خاص | سيرا على الأقدام.. فلسطينيون يروون رحلة العودة إلى ديارهم في شمال غزة

خاص | سيرا على الأقدام.. فلسطينيون يروون رحلة العودة إلى ديارهم في شمال غزةالعودة إلى الشمال

في مشهد يختصر المأساة، عاد آلاف الفلسطينيين النازحين من جنوب قطاع غزة إلى شماله، يسيرون كأنهم نهرٌ بشري متدفق، تحملهم اللهفة وتدفعهم الذكريات، بعد خمسة عشر شهرًا من التهجير القسري، اجتازوا الطرقات التي غيّرتها الحرب، بحثًا عن منازلهم التي لم يبقَ منها إلا الركام، وعن أزقة كانت يومًا تعج بالحياة.

حملوا معهم جراح الوطن في قلوبهم، ونبشوا بين الأنقاض عن بقايا الذكريات، عن عتبات كانوا يجلسون عليها، عن أبواب اعتادوا طرقها، وبين الدمار والصمت، تنفّسوا زفيرًا مختنقًا برائحة الدم والبارود، لكن أعينهم ظلّت معلقة بالأمل، بأن تعود الحياة إلى ما كانت عليه يومًا.

في البداية، تقول هداء الدحدوح، التي عادت إلي بيتها في تل الهوا لأول مرة منذ 13 أكتوبر 2023، بعد رحلة نزوح استمرت 16 شهرًا جعلتها تتنقل 9 مرات بحثًا عن بقعةٍ أمنة في القطاع المدمر، لـ«بوابة دار المعارف»: رحلة عودتنا إلي الشمال كانت من أصعب الرحلات التي مرت على الغزويين في حياتهم، معاناة الطريق كانت مؤلمة، لكنها كانت ممزوجة بفرحة لا تخلو من غصة بالقلب المكلوم، فجميعنا كنا نسير حاملين على ظهورنا أمتعتنا وفي قلوبنا قصة مؤلمة صعب أن تروى، هناك أم تسير وحدها بعدما فقدت جميع أبناءها، وهناك طفل فقدَ جميع أفراد عائلته، وهناك شيخ لا يقوى على تحمل ألم الرحلة دون شراب أو طعام أو أغطية، وهناك مرضى أنهكت الرحلة قوهم على السير، باتوا يتساقطون من الألم.

اختفاء معالم الشوارع والمنازل

وواصلت هداء حديثها، وهي مخلوعة القلب تبحث عن ذكرياتها التي دُفنت بين الأنقاض ، قائلة: أحساسنا عندنا رأينا منازلنا المهدمة لأول مرة، لا يوصف شعور ممزوج بالحزن والمرارة والقهر والألم على ما حدث لنا ولأهالينا ولديارنا، فأنا عندما عُدت كنت لست قادرة على تميز شارعي ولا بيتي، فقط ركام أمام أعيننا، فـ«الدمار محى معالم شوارعنا وديارنا» ولكن بالنهاية يكفي أننا عدنا وعودتنا حق لنا وعلينا، فنحن منذ 16 شهرًا كنا ننتظر العودة وكأننا ونحن بعيد عن أرضنا بالشمال كنا جالسين على الجمر، وعلى الرغم من أن كان لا يوجد أي مؤشرات تدل على العودة ولكن الأمل في قلوبنا كان أقوى من مخططات العدو؛ لأن الفلسطينيين شعب الجبارين ولا يقبلوا الهجرة كما قالها أبو عمار من قبل.

واختتمت هداء حديثها لـ«بوابة دار المعارف»، وفي عينها بريقٍ لامع يحمل الكثير من المعانى، قائلة: على الرغم من ألم الرحلة، لكن جميعنا كنا في لهفةٍ شديدةٍ للعودة إلي أرضنا، وليس بيتنا؛ لأن البيوت سُحقت وكنا نعلم أننا عائدين إلي أرضٍ في الخلاء وليس إلي بيتٍ، ولكن يكفي أننا سنجلس على بقايا ديارنا لعلنا نجد صورة بين الأنقاض تشبهنا، تعطينا دفعة للحياة من جديد، فرغم الدمار سعيدة بعودتي إلي البيت الذي أصبح كومة من الركام المتراكم، يكفي أنني تربيت فيه، ترعرعت في زواياه، هذه الحجارة المتبقية من بيتي شاهدة على طفولتي، وصباي، حملت بيتي في قلبي، وحملني بين جدرانه، سنبقى في بيوتنا وعلى أرضنا باقون وباقون للأبد، نحن أصحاب الأرض والبلد رغم أنف الكيان الصهيوني.

ومن جانبها، جلس شعبان إبراهيم أحد سكان منطقة الزيتون، والذي أجبرته آلة الحرب الإسرائيلية كما أجبرت جميع أهالي الشمال على النزوح، عاد إبراهيم من دير البلح إلي أرضه من جديد، يروي لنا رحلة عودته، قائلًا: الرحلة كانت شاقة عدنا من شارع الرشيد والذي كان واعرًا بسبب الاستهداف الإسرائيلي للبنية التحتية، وكان محاصر بسياج جيش الاحتلال، كنا نسير في طريقنا وكلما ننظر يمينًا أو يسارًا لا نرى إلا دمار، وكأننا في مدينة مهجورة منذ ملايين السنين، وكان ممنوع أن نستعين بمواصلة تخفف علينا ألم الطريق، فقط السير على الأقدام هكذا أمر الاحتلال.

البحث عن سبيل بين الأنقاض

وحدق "شعبان" في السماء يستعيد مشهد العودة المؤلم، وأضاف: أكثر شيء كان محزن بالنسبة للجميع هي اختفاء معالم الطريق، لا يوجد شارع أو حارة أو زقاق أو بيت كما هو كل شيء مدمر بالمعنى الكامل للكلمة؛ بالتالي كانت العودة إلى البيت أو إلي ما تبقى منه أمر في غاية الصعوبة، كنا نسير ونعود في نفس الدائرة دون التعرف على المنزل، وبالنهاية حاول الجميع البحث بين الأنقاض عن علامةٍ أو على أي شيء متبقي من أساس المنزل لنتيقن أن هذا هو منزلنا بالفعل.

وبصوتٍ حزين استكمل "شعبان" حديثه لـ«بوابة دار المعارف»، قائلًا: كنا نعلم أننا سنعود إلي بيوت مهدمة وإلي شوارع سُحقت، ولكن ليس كما رأينا في الحقيقة، فحجم الدمار الذي عدنا عليه يفوق الوصف، لا يمكن وصفة إلا بأنه «انتقام من الشعب الفلسطيني»، 16 شهرًا من الذل والإهانة والجوع والمرض، عدنا إلي بيوت مدمرة كليًا، ولكن أول فعل صدر مني عندما تعرفت على بيتي سجدت شكر لله على إكرامه لنا بالعودة، بالنهاية لا مكان أحب إلي قلب الإنسان أكثر من بيته ولو كان حفنة من التراب، فعودتنا إلي الأرض ثمينة وعزيزة على قلوبنا جميعًا.

وجوه أغلقت باب الابتسامة

وواصل "شعبان" حديثه برضا تام، قائلًا: الجميع حزين على بيته المدمر، لكن في ذات الوقت سعيد بعودته، فجميع أهالي الشمال لطالما طلبوا من الله العودة، فنحن هنُا نملك ذكريات جميلة، بإمكانها أن تصبرنا حتى نعيد الإعمار من جديد، فأنا سأنصب خيمة فوق ركام بيتي وأعيش بداخلها مع عائلتي، وسنرسم البسمة من جديد على وجوهنا الشاحبة التي أغلقت باب الإبتسامة منذ نزوحنا في 8 أكتوبر 2023 فنحن نزحنا ثاني أيام الحرب ومنذ ذلك التاريخ لم ترى وجوهنا الإبتسامة، ولكن بعودتنا سنتمكن بإذن الله من العودة إلي الحياة رغم إنعدام مقومات الحياة.

رحلة مليئة بالقصص المأساوية

أما يافا أبو عكر التي نزحت من بيتها في حي الرمال بشمال القطاع، إلي الوسطى، وعادت مع عائلتها إلي بيتها سيرًا على الأقدام لمسافة 15 كيلو مترًا، قالت لـ«بوابة دار المعارف»: رحلة العودة كانت شاقة ومليئة بالمصاعب، لكن كان ما يصبرنا على مشاقة الطريق هو فخرنا بالعودة، الذي يمثل لنا انتصارًا في وجه العدو الغاشم، لكن لا يمكننا أن نتجاهل آلمنا، ومشاعرنا الممزوجة بالألم والوجع والفقد، فكلما تخطو بقدمك شبرًا تجد قصة مأساوية جديدة، فطوال الرحلة تكتشف قصة حزن مختلفة ومؤلمة، فكل شخص كان يحمل بداخله قصة إنسانية مبكية، تجد يافع فقد أطرافه، وتجد أطفالًا فقدوا أهاليهم في الوسطى أو الجنوب، تجد رجل فقد أبناءه، وامرأة فقدت زوجها، الجميع كان كما يحمل الأمتعة على ظهره كان يحمل أيضًا حزنًا وهمًا أثقل حملًا من أمتعته في قلبه.

وتابعت "يافا" حديثها بحزنٍ عميق خيم على عينيها، وقالت: لم أبكى في حياتي بكاءً كما الذي بكيته عندما عُدت إلي مدينة غزة، فكلما أنظر في زاوية لا أرى إلا الدمار، ركام هُنا وهناك، فمدينة غزة التي كانت من أفضل مدن فلسطين، أصبحت «مدينة ركام»، كل شيء أنتهى، لم يتبقى إلا الأنقاض، الأبراج والمستشفيات والمدارس والمباني وكل شيء تساوى بالأرض، وكأننا في مشهد من مشاهد يوم القيامة، فلا يوجد حديث يمكن أن يصف المشهد المأساوى الذي أصبحنا عليه الآن.

واستعادت "يافا" قوتها وصمودها، وواصلت حديثها لـ«بوابة دار المعارف»، قائلة: عودتنا انتصارًا لنا؛ لأننا أصحاب الأرض وتمسكنا بأرضنا، وسننظل نتمسك بها حتى الرمق الأخير، فنحن نزحنا أكثر من 9 مرات ومع ذلك لا زالنا نتمسك بحقنا وأرضنا، وبإذن سنعمرها بسواعدنا، بالتأكيد في البداية سيكون الأمر صعبًا خاصةً أن كل شيء مدمر، بجانب انعدام مقومات الحياة، من طعام وشراب وكهرباء وصرف صحي نفتقد كل شيء بمعنى الكلمة، ولكن الأمل في وجه الله أكبر من الحزن في قلوبنا.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان