كندا على مفترق طرق: انتخابات 2025 بين استقالة ترودو، صعود كارني، وظلال ترامب

كندا على مفترق طرق: انتخابات 2025 بين استقالة ترودو، صعود كارني، وظلال ترامبصوره ارشيفيه

عرب وعالم24-4-2025 | 16:09

في مشهد سياسي بالغ التعقيد، تتجه أنظار العالم إلى كندا التي تستعد لخوض انتخابات عامة فارقة في 28 أبريل 2025، وسط تغيرات دراماتيكية شملت استقالة رئيس الوزراء جاستن ترودو، وصعود الاقتصادي البارز مارك كارني إلى زعامة الحزب الليبرالي، وتنامي خطاب قومي محافظ يقترب من خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

هذا التحول السياسي يأتي في وقت حساس تمر فيه كندا باضطرابات داخلية وتحديات خارجية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول موقعها الإقليمي، وتحالفاتها، وهويتها الليبرالية التي ظلت لسنوات محط فخر واعتزاز.

أشارت الدكتورة حنان أبو سكين، أستاذة العلوم السياسية بـ المركز القومي للبحوث الاجتماعية، إلى أن ما يميز هذه الانتخابات ليس فقط التغير في الوجوه السياسية، ولكن عمق التحولات في المزاج الشعبي الكندي، الذي بات أقل ثقة في المؤسسات التقليدية، وأكثر انجذابًا نحو الطروحات الاقتصادية والأمنية المباشرة. وأضافت أن الصراع الحالي لا يدور فقط بين ليبراليين ومحافظين، بل بين رؤيتين لمستقبل كندا: دولة ذات سيادة متوازنة، أم تابع اقتصادي وسياسي للولايات المتحدة.

شكل إعلان جاستن ترودو استقالته من زعامة الحزب الليبرالي في يناير 2025 نقطة تحول في الساحة السياسية الكندية، بعد ما يقرب من عقد من الزمن في الحكم، شابه خلاله تراجع متواصل في شعبيته بسبب قضايا داخلية وخارجية، كان أبرزها تضاؤل الثقة في قدرته على إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة، وتراجع الاقتصاد، وفضائح أخلاقية أضرت بصورة الحزب.

ومع صعود مارك كارني – الحاكم السابق لبنك كندا وبنك إنجلترا – إلى قيادة الحزب، تجددت آمال الليبراليين في استعادة ثقة الشارع. كارني الذي يوصف بأنه تكنوقراطي واقتصادي صارم، يتبنى خطابًا وسطياً يميل إلى الواقعية في السياسة الخارجية، ويحظى بدعم قطاع واسع من الطبقة المتوسطة والكوادر المهنية. حملته الانتخابية ركزت على مقاومة الهيمنة الأمريكية واستعادة القدرة التنافسية الكندية عبر الاستثمارات في التكنولوجيا والطاقة النظيفة.

أوضحت أبو سكين أن كارني يمثل نموذجًا جديدًا للقيادة الكندية: عقلاني، غير صدامي، لكنه غير قابل للابتزاز. وأضافت أن استراتيجيته تقوم على تقديم بديل مقنع للناخبين دون اللجوء إلى الخطابات الحماسية، وهي نقطة تميّزه عن منافسيه، لكنها قد تكون سلاحًا ذا حدين في مواجهة صعود الشعبويين.

تغيرت الخريطة الحزبية الكندية بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين، حيث تراجع نفوذ الحزب الليبرالي في عدة مقاطعات، خاصة في أونتاريو وكيبيك، فيما صعد حزب المحافظين بقيادة بيير بويليفر بخطاب قومي محافظ يلامس مشاعر الناخب الغاضب من التبعية الاقتصادية والسياسية لواشنطن. كما برزت قوى جديدة في المشهد، مثل حزب الخضر الذي وسع قاعدته في الساحل الغربي بفضل طرحه البيئي الراديكالي، إلى جانب الحزب الديمقراطي الجديد (NDP) الذي يحاول استقطاب الناخب اليساري غير الراضي عن أداء الليبراليين.

أما "كتلة كيبيك"، فواصلت لعب دور "بيضة القبان" في الانتخابات الفيدرالية، مدفوعة بشعور قومي خاص داخل مقاطعة كيبيك، حيث قضايا اللغة والثقافة والهوية تلعب دورًا حاسمًا في خيارات التصويت.

تحولت الولايات المتحدة إلى محور أساسي في الحملات الانتخابية الكندية، خاصة بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب هاجم فيها السياسات التجارية لكندا، وهدد بـ"مراجعة" اتفاقيات الدفاع المشترك ما لم تزد كندا إنفاقها العسكري. وقد انقسمت الأحزاب الكندية تجاه هذه الهجمات؛ فبينما دعا المحافظون إلى التهدئة وإعادة التفاوض مع واشنطن بـ"عقلانية"، شدد مارك كارني في خطاباته على ضرورة تنويع الشركاء الاقتصاديين و"فك الارتباط الجزئي" مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن كندا يجب أن تكون قوة مستقلة لا "حديقة خلفية لواشنطن".

أضافت أبو سكين أن الكنديين هذه المرة لا يصوتون فقط من أجل ضرائب أقل أو خدمات أفضل، بل من أجل الحفاظ على كرامة الدولة وسيادتها السياسية. وأشارت إلى أن قدرة الحزب الفائز على إعادة تعريف العلاقة مع أمريكا، وتحقيق توازن بين الأمن والاقتصاد، ستكون العامل الحاسم في المشهد المقبل.

وسط هذه التحديات، تظل الانتخابات الكندية القادمة اختبارًا حقيقيًا للديمقراطية الليبرالية في ظل تزايد الخطابات الشعبوية والتهديدات الخارجية. فهل ينجح مارك كارني في إعادة الليبراليين إلى الحكم؟ أم يستغل المحافظون اللحظة ويغيرون وجه كندا؟ الأكيد أن يوم 28 أبريل لن يكون مجرد موعد انتخابي، بل مفترق طرق لبلد يواجه أسئلة كبرى عن مستقبله وهويته وموقعه في عالم يتغير.

أضف تعليق

رسائل الرئيس .. ومستقبل القارة الذهبية

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان