رسمت البيانات الرسمية والتقارير الاقتصادية صورة قاتمة لسوق العمل في فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، حيث يواجه تحديات حاسمة وسط تباطؤ النمو الاقتصادي وتصاعد المخاوف من ارتفاع معدلات البطالة.
ويأتي ذلك في وقت يطالب فيه خبراء الاقتصاد بالمزيد من الإصلاحات لمعالجة الأوضاع المتدهورة.
ووفقًا لصحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية، فإن أداء سوق العمل الفرنسي مؤخراً يقوض جهود الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي سعى لسنوات إلى تحقيق التشغيل الكامل. ورغم أن معدل البطالة استقر عند 5%، إلا أن معدل التوظيف سجل تراجعًا العام الماضي لأول مرة منذ عقد، وفقًا لوكالة الإحصاء الفرنسية إنسي.
كما شهدت توظيفات الفئة العمرية 16-25 عامًا انخفاضًا حادًا، على الرغم من أن البطالة بين الشباب لا تزال أقل مما كانت عليه قبل تولي ماكرون السلطة.
ويعكس هذا التراجع نهاية الطفرة التي شهدها سوق العمل قبل جائحة كورونا، مدعومة بإصلاحات خففت القيود على التوظيف وخفضت الضرائب على الشركات. ومع ذلك، تحذر شارلوت مونتبيليه، الخبيرة الاقتصادية في مؤسسة آي إن جي، من أن سوق العمل الفرنسي يضعف بشكل واضح، مشيرة إلى أن أدائه قد يصبح أقل من نظيره الألماني بسبب عدم اليقين السياسي وتراجع التوظيف في القطاع العام.
كما تُظهر الإحصاءات زيادة حالات إفلاس الشركات، وتزايد عمليات تسريح العمالة، بما في ذلك شركات كبرى مثل متاجر أوشون، التي أعلنت إغلاق عشرات الفروع والاستغناء عن 2400 موظف خلال 2024، وشركة ميشلان التي أغلقت مصنعين لها في نفس العام.
ورغم هذه التحديات، نمت قوة العمل بأكثر من مليون شخص منذ 2020، مدفوعة برفع سن التقاعد وتقديم الدعم المالي للمتدربين. ويرى ستيفاني كارسيلو، الخبير الاقتصادي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أن البطالة بقيت دون 8% حتى مع تباطؤ النمو الاقتصادي إلى أقل من 1%، مما يعكس تعقيدات سوق العمل الفرنسي في المرحلة الراهنة.
بدوره.. يرى محافظ البنك المركزي الفرنسي، فرانسوا فيلوري دي جالو، أن البطالة تصاعدت نسبياً بشكل ملحوظ، وكان ينتظر ارتفاعها إلى 7.5 أو 8 في المائة بحلول نهاية العام، وهو ما يقل عن توقعات سابقة للمحللين.. لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت فرنسا قادرة على الحفاظ على المكاسب الأخيرة في مضمار التوظيف، الذي يعتبره الاقتصاديون مجالاً حيوياً لتوسيع قاعدة الضرائب وإصلاح المالية العامة المنهكة والمتضررة بشدة في البلاد؟.
كما أبرز بيان أخير لـ"مجلس التحليل الاقتصادي" الفرنسي مواطن الضعف في البلاد، لافتاً إلى أن البالغين ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و74 عاماً اشتغلوا 100 ساعة عمل أقل في المتوسط سنوياً مقارنة بنظرائهم في المملكة المتحدة وألمانيا. ويعزو المجلس ذلك ليس إلى نقص ساعات عملهم الأسبوعية، بل بسبب أن كثيرين من الشباب وكبار السن في البلاد لا يعملون على الإطلاق.
وتسعى فرنسا إلى سد الفجوة طويلة الأمد بزيادة أمد احتفاظ كبار السن بوظائفهم، فأولئك ممن يبلغون الخمسين من أعمارهم باتوا اليوم أكثر أرجحية للعمل من نظرائهم في بريطانيا والولايات المتحدة، كما أن الإصلاحات السابقة في نظم المعاشات تسهم تدريجياً في إدماج من هم تجاوزوا الستين من أعمارهم.
واكتسبت شركة "سافران"، مجموعة الصناعات الدفاعية والجوية والملاحية، شهرة متنامية بأنها تقدم نمط "تقاعد تقدمي" بين العمال كبار السن، إذ تتيح لهم العمل لمدة أربع ساعات أسبوعياً، مع الاحتفاظ بـ90 في المائة من رواتبهم.
ودعا "مجلس التحليل الاقتصادي" (سي إيه إي)، إلى إعادة تقييم واسعة النطاق لمنظومة دعم الدولة لسوق العمل، معتبرا أن فرنسا تنفق أكثر بصورة ملحوظة عما ينفقه جيرانها على سياسات سوق العمل، غير أن النتائج متوسطة.
وبينما تنجح بعض الإصلاحات، من بينها الدعم الشامل الكبير للفئات العاطلة عن العمل، فإن محافظ البنك المركزي الفرنسي، دي جالو، نادى أخيراً بضرورة إعادة النظر بشأن الإعفاءات الضريبية، التي تكلف المالية العامة نحو 2.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتوجه لدعم توظيف عاملين ربما كان سيتم تعيينهم بأي حال من الأحوال.