اهتمت مراكز الفكر والأكاديميات المختلفة بدراسة القوي الشاملة لجمهورية الصين الشعبية في كافة المجالات المختلفة ( الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتكنولوجية والإعلامية وغيرها من مجالات القوي ) واتفقوا جميعا علي أن أهم ما يميز الصين الجديدة هو قوتها الاقتصادية .
تساءل العديد من الخبراء عن مدي مصداقية تلك الاستنتاجات ومدي قدرة الصين علي استخدام قدراتها الشاملة، وإلي أي مدي تستطيع تحقيق نجاحات في مواجهة الولايات المتحدة المهيمنة علي النظام الدولي حاليا .
وبالنظر الي القوة الاقتصادية الصينية نجد أن الصين مرت بالكثير من التجارب الاقتصادية المختلفة، ولكنها في نهاية المطاف أوجدت تجربة فريدة من نوعها انقذت الصين من مصير مشابه لانهيار الاتحاد السوفيتي وهي (الاشتراكية ذات الخصائص الصينية)، حيث التزمت الدولة باشتراكية النظام كعقيدة تهدف الي الوصول للفقراء بالدعم المطلوب وتشجيعهم علي الخروج من براثن الفقر من خلال إكسابهم المهارات اللازمة لإنشاء المشاريع المختلفة بل وايضا ريادة الأعمال وجعلهم قادرين علي المنافسة داخل وخارج السوق الصيني , مع التطبيق الكامل لنظريات السوق الحر ومبادئ الرأسمالية علي جميع من يتنفس داخل هذا السوق ، مما جعل تلك التجربة فريدة من نوعها مع التزامها بعدم النمطية والمرونة الكاملة كمنهج للتعامل مع المتغيرات العالمية ، حيث نجد ان الصين تحولت من سياسة اشتراكية بحتة الي سياسية الانفتاح والتعاون وجذب رؤوس الأموال للاستثمار في الصين علي مدار العقود الأخيرة محققة العديد من المكاسب ووصولا الي المرتبة الثانية عالميا من حيث اجمالي الناتج المحلي وبفارق ضئيل عن الولايات المتحدة، محققة الانتشار الي أسواق متعددة ، ليس فقط للسوق الأمريكي بل نجحت في غزو السوق الاوروبي والأفريقي والآسيوي علي حد سواء، انتهاء الي مبادرة الحزام والطريق الصينية والتي تسعي الصين من خلالها الي مشاركة تجاربها الناجحة مع الدول النامية وربط العالم بشبكة اقتصادية كبيرة مكونة من موانئ وسكك حديدية تساهم في ايجاد العديد من الفرص الاستثمارية .
لفهم المغزي والهدف القريب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من وضع التعريفات الجمركية والذي يكمن في سرعة ضبط الميزان التجاري مع الآخرين، واستخدامه لتلك التعريفات بنسب عالية ما هو إلا ورقة ضغط علي كافة الدول للتوجه للولايات المتحدة والتفاوض معها علي زيادة الواردات من الشركات الامريكية ، لتحويل عجز الميزان التجاري الأمريكي الي فائض او في أسوأ الأحوال الي تعادل وليس بالضرورة نقل الشركات الأمريكية من الصين او الهند او غيرها الي الداخل الامريكي ، لما يتطلبه ذلك من سنوات طويلة وامكانيات مادية ولوجستية يصعب توفيرها في المستقبل القريب .
اختلفت استجابات الدول تجاه التعريفات المفروضة عليها من حيث قبول التفاوض من عدمه وزيادة الواردات الأمريكية اليها وطبقا لسياساتها الخارجية وتقديرها لموقفها، فالمشاهد للموقف الدولي الخاص بردود الأفعال تجاه التعريفات الأمريكية يجد ان هناك بعض الدول قد استجابت لمطالب الولايات المتحدة والبعض الاخر اعلن التحدي والصمود أمامها والرد بالمثل .
ظلت السياسة الخارجية الصينية تنتهج الصبر الاستراتيجي امام التحديات الأمريكية والتوازن في ردود الأفعال لإبقاء المسار التعاوني ولتحقيق القدر المناسب من المكاسب الاقتصادية ومعدلات مرضية للنمو الاقتصادي ، ومع ادراك الصين ان فرض ترامب للتعريفات الجمركية علي العالم اجمع ليس الهدف منه فقط ضبط الميزان التجاري للولايات المتحدة بل ايضا توسيع الفجوة الاقتصادية بينها وبين أقرب منافسيها وهي الصين التي تنبأ الخبراء لاقتصادها بتخطي اقتصاد الولايات المتحدة بحلول عام ٢٠٣٠ وما يبرهن علي ذلك قيام ترامب تعليق التعريفات الجمركية علي العالم اجمع باستنثاء الصين بل رفعها الي ١٢٥ ٪ مما يقضي بان المواجهة باتت حتمية بين قطبي العالم الاقتصاديين .
والمتابع لنهج السياسة الخارجية الصينية في العقد الأخير يجد انها باتت لا تقبل هيمنة الولايات المتحدة علي النظام الدولي وخاصة في المجال الاقتصادي واستطاعت بمهارة فائقة الاستفادة من حرية التجارة ومبادئ الرأسمالية والتخلي عن سمات الأنظمة الاشتراكية القائمة علي السياسات الحمائية وفرض التعريفات التي لجأت لها الولايات المتحدة مؤخرا، بل والتهديد علنا بشطب الشركات الصينية من البورصات الأمريكية في تخلي واضح عن مباديء الرأسمالية والسوق الحر وانتهاج نهج اشتراكي بحت .
ولذلك باتت السياسة الخارجية الصينية أكثر وضوحا عندما أعلنت الصين بانها ستخوض تلك الحرب التجارية وستقاتل حتي النهاية .. لتتحول من خيار الصبر الاستراتيجي والتفاوض الي خيار المواجهة (الند بالند) … لتضع قدرتها الشاملة خاصة القدرة الاقتصادية والإعلامية موضع اختبار حقيقي في مواجهة القوة العظمي المهيمنة علي النظام الحالي .
تمتلك الصين العديد من الأدوات الاقتصادية التي تستطيع ان تعبر بها عن مدي صلابتها في مواجهة الولايات المتحدة ولعل من أبرزها هي صعوبة قيام الولايات المتحدة نفسها بفك ارتباطها الاقتصادي ب الصين بالاضافة الي ان الصين هي ثاني اكبر دائن للولايات المتحدة من حيث امتلاك السندات الأمريكية مع امكانية توظيف آليات البريكس ومبادرة الحزام والطريق في مواجهة الاقتصاد الأمريكي وكذا تخفيض عملتها لتشجيع الاستثمار في الصين وغيرها من أدوات عديدة ، إلا ان مخاوف تلك المواجهة لن تقتصر علي الاقتصاد حال استمرارها وان تنقل الي مواجهة إعلامية وسياسية وتكنولوجية وهذا ما سيتم بالتأكيد مع اختلاف النمط ومدي تطور تلك المواجهات وفقا للأحداث .
الحقيقة المطلقة إذا جاز التعبير لن يكون هناك رابح في تلك المواجهات حال استمرارها واصرار الولايات المتحدة علي رفع التعريفات في وجهة الصين والسعي لاختبار مدي صلابة قوتها الشاملة لن يعود بالنفع علي الجانبين حيث ان المنتصر في تلك الحرب او المواجهة سيكون الأقل تضررا ، وسيتطلب تجنب استمرار تلك الموجهات النظر الي الواقع الفعلي المفروض بالميدان والمنطقية وليس التهديد والوعيد كأسلوب للتفاوض .