لم يكن تميز أهالي قرية سلاقوس التابعة لمحافظة المنيا في زراعة محصول الثوم، من قبيل الصدفة، بل كان نتاجًا لمجهود ودقة وإخلاص في الزراعة طوال عشرات السنين، والتي بدأوها في خمسينات القرن الماضي، حتى أصبح "ثوم" قريتهم علامة مميزة وماركة مسجلة عالمياً.
تقع قرية سلاقوس، في مركز العدوة شمالي غرب محافظة المنيا، وعلى بعد كيلومترات قليلة من مركز ومدينة الفشن التابعة لمحافظة بني سويف، ويعيش في القرية نحو 25 ألف نسمة تقريباً، ويعتمد أغلب سكانها على الزراعة، وباتت مشهورة على مستوى صعيد مصر والجمهورية كلها بزراعة الثوم، حيث تنتج ما يزيد عن 20 ألف طن سنويًا، يُصدّر معظمها إلى دول شرق آسيا، وعدد من الدول الأوروبية والعربية.
مشهد الحياة اليومية داخل سلاقوس..
يمكن للزائر أن يلاحظ منذ اللحظة الأولى حجم النشاط والدقة في عمليات جمع وتنظيف وتجهيز الثوم، فالعاملون يتحركون بكفاءة عالية، وتحت إشراف دائم لضمان جودة المحصول من لحظة اقتلاعه من التربة وحتى تعبئته وتصديره.
صناعة محلية بامتداد عائلي وتجاري..
مجلة أكتوبر قضت وقتاً داخل القرية، للتعرف على سبب شهرتها في زراعة الثوم وتصديره لمختلف دول العالم، والتقينا مع أحد أشهر المزارعين والمصدرين في القرية وليد أبو العمدة" والذي قال إن عائلته تعمل في هذا المجال منذ أكثر من 4 عقود، والجميع هنا يعلم كيف يحقق أفضل إنتاجية نظراً لاستخدام سلالات حديثة، واتباع أساليب ري صحيحة، مشيراً إلى أن تطور التجارة والانفتاح على السوق العالمي ساهم في توسع الصادرات.
ويضيف أبو العمدة: "جودة محصولنا ساهم في أن نصدر لدول شرق آسيا بالكامل، بالإضافة إلى روسيا، ألمانيا، إيطاليا، أوكرانيا، إسبانيا، هولندا، السعودية، الإمارات، الأردن، وسوريا والكويت" .
صناعة تستوعب الآلاف من العمالة يوميًا..
يُبرز العمدة أهمية محصول الثوم كمصدر رزق لآلاف المواطنين، موضحًا أن سلاقوس تستوعب أكثر من 15 ألف عامل يوميًا، منهم ما يزيد عن 10 آلاف من أبناء القرية نفسها، إضافة إلى حوالي 5 آلاف عامل من قرى مراكز مجاورة مثل مغاغة وبني مزار والفشن.
ويرى صاحب شركة التصدير أن التركيز على محصول معين وتطويره، مثل الثوم، يعود بالنفع الكبير على الاقتصاد المحلي، مشيدًا بتسهيلات الدولة في مجالات النقل والتصدير من خلال الطرق الجديدة والمحاور عبر النيل، ما ساهم في تسريع حركة التجارة، فضلاً عن تبطين الترع التي ساهمت في وصول مياه الري إلى أبعد أماكن بالقرية وتقديم تسهيلات كبيرة للمزارعين والمصدرين .
التوسع الزراعي نحو الظهير الصحراوي..
وفي ظل الدعم الحكومي لمشروعات مثل المليون ونصف فدان، بدأت القرية التوجه نحو الزراعة في الظهير الصحراوي الغربي، ما زاد من حجم الإنتاج وفرص العمل، وفتح آفاقًا جديدة لمضاعفة العائدات.
خطوات دقيقة من الحصاد إلى التصدير..
حجاج محمد، أحد العاملين في مجال تصدير الثوم بالقرية كذلك، يشرح مراحل العمل بدقة، موضحًا أن سلاقوس تنتج نوعين رئيسيين من الثوم: البلدي والصيني، ويبدأ العمل بعد الحصاد بإزالة الطين، ثم التقشير والفحص والتهذيب، قبل أن يخضع المنتج لمراجعة مسؤولي الجودة.
وبعد التأكد من الجودة، يتم تعبئة الثوم في أقفاص بلاستيكية أو سلال من الخوص بأوزان مختلفة حسب الطلب، ويوضع في ثلاجات تبريد قبل تحميله في حاويات شحن ضخمة يتم تصديرها مباشرة من سلاقوس إلى الخارج.
تكامل صناعي داخل القرية..
يوضح محمد أيضاً أن القرية طورت بنيتها التحتية لتصنيع وتخزين الثوم، حيث أُنشئت شركات كبرى وثلاجات عملاقة داخل سلاقوس، لتفادي الحاجة إلى التوجه للمناطق الصناعية في وجه بحري أو القاهرة، ما أتاح سرعة في التصدير وزيادة الثقة في جودة المنتج الطازج.
"سلاقوس".. نموذج أوروبي في قلب الصعيد..
محمود فضل أحد الشباب العاملين في الثوم منذ عدة سنوات، والمسؤول عن جودة الثوم قبل التصدير وبعد جمعه في القرية، يقول:
"احنا قرية منياوية بمواصفات أوروبية"،
مشيرًا إلى أن سلاقوس تحولت إلى منطقة صناعية متكاملة داخل مركز العدوة، وأن شباب القرية اعتادوا على العمل بها منذ الصغر.
ويضيف أن القرية تشهد نشاطًا دائمًا طوال العام، حيث يبدأ موسم زراعة الثوم الفريش في يناير وحتى مايو، يليه موسم الثوم الجاف، ما يعني أن فرص العمل لا تنقطع لسكان القرية والقرى المجاورة.
حلم التوسع.. من سلاقوس إلى صعيد متكامل
يختتم فضل حديثه بأمنية أن تتحول جميع قرى محافظة المنيا و الصعيد إلى نماذج مشابهة لسلاقوس، التي وصلت إلى العالمية بجودة منتجها وتكامل خطوات العمل فيها، لتصبح أيقونة محلية في مجال الزراعة والصناعة والتصدير.
بهذا النموذج، أصبحت قرية سلاقوس علامة مسجلة في مجال تصدير الثوم، ونجحت في الجمع بين الإرث الزراعي والتطور الحديث، لتؤكد أن القرية المصرية قادرة على غزو الأسواق العالمية بإنتاجها المحلي عندما تتوافر الإرادة والدعم والتخطيط.