعبنا، ومن أجل أن يكون عيد الميلاد مناسبة للسلام وليس للدمار، وستظل رسالتنا متجددة في الإصرار على حقنا في الحياة والحرية.