يقدم فيلم مسيو أزنافور ، الذي قام ببطولته طاهر رحيم ، و أخرجه المهدي إدير وأنطوان أجودجيان ، قراءة سينمائية لمسيرة المغني الفرنسي الشهيرمن أصل أرمني شارل أزنافور، الذي كان من أبرز رموز فرنسا عموما، وليس الغنائية فقط، والذي ظل على القمة، يعمل وينتج حتى وفاته عن عمر يناهر 94 عاما، ومحققا مبيعات ضخمة، ونجاحا مكتسحا، بعد بدايات فقيرة وقاسية، كما ظل عنوانا على استمرار النجاح والتألق.
الفيلم جيد، وإن افتقد قوة الدراما التى نجدها مثلا فى فيلم الصغيرة عن حياة إديث بياف، والمفارقة أن بياف تظهر أيضا فى فيلم مسيو أزنافور ، لأنها لعبت دورا كبيرا فى حياته.
قوة الدراما فى فيلم بياف ربما ترجع فى الحقيقة الى تقلبات حياتها العاصفة، فرغم أنها تشترك مع أزنافور فى الفقر، إلا أن أزنافور عرف حياة مستقرة، وارتباطا قويا بعائلته الأرمينية، ويظهر ذلك بوضوح فى الفيلم، ورغم أن إزنافور عرف أيضا الفشل والإخفاق الفني، إلا أنه عرف كيف يحقق نجاحا كبيرا، وظل لسنوات ناجحا ومتحققا، ولم يجد الفيلم له من مأساة كبيرة، سوى انتحار ابنه باتريك، وهو ابن غير شرعي، اعترف به أزنافور، ووفر له الحياة المادية المريحة، ولكن يبدو أنه كان مشغولا عنه ببناء النجاح الغنائي، ولم يلتفت الى أزمة الابن النفسية، والى وحدته القاسية.
لكن السبب الأهم فى هذا الفارق الدرامى بين حكاية بياف وأزنافور هو أن فيلم الأخير يجعل من الغناء والنجاح محورا للفيلم كله، ويوظف أغنياته الشهيرة فى إطار تفاصيل مسيرته الحياتية، وليس العكس، بل إن أفضل ما فى الفيلم هذه التتابعات الممتازة لذلك المزيج بين أغنياته وحياته، مثل دمج أغنية "لابوهيم" الشهيرة مع مشاهد فوتومونتاج لحكاية حب أزنافور مع الفتاة السويدية أولى التى ستصبح زوجته، ومثل الأغنية العظيمة التى شهدت عودة أزنافور الى القمة، بعد فشل سابق، والتى صورت فى لقطة واحدة ممتدة، تدور فيها الكاميرا حول أزنافور والجمهور، وتنتهى بفتح الستار، والتصفيق الحاد للجمهور، والأغنية نفسها استلهمها أزنافور عن علاقته بالجمهور نجاحا وفشلا، لذلك كانت حركة الكاميرا المعقدة فى موضعها تماما.
بدا لى أن الدراما تخدم الغناء، وليس العكس، مثلما منح أزنافور حياته كلها لفنه، وربما أثّر ذلك على عدم تعميق خطوط كثيرة، أو بمعنى أدق المرور العابر عليها، مثل بالطبع علاقته مع ابنه باتريك، ومثل ظهوروالدة باتريك فجأة، دون أن نعرف قصتها مع أزنافور، وهى خطوط كان يمكن أن تمنح الدراما بعض الحيوية، مثلما فعلت مشاهد جيدة أبرزها حكايته مع أديث بياف، التى كانت مثله الأعلى، فعمل عندها سائقا، وكان يقدمها فى الحفلات، وسافر الى أمريكا وراءها، وعمل بنصيحتها بالعودة الى فرنسا، والانفصال عن زميله وشريكه فى الغناء بيير روش، ومن الخطوط الدرامية الجيدة، علاقة أزنافور مع روش، شريك البدايات، والصديق الذى حقق معه أزنافور نجاحه الأول.
لكن ما برع فيه الفيلم حقا، وهو محور المعالجة كلها، تصوير أزنافور كفنان جائع للعمل وللنجاح، لا يهدأ ولا يتوقف عن كتابة الأغانى وأدائها، لايريد أن يفشل مرة أخرى، رغم تقدمه فى السن، ورغم ظهور أشكال وألوان من الأغنيات، مثل تجربة جونى هوليداي، الذى اشترك معه أزنافور فى دويتو.
نشاهد أزنافور كرجل طموح، يضع عناصر للنجاح، ويجهد العازفين فى البروفات، ويسافر الى كل مكان، ويطلب ترجمة أغنياته الى الإنجليزية والإسبانية، ليصبح فعلا مطربا عالميا، وليس فرنسيا فقط، ويظهر فى مشهد مع فرانك سينارترا، متمنيا أن يحصل على نفس أجره، ويتحقق ذلك فعلا.
وفى أحد أفضل مشاهد الفيلم غير الغنائية، يتحدث تليفونيا مع أخته أيدا، ويبكى لأنه وصل الى القمة، ولا يجد شيئا يفعله، وهو مشهد يمكن اعتباره مفتاح الفيلم، لأنه لم يتبق بعد الوصول الى القمة، سوى استقبال الموت، وبعدها مباشرة ننتقل الى خبر وفاته، ومشاهد أرشيفية لشارل أزنافور فى سن متقدمة، ومع ذلك فهو يغنى ويرقص، ويكاد يقلد والده وأمه، صاحبا أحد المطاعم، فى رقصتيهما الأرمنية، والتى شاهدناها فى بداية الفيلم.
بناء السرد نفسه كان ذكيا، حيث نبدأ من لحظة فاصلة فى العام 1960، بفشل كبير، وحوار تليفونى لشارل مع أخته أيدا، ثم يجلس لكتابة أغنية نعرف أنها ستكون سبب نجاحه وعودته، ولكن ليس قبل أن نعود فى فلاش باك طويل الى ما قبل العام 1960، حيث ولد شارل لأسرة أرمنية مهاجرة فقيرة، وكان الأب يقول له دائما: "أنظر من أين جئنا .. وكيف نحن الآن؟"، وهى أسرة مستقرة تحب الحياة، يغنون ويرقصون، وأخته أيدا عملت كمغنية أيضا.
يربط الفيلم بذكاء بين بدايات الطفل شارل كممثل صغير، عندما رفع عنه الستار، وبين رفع الستار عنه عند عودته الى النجاح، كما يتابع بداياته المتخبطة، ومحاولته أن يغنى أغنيات خاصة به، وليس تقليد أغنيات المشاهير، واعتراض كثيرين عليه، لأن صوته أجش، ولكن العالم الجديد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، يفتح أمامه الباب من جديد، وبسبب صعوبة الدفع لكتاب الأغنية الكبار، يقرر شارل ان يكتب أغنياته هو وروش، والتى حققا بها أول نجاح جيد.
فى لحظة أخرى فارقة، سيترك شارل معلمته بياف، وسيشق طريقه، دون اعتماد على أحد، وبعد أن كان يصفونه بالأعرج، والأرمنى الذى يجب أن يترك الغناء ليعمل فى مجال المحاسبة، وبعد أن يخفق ويفشل فى غزو باريس، يعود من جديد، ليعتلى القمة، ثم يصبح بعد ذلك أسطورة فرنسية وعالمية.
عمل شارل الدائم لم يكن هدفه التحقق الفنى فقط، ولكن المالى أيضا، فقد عرف حياة الفقر، ولم يكن يريد أن يعود إليه أبدا، كما أنه وفّر لأولاده حياة مرفهة، وكذلك لأمه وأبيه، وكان يعمل من أجل المحافظة على هذا الرفاهية، وظلّت العائلة دوما عنوانا لحياته الهادئة المستقرة، وبالتالى لم يكن فيها من الدراما العاصفة ما يجعلها فى دائرة الضوء، مقارنة بنجوم غناء آخرين.
لم أشعر أبدا بأن الفيلم من إخراج شخصين، وليس شخص واحد، بالتأكيد كانت هناك خطة مشتركة لكى يخرج الفيلم بهذه الرؤية البصرية الواحدة، وبذلك التدفق السلس فى المونتاج، كل مشاهد الأغنيات متميزة، وموظفة بشكل جيد، ومن أجمل المشاهد غير الغنائية مشهد دخول القوات ألأمريكية الى باريس، والذى صوّر فى لقطة متصلة، تأخذ شارل وحبيبته الى الشارع ، لمشاهدة دخول الدبابات ألأمريكية.
ومن علامات الفيلم البصرية أيضا ذلك الظل الممتد لجسد شارل، والذى يظهر معه على المسرح طفلا وشابا، ويظهر أيضا فى صورة الأفيش، حيث لن ينتمى أزنافور إلا لظله ولنفسه، ولن يكون مجرد مغن، ولكن ظله سيمتد وارفا على غناء القرن العشرين كله.
أما أداء طاهر رحيم لدور شارل أزنافور، فلم يكن متميزا طوال الوقت، كان هناك اهتمام بالجانب الحركى المميز لشارل، وبشكل متقن، ولكن مراحل شارل وقد تقدم فى العمرهى الأفضل، والحقيقة أن هناك مشكلة عند طاهر هى أن عينيه الضيقتين توحيان بالمكر والخفة، بينما توحى عينا شارل المميزتين والمعروفتين بالذكاء والعمق، وقد أفسد هذا الاختلاف مشاهد كثيرة، بالذات فى مرحلة الشباب، رغم اجتهاد طاهر الكبير فى الأداء.
حكاية مسيو أزنافور تظل مع ذلك ملهمة، كقصة كفاح ونجاح، وكعمل مرهق للمحافظة على النجاح، يظل المعنى الأجمل فى الفيلم : الفنان هو منجزه الفنى قبل أى شيء آخر، لأنه ما سيبقى ويدوم، مثلما عاشت وستعيش أغنيات أزنافور فى حياته، وبعد مماته.
مهما كانت تفاصيل الحياة الإنسانية، فهى مادة للفن الخالد عند الموهوبين.
هكذا أدرك شارل، فكان يستلهم من الحياة أغنيات يكتبها، وهكذا أراد دوما بأن يكون الغناء هو الحياة الحقيقية، وأن تظل حياته الخاصة كاستراحة وكفواصل بين الأغنيات التى يقدمها.